كارثة أكبر من هرمز.. ماذا سيخسر العالم إذا أغلقت الصين مضيق تايوان؟
#سواليف
في تطور أثار قلق الأوساط العسكرية والاستخباراتية، شهد صباح 27 فبراير/شباط 2026 توقفًا مفاجئًا للنشاط الجوي العسكري الصيني فوق تايوان، وذلك قبل ساعات فقط من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وجاء هذا السلوك على خلاف النمط المعتاد الذي دأبت عليه بكين خلال السنوات الماضية، حيث كانت الطائرات الحربية الصينية تنفذ اختراقات شبه يومية لمنطقة الدفاع الجوي التايوانية في إطار استعراض مستمر للقوة العسكرية والضغط النفسي على الجزيرة.
واستمر هذا الهدوء غير المسبوق قرابة أسبوعين كاملين، باستثناء حادثة اختراق محدودة، ليصبح أطول انقطاع للنشاط الجوي الصيني منذ بدء هذه العمليات المنتظمة عام 2020. وأثار التوقف المفاجئ موجة واسعة من التكهنات، إذ اعتبره بعض المحللين العسكريين مؤشرًا على استعدادات صينية لعملية كبرى، بينما رآه آخرون جزءًا من استراتيجية تضليل تهدف إلى إخفاء تحركات عسكرية أكثر خطورة.
انشغال أمريكي وفرصة صينية محتملة
تزامن هذا التطور مع انخراط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مكلفة في الشرق الأوسط، حيث كشفت تقارير إعلامية عن استنزاف جزء من القدرات الدفاعية الأمريكية المخصصة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وأشارت المعلومات إلى نقل صواريخ “باتريوت” الاعتراضية ومنظومات “ثاد” الدفاعية من قواعد أمريكية في آسيا إلى الشرق الأوسط لمواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة.
وأدى هذا التحول في توزيع الموارد العسكرية الأمريكية إلى إثارة تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على الاستجابة السريعة لأي تحرك صيني ضد تايوان، خاصة أن بكين تراقب عن كثب مستوى الجاهزية الأمريكية في المنطقة.
ورغم أن الصين لم تقدم على أي تصعيد مباشر خلال تلك الفترة، فإن العديد من الخبراء يرون أن بكين فضلت الانتظار إلى حين توفر ظروف استراتيجية أكثر ملاءمة، دون أن تتخلى عن طموحاتها طويلة الأمد تجاه الجزيرة.
من الغزو إلى الحصار.. تحول في التفكير العسكري
في الوقت الذي يركز فيه معظم المراقبين على احتمال قيام الصين بغزو عسكري مباشر لتايوان، برزت فرضية أخرى أكثر تعقيدًا طرحها المحلل العسكري روبن جونسون، مدير مركز آسيا للأبحاث في مؤسسة كازيمير بولاسكي.
وتقوم هذه الفرضية على احتمال لجوء بكين إلى فرض حصار بحري شامل على الجزيرة بدلاً من تنفيذ عملية إنزال عسكري واسعة النطاق. ويرى جونسون أن هذا السيناريو قد يكون أكثر فعالية وأقل تكلفة بالنسبة للصين، خصوصًا في ظل المخاطر الهائلة التي ينطوي عليها أي غزو مباشر.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تعاني حاليًا من تحديات متزايدة في مجال السيطرة البحرية، ما قد يجعل استراتيجية الحصار أداة ضغط أكثر تأثيرًا من الحرب التقليدية.
مناورات تحاكي العزل الكامل لتايوان
وكانت الصين قد أجرت في ديسمبر/كانون الأول 2025 مناورة عسكرية واسعة تحت اسم “مهمة العدالة 2025″، اعتبرها خبراء الأمن الإقليميون محاكاة عملية لسيناريو حصار شامل لتايوان.
وشملت المناورة عشرات الصواريخ وسفنًا حربية ومقاتلات ومسيرات استراتيجية، إضافة إلى تدريبات على استهداف الموانئ وقطع خطوط الإمداد البحرية والجوية عن الجزيرة.
وأظهرت تلك المناورات تحولًا واضحًا في العقيدة العسكرية الصينية، إذ لم يعد التركيز منصبًا فقط على اجتياح تايوان بالقوة، بل على إمكانية خنقها اقتصاديًا وعسكريًا عبر عزلها عن العالم الخارجي وإجبارها على الاستسلام تحت الضغط.
2027.. عام الحسم المحتمل
يتزايد الاهتمام بعام 2027 باعتباره محطة مفصلية في الصراع الصيني التايواني، إذ يتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني.
وكان الأدميرال الأمريكي فيليب ديفيدسون قد حذر عام 2021 من أن الصين قد تصبح جاهزة للتحرك ضد تايوان بحلول هذا التاريخ، فيما عُرف لاحقًا باسم “نافذة ديفيدسون”.
كما أكدت تقديرات استخباراتية أمريكية لاحقة أن مسألة إعادة توحيد الصين مع تايوان تمثل هدفًا استراتيجيًا أساسيًا للرئيس الصيني شي جين بينغ، وترتبط بشكل مباشر بمشروع “النهضة العظيمة للأمة الصينية” الذي تستهدف بكين تحقيقه بحلول عام 2049.
صعود القوة البحرية الصينية
خلال العقد الأخير، كثفت الصين استثماراتها العسكرية بشكل غير مسبوق، وركزت بشكل خاص على تطوير قواتها البحرية التي كانت تُعد تاريخيًا نقطة ضعف مقارنة بالولايات المتحدة.
ونجحت بكين في بناء أكبر أسطول بحري في العالم من حيث عدد السفن، كما استثمرت بكثافة في تطوير الغواصات النووية وأنظمة الاستشعار البحرية. وأطلقت عام 2023 غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية مزودة بتقنيات متقدمة لتقليل الضجيج، في خطوة تهدف إلى تقليص الفجوة التكنولوجية مع البحرية الأمريكية.
كما أنشأت الصين شبكة واسعة من أجهزة الاستشعار تحت الماء على امتداد سواحلها وفي بحر الصين الجنوبي، فيما وصفه بعض الخبراء بـ”سور الصين العظيم تحت الماء”، بهدف مراقبة التحركات البحرية المعادية وعرقلة عمل الغواصات الأمريكية.
تايوان.. عصب التكنولوجيا العالمي
تكمن أهمية تايوان الاستراتيجية في كونها مركزًا عالميًا لصناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية المتقدمة.
وتسيطر الجزيرة على نسبة كبيرة من إنتاج الرقائق المتطورة التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية والعسكرية حول العالم، بدءًا من الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب وصولًا إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي والطائرات المقاتلة الحديثة.
ولهذا السبب يشبّه بعض الخبراء مضيق تايوان بمضيق هرمز، لكن في قطاع التكنولوجيا. فإذا كان هرمز شريان الطاقة العالمي، فإن مضيق تايوان يمثل شريان الاقتصاد الرقمي الحديث.
ويحذر محللون من أن أي إغلاق للمضيق أو تعطيل لحركة الملاحة فيه قد يتسبب بخسائر اقتصادية عالمية تتجاوز 10 تريليونات دولار خلال عام واحد، فضلًا عن اضطرابات حادة في سلاسل التوريد العالمية.
ثلاثة سيناريوهات للحصار
تطرح الدراسات العسكرية ثلاثة سيناريوهات رئيسية يمكن أن تعتمدها الصين لفرض سيطرتها على تايوان.
السيناريو الأول يعرف باسم “الطوق الحديدي”، ويتضمن حصارًا عسكريًا شاملاً للموانئ الرئيسية مع تنفيذ ضربات تستهدف القدرات الدفاعية التايوانية.
أما السيناريو الثاني فيقوم على فرض “حجر بحري” محدود النطاق، عبر تقييد حركة الملاحة واستخدام أدوات هجينة مثل الألغام البحرية والهجمات السيبرانية دون الانخراط في حرب مفتوحة.
في حين يتمثل السيناريو الثالث فيما يسمى “الحظر الرمادي”، وهو أقل السيناريوهات عدوانية، ويعتمد على الحرب النفسية والضغوط الاقتصادية والقانونية لإخضاع تايوان تدريجيًا دون استخدام القوة العسكرية المباشرة.
غموض أمريكي ومخاوف من سوء التقدير
في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تتمسك بسياسة “الغموض الاستراتيجي” تجاه تايوان، إذ ترفض الإعلان بشكل واضح عما إذا كانت ستتدخل عسكريًا في حال تعرضت الجزيرة لهجوم أو حصار.
ويرى عدد من الخبراء الأمريكيين أن استمرار هذا الغموض قد يزيد من احتمالات سوء التقدير بين واشنطن وبكين، خصوصًا مع تصاعد المنافسة بين القوتين العظميين في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.
ومع استمرار الصين في تطوير قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذها البحري، يتزايد الاعتقاد بأن التهديد الأكبر لتايوان قد لا يأتي عبر غزو شامل، بل من خلال حصار تدريجي طويل الأمد قادر على شل اقتصاد الجزيرة وإرباك الاقتصاد العالمي بأسره، دون إطلاق رصاصة واحدة في بداية المواجهة.
هذا المحتوى كارثة أكبر من هرمز.. ماذا سيخسر العالم إذا أغلقت الصين مضيق تايوان؟ ظهر أولاً في سواليف.





