قبل نهاية الحرب.. تحركات لإعادة السوداني وتحييد الفصائل
بغداد/ تميم الحسن
يندفع فريق داخل "الإطار التنسيقي" لرسم خارطة سياسية سريعة، مستبقًا مآلات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تقوم على تحجيم دور "الفصائل" وتمهيد الطريق لإعادة محمد شياع السوداني إلى ولاية ثانية.
وخلال الأسبوع الأخير، صدرت ثلاث إشارات رسمية باتجاه إبعاد الجماعات المسلحة عن مسار التصعيد، من بينها مقال لرئيس فائق زيدان، إلى جانب إعلان تنسيق مشترك بين بغداد وواشنطن، ما أثار غضب "الفصائل".
بالتوازي، تعرضت مواقع مرتبطة بـ"الحشد الشعبي" لأكثر من 100 هجوم منذ مطلع آذار، في مؤشر على تصاعد الضغط الميداني.
في المقابل، دفعت التوترات الإقليمية إلى ما يشبه "قرارًا غير معلن" داخل التحالف الشيعي بتأجيل حسم تشكيل الحكومة إلى ما بعد انتهاء الحرب، في وقت فشل فيه "الإطار" منذ نحو 130 يومًا في تمرير مرشحه لرئاسة الوزراء.
الصراع على المنصب عاد مجددًا بين السوداني ونوري المالكي، رغم أنه كان يُفترض حسمه قبل أكثر من شهرين. وكان السوداني قد فاجأ حلفاءه مطلع 2026 بتنازله لصالح المالكي، قبل أن يتحول القرار إلى ما يشبه "ورطة جماعية" دفعت الجميع إلى البحث عن مخرج.
تحالفات الظل
في بغداد، حيث تُصنع القرارات خلف الأبواب المغلقة، يقود عمار الحكيم، زعيم "تيار الحكمة"، تحركًا حثيثًا يوصف بأنه الأكثر اندفاعًا منذ سنوات، لإعادة تدوير ولاية محمد شياع السوداني، ضمن ترتيبات تُدار بهدوء وتُحاط بسرية عالية.
المخطط، وفق ما يتداول في الأروقة السياسية، يقوم على تجاوز الإعلان الرسمي لترشيح السوداني من قبل الإطار التنسيقي، لتفادي ردود الفعل الشعبية، إلى جانب اعتراضات محتملة داخل الإطار نفسه.
وفي التفاصيل، يتحرك النائب أحمد الساعدي، عن "تيار الحكمة"، داخل البرلمان لجمع التواقيع اللازمة لعقد جلسة مرتقبة غدًا الاثنين. وكان قد نشر، الجمعة الماضية، قائمة يُفترض أنها تضم تواقيع 220 نائبًا لدعوة البرلمان إلى انتخاب رئيس الجمهورية.
وبعد ساعات، أكد رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي أن المجلس ماضٍ في تحمل مسؤوليته الدستورية والمضي نحو انتخاب رئيس الجمهورية، فيما أعلن نائبه الأول عدنان الفيحان عن تحركات لعقد جلسة خلال هذا الأسبوع لحسم الموعد.
ظاهريًا، الهدف هو انتخاب رئيس الجمهورية، لكن خلف هذا العنوان الدستوري يجري ترتيب مسار متكامل لإعادة تكليف السوداني، في خطوة يصفها خصومها بأنها التفاف على تفاهمات سابقة داخل الإطار.
المرحلة المفصلية تبدأ مع انتخاب الرئيس الجديد، حيث يبرز اسم نزار أميدي، المدعوم من بافل طالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني.
وبمجرد أداء اليمين الدستورية، تدخل شخصية قيادية في "الإطار التنسيقي" على الخط، يُتوقع أن تتولى تقديم كتاب التواقيع لتكليف السوداني فورًا، ضمن تفاهمات موازية تتضمن مناصب متقدمة، مثل مستشار الأمن القومي بدل قاسم الأعرجي أو رئاسة هيئة المساءلة والعدالة.
لكن هذا السيناريو يصطدم بتحركات معاكسة، إذ أطلق النائب يوسف الكلابي، المقرب من نوري المالكي، تحديًا مباشرًا لمؤيدي السوداني، داعيًا إياهم إلى "المرور على جثة 100 نائب" قبل تمرير التجديد.
وفي السياق، تكشف مصادر سياسية قريبة من معسكر المالكي أن ما لا يقل عن 125 نائبًا وقعوا تعهدات برفض التجديد للسوداني، وهو رقم كافٍ لتشكيل «الثلث المعطل» داخل البرلمان.
ويعني ذلك عمليًا تعقيد تمرير الاستحقاقات الدستورية، إذ يتطلب انتخاب رئيس الجمهورية – الذي يتولى بدوره تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة – أغلبية الثلثين، أي ما لا يقل عن 220 نائبًا، ما يضع خطة "تحالفات الظل" أمام اختبار حاسم داخل قبة البرلمان.
ضبط الداخل وإقصاء المالكي
هذا الاندفاع، الذي يتجاوز المقررات "شبه الرسمية" داخل "الإطار التنسيقي" بتأجيل حسم رئاسة الوزراء إلى ما بعد نهاية الحرب، يهدف – بحسب مصادر سياسية تحدثت لـ(المدى) – إلى تحقيق هدفين رئيسيين:
أولهما، فرض السيطرة على الأوضاع الداخلية ومنع انزلاق البلاد نحو مواجهة مفتوحة قد تدفع بها "الفصائل" إلى قلب الصراع.
وثانيهما، إبعاد نوري المالكي عن واجهة السلطة، بغضّ النظر عن مآلات الحرب، في ظل قناعة متزايدة داخل الإطار برفض عودته.
وينقسم "الإطار" اليوم إلى جناحين: أحدهما يدعم محمد شياع السوداني ويؤكد امتلاكه "أغلبية الثلثين" مع انحياز 9 من القادة له من أصل 12، فيما يتمسك الجناح الآخر بالمالكي بوصفه المرشح الوحيد، ويرى في التحركات الجارية مجرد "التفاف سياسي".
المالكي، من جهته، يرفض الانسحاب ما لم يُعلن الإطار رسميًا سحب ترشيحه، بينما يراهن خصومه على مبادرة منه لكسر الجمود. ورغم أن معسكر السوداني يفترض أنه حسم خياره منذ أسابيع، بل وأبلغ الولايات المتحدة بذلك، إلا أن الإعلان الرسمي لا يزال مؤجلًا، وسط مخاوف من أن يؤدي إقصاء المالكي إلى تفكك التحالف أو تفجير مواجهة داخلية.
في خلفية هذا الصراع، يبرز العامل الخارجي كقوة ضاغطة. فالتقديرات تشير إلى أن طرح بدائل عن المالكي قد يحمل رسالة إلى واشنطن، في محاولة لإظهار مسافة عن التصعيد الإقليمي. وقد أقر وزير الخارجية فؤاد حسين بأن العراق بات جزءًا من جغرافية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
الدولة مقابل الفصائل
وفي هذا السياق، شدد رئيس مجلس القضاء فائق زيدان على أن إعلان الحرب يخضع لنص المادة (61/ تاسعًا) من الدستور، التي تقصر القرار على آلية مشتركة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وبموافقة ثلثي البرلمان، محذرًا في مقال له من أن أي تجاوز لهذا الإطار يهدد النظام الديمقراطي ويقوض سيادة القانون.
كما حذر زيدان من أن تحركات بعض الفصائل ومحاولتها الانفراد بقراري الحرب والسلم تمثل "تهديدًا مباشرًا لسيادة الدولة"، و"تفتح الباب أمام فوضى قانونية وأمنية".
بالتوازي، أعلنت السفارة الأميركية في بغداد تشكيل لجنة تنسيق عليا مشتركة مع العراق، في إطار الشراكة الاستراتيجية، لتعزيز التعاون الأمني ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي أعمال عدائية.
وقال فهد الجبوري، القيادي في تيار الحكمة، إن العراق "لن يكون مصدر تهديد أو قلق لدول الجوار"، معربًا عن أسفه لصدور مواقف وتصريحات تعيد إلى الأذهان أخطاء الماضي حين وُضع البلد في خانة تهديد الأمن الإقليمي، رغم ما مرّ به من أزمات.
وأكد لـ(المدى) أن المرحلة تتطلب "خطابًا مسؤولًا يعزز الاستقرار ويبتعد عن التوتر"، مبينًا أن "الدولة وحدها المعنية بإدارة العلاقات الخارجية واتخاذ القرارات بما ينسجم مع المصلحة العليا، لا وفق حسابات ضيقة قد يدفع ثمنها العراقيون".
من جانبه، أكد بهاء الأعرجي، رئيس "كتلة الإعمار والتنمية" النيابية، أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل "الطريق الوحيد" لكسر دائرة الفوضى وبناء دولة مستقرة، مشددًا على أن قرار الحرب يجب أن "يبقى حصرًا بيد المؤسسات الدستورية".
في المقابل، أثارت هذه المواقف غضب الفصائل المسلحة، التي تقول إنها خسرت نحو 200 بين قتيل وجريح خلال المواجهات الأخيرة، بحسب قيادات شيعية.
وردّت كتائب حزب الله ببيان بعد ساعات من مقال زيدان، أكدت فيه أن "الدفاع عن الأرض والمقدسات لا يحتاج إلى إذن"، متهمة أطرافًا داخلية بـ"التنسيق مع الأعداء"، وفق ما جاء على لسان المتحدث باسمها أبو مجاهد العساف.
كما أعلنت الفصائل تمديد المهلة لوقف استهداف القوات الأمريكية لخمسة أيام إضافية – للمرة الثالثة – مع تحذيرات من "اختبار صبر المقاومة"، بالتوازي مع هجوم لاذع على الدعوات لنزع سلاحها، واعتبارها جزءًا من "مشروع خارجي" يستهدف إضعافها في خضم الصراع الإقليمي.
The post قبل نهاية الحرب.. تحركات لإعادة السوداني وتحييد الفصائل appeared first on جريدة المدى.





