وارتكزت هذه الحملة على جملة من الادعاءات والأكاذيب، التي استهدف بها الدبلوماسيان طمس قوة الحقائق وتبرئة النظام الجزائري من مسؤولية ما تشهده علاقات الجزائر بتونس أوبالمملكة المغربية، ارتباطا بعدائه لوحدتها الترابية.
وأطلق رحابي حملته الواردة في مساهمة له في جريدة "الخبر" الجزائرية بفرية كبرى زعم فيها أن المرزوقي ليس تونسي الأصل وأن تونس هي مجرد بلده بالتبني، علما أن الجميع يعلم أنه ولد لأب تونسي ،هو المرحوم محمد البدوي المرزوقي المحامي والناشط السياسي ،الذي انتقل في سنة 1956 للعيش في المغرب، لخلافه مع حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
وتعامى رحابي على أن المرزوقي خضع في انتخابه رئيساً للجمهورية التونسية في دجنبر 2011 من المجلس الوطني التأسيسي ،للقانون الذي نص على أن يكون المترشح تونسياً وألا يحمل جنسية أخرى وأن يكون مولوداً لأبوين تونسيين.
المرزوقي وإحياء الاتحاد المغاربي
وبخصوص اتحاد المغرب العربي ،ادعى رحابي أن الرئيس المرزوقي خالف الحياد الإيجابي الذي ميز الموقف التونسي منذ عام 1975 بشأن قضية الصحراء وأنه " في عام 2012 تميز معنا بجرأة غير مألوفة في علاقاتنا وبتحرك غير مسبوق لتنظيم قمة الاتحاد المغاربي في تونس ،تضمنت بندا وحيدا على جدول الأعمال في شكل صفقة يقترح فيها الموافقة على خطة الحكم الذاتي المغربية مقابل منح الجزائر منفذاً إلى المحيط الأطلسي".
وتهاوى اتهام رحابي برد سريع من المرزوقي أكد فيه حفاظه على سياسة الحياد الإيجابي الذي ميز الموقف التونسي منذ عام 1975 بشأن قضية الصحراء والصراع بين الجزائر والمغرب، وأنه حاول طيلة فترة رئاسته أن يبني أحسن العلاقات مع الجزائر،" لكن الفيتو الذي وضعه النظام الجزائري على الثورة الديمقراطية في تونس وعلى شخصه هو نفس الفيتو الذي يضعه على أي حل تصالح مع المغرب".
وشارك السفير السابق عمار بلاني زميله في السردية المغلوطة في تدوينة في الفايس بوك ،مدعيا أن"الرئيس التونسي الأسبق سعى إلى فرض عقد قمة لاتحاد المغرب العربي، وكان الأمر، في نهاية المطاف، مجرد ديكور بروتوكولي، هدفه لم يكن إعادة إطلاق مشروع مغاربي يحتضر، بقدر ما كان تمكين صاحبه من الحصول، بأقل كلفة، على الفضل الرمزي في «جمع» رؤساء الدول. وكان الهدف الآخر، غير المعلن، تسويق عرض لا يتجاوز كونه مناورة خطابية وتكتيكية، يقوم على اقتراح منح الجزائر منفذاً إلى المحيط الأطلسي مقابل قبولها بالخطة المغربية للحكم الذاتي، وهو ما كان سيعني تحويل قضية مبدئية إلى مجرد مساومة جيوسياسية".
مواصلة الجزائر تعطيل الاتحاد
غير أن وقائع تلك المرحلة تكذب رواية الدبلوماسيين الجزائريين، بإعلان الرئيس التونسي الأسبق بنفسه قبل أكثر من ست سنوات أن المسعى التونسي في سنة 2012 كان بهدف جمع قمة مغاربية ليس ببند واحد ،بل لتنفيذ أهداف ميثاق الاتحاد المغاربي ،قائلا أن "المقترح الذي قدمه حينها إلى السلطات الجزائرية والمغربية و الليبية، هو هل الممكن أن نحكي في مواضيع أخرى غير موضوع الصحراء في الوقت الحاضر؟ يعني، نتحدث مثلاً عن الحريات الخمس (التنقل، والعمل، والإقامة، والتملك، والمشاركة في الانتخابات البلدية لمواطني الدول المغاربية داخل الإقليم المغاربي)، وهذا سيخلق ديناميكية جديدة بين الشعوب، وفي إطار تلك الديناميكية ربما سنجد حلاً للمشكلة الصحراوية ضمن اتحاد مغاربي يحفظ استقلال الدول والحدود، وربما ينمي الحكم المحلي. للأسف، فكل الأطراف وافقت حينها عدا الطرف الجزائري، الذي أعلن رفضه للمقترح".
وتبين أن النظام الجزائري رفض منذ ذلك التاريخ ولا يزال إقامة الاتحاد المغاربي على أسس صلبة من قبيل حرية تنقل الأشخاص والممتلكات والانخراط في التكامل الاقتصادي بين الدول الخمسة الأعضاء،مما يفرض عليه إعادة فتح الحدود البرية مع المغرب ،التي أغلقها من طرف واحد في غشت 1994 ،ورهن موقفه من الاتحاد بعدائه للمغرب ولوحدته الترابية ،معترضا على كل محاولة لإخراج الاتحاد من حالة الجمود التي يعانيها.
وحمل المرزوقي قبل أيام في حديث للقدس العربي مجددا النظام الجزائري مسؤولية الوضع في المنطقة المغاربية، بقوله"نعم، أنا مؤمن بأن سياسة الجزائر في قضية الصحراء هي سبب الموت السريري للاتحاد المغاربي والمزيد من الفقر والمعاناة لشعوبنا، فضلا عن المتاجرة بآلام الصحراويين المحتجزين في تندوف منذ أجيال".
المغرب لم يطلب تجميد أنشطة الاتحاد
وفي هذا الشأن أطلق السفير السابق بلاني مجموعة من الافتراءات ، مدعيا "إن تحميل الجزائر مسؤولية تعطيل اتحاد المغرب العربي لا يعدو أن يكون تلاعباً مضللاً تكذبه الوقائع بصورة قاطعة. فالمملكة المغربية هي التي وجهت، عبر وزير خارجيتها آنذاك عبد اللطيف الفيلالي، في 20 ديسمبر 1995، رسالة رسمية إلى الجزائر، التي كانت تتولى آنذاك رئاسة الاتحاد، طلبت فيها صراحة تجميد أنشطة ومؤسسات الاتحاد، وبالتالي، فإن الرباط، وليس الجزائر، هي التي بادرت إلى تعليق عمل المؤسسات المغاربية، لتحول الاتحاد منذ ذلك الحين إلى مجرد هيكل مؤسساتي فارغ".
ويقفز بلاني هنا على السبب وراء رسالة المرحوم عبد اللطيف الفيلالي التي وجهها فعلا في 20 دجنبر 1995 إلى الأمانة العامة لاتحاد المغربي ونظرائه في الدول الأعضاء وليس إلى الجزائر بمفردها، معلنا فيها تجميد مشاركة المغرب في مؤسسات الاتحاد ولم يطلب فيها تجميد أنشطة ومؤسسات الاتحاد.
وجاء هذا الموقف من المغرب ،ردا على الرسالة التي وجهها وزير الخارجية الجزائري آنذاك محمد الصالح دمبري في 6 دجنبر 1995 إلى رئيس مجلس الأمن الدولي، من أجل تبني موقف الجزائر المعادي للمغرب في مسار البحث عن تسوية لقضية الصحراء بإشراف الأمم المتحدة، دون مراعاة لأوفاق اتحاد المغرب العربي ،التي تدعو إلى الوحدة والحفاظ على الوحدة الترابية للدول الأعضاء وليس التجزئة.
لقد كان رد المغرب قائما على الوضوح وعلى وضع النظام الجزائري أمام مسؤولياته ،للكف عن ادعاء تمسكه بالاتحاد المغاربي، ومحاولافي الوقت نفسه المس بالوحدة الترابية لدولة عضو في الاتحاد.
وأكدت تطورات الأحداث لاحقا أن النظام الجزائري حاول بكل السبل إقبار اتحاد المغرب العربي،الذي لا تزال أمانته العامة قائمة وتمارس عملها من مقرها في الرباط ، بتملصه منذ عشر سنوات من من أداء واجبات عضوية الجزائر في الاتحاد ،فضلا عن محاولته الفاشلة خلق اتحاد شمال إفريقيا ،بإقصاء المغرب ،ليكون بديلا للاتحاد.
وضعية المحتجزين في تندوف
ويفتري بلاني أيضا في رده على المرزوقي في وصفه إخواننا الصحراويين بأنهم محتجزون في تندوف وتتاجر الجزائر بمعاناتهم ،مدعيا أنه" يرتكب تزويراً خطيراً، لأنه يتبنى بذلك السردية المغربية وعناصر خطاب السلطات المغربية..و يتظاهر بنسيان أن عشرات الآلاف من الصحراويين فروا من المعارك والقصف المغربي".
وتفند وقائع مرحلة منتصف السبعينيات الماضية مزاعم بلاني،لأن المخابرات العسكرية الجزائرية قامت في غمرة انشغال المغرب باستعادة أقالميه الجنوبية ،بنقل ألاف الصحراويين قسرا من الصحراء إلى تندوف ووفرت العتاد الأمني واللوجستي لتمكين انفصاليي البوليساريو،تحت إشرافها، من التحكم في رقاب ساكنة مخيمات الحمادة وسعى النظام الجزائري بذلك إلى توظيف ورقة المخيمات ،لترويج أطروحة الانفصال المتآكلة وخدمة نهجه التوسعي المنطقة.
وأكد عدد من مؤسسي البوليساريو العائدين إلى المغرب ،أن الجزائر تُوظّف قضية المحتجزين في تندوف لخدمة حساباتها الجيوسياسية الإقليمية، مما يكرس استمرار الوضع القائم على حساب حقوقهم.
ولا يلتزم النظام الجزائري بتنفيذ اتفاقية جنيف للاجئين في مخيمات تندوف، الذين هم في الواقع محتجزون لا يتمتعون بحرية التنقل والعمل وغيرهما من الحقوق الأساسية ولذلك سبق للجنة حقوق الإنسان السابقة التابعة للأمم المتحدة أن رفضت إعفاء الجزائر من التزاماتها، وأكدت أن علىها ضمان الحقوق والحريات وسبل الانتصاف الفعالة للموجودين في مخيمات تندوف.
مخابرات الجزائروراء اعتداء مراكش
وردد السفير السابق بلاني الأسطوانة المشروخة لتبرير لجوء النظام إلى إغلاق الحدود البرية مع المغرب، الذي كان قد فرض تأشيرة الدخول على الجزائريين ،في غشت 1994 ،عقب الاعتداء الإرهابي الذي استهدف فندق أطلس أسني في مراكش، مدعيا أن " وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، شارل باسكوا، أكد علناً أن مدبري ومنفذي اعتداء مراكش كانوا جميعاً ينتمون إلى حركة الشباب الإسلامي المغربي، المعروفة أيضاً باسم «الشبيبة الإسلامية»، وهي منظمة ذات انتماء مغربي محض". وزعم أن "هذه المعلومة، التي جاءت من باريس وليس من الجزائر، تسقط بأثر رجعي الأساس الذي قامت عليه الاتهامات الأولية، والتي اتُخذت ذريعة لفرض نظام التأشيرات، ومن ثم لإغلاق الحدود".
غير أن القرائن أثبت خلاف ذلك ،لأن الشخص المغربي المنتمي آنذاك للشبيبة الإسلامية الذي أشرف على الاعتداء كان مقيما في الجزائر ومكنته المخابرات الجزائرية من جواز سفر جزائري للسفر إلى باريس وتجنيد الخلية المكلفة بتنفيذ العمل الإرهابي ،فضلا عن أن بعض المشاركين في الاعتداء كانوا جزائريين يحملون أيضا الجنسية الفرنسية.
وهكذا يكشف خروج الدبلوماسيين رحابي وبلاني للتحامل على الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي ردا على دفاعه عن سيادة تونس و استقلالية قرارها وانتقاده نهج النظام الجزائري في المنطقة المغاربية، عن تهافت الخطاب الجزائري وترويجه سياسات ثبت فشلها، في صلبها العداء المستمر للمغرب ولوحد ته الترابية.
وتبين أيضا أن حمل الدبلوماسيين الجزائريين مجددا يافطة الدفاع عن المبدإ المزعوم لحق تقرير المصير في قضية الصحراء ،لا يصمد أمام قوة الشرعية الدولية مجسدة في القرار الأممي 2797،الذي أكد أن لا حل للنزاع المفتعل خارج نظام الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.




