لم تمضِ أسابيع قليلة على تقديم السيناتورة الأميركية جين شاهين، والسيناتور الجمهوري جيمس لانكفورت مشروع القانون الخاص بلبنان والمسمى "قانون لبنان للعقوبات والاستقرار والدعم"، حتى برز تطور جديد في مسار العقوبات تبلور عبر القرار الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية والقاضي بإعادة تصنيف "حزب الله" منظمة إرهابية مرتبطة بفيلق القدس، واضعة عقوبات على عشرة أفراد مرتبطين بالحزب وبفيلق القدس، ما يؤشر إلى أن واشنطن مستمرة في نهج الضغط الاقتصادي والمالي على الحزب، من أجل تجفيف منابع تمويله، بالتوازي مع الضغط السياسي لتجريده من سلاحه.
المشروع الذي قدم في السادس من آب الجاري اختلف بمقاربته لمسألة العقوبات التي تعتمدها الخزانة الأميركية. إذ لم يكن الهدف حصراً موجهاً نحو الحزب، بل، كما ينص اسمه، يرمي إلى دعم لبنان واستقراره، ودعم سيادة القانون وتعزيز السلطة المدنية ومؤسسات الدولة. وكان لافتاً في مندرجات المشروع المقدم من سيناتور جمهوري هو لانكفورد وسيناتور ديموقراطي هي جين شاهين، أن هناك إجماعاً لدى الحزبين، بقطع النظر عن الحزب الحاكم، على دعم المسار السلمي الديموقراطي في لبنان ووضع حد لتمدد نفوذ "حزب الله" في السلطة ومؤسسات الدولة. وهو لهذه الغاية اقترح تخصيص 200 مليون دولار سنوياً لمساعدة الجيش والقوى الأمنية مشروطة بتنفيذ السلطة اللبنانية قرار حصرية السلاح، وإصلاح القطاع المصرفي، والمضي في مفاوضات السلام مع إسرائيل، مع إمكانية رفعها إلى 300 إذا نجح لبنان في الإيفاء بالتزاماته. ويلحظ المشروع كذلك إنشاء صندوق لإعادة إعمار البنى التحتية ودعم الخدمات العامة. واللافت أن المشروع يمنح الرئيس الأميركي صلاحية فرض عقوبات على أي شخص يثبت تعاونه في تقديم الدعم للحزب، أو يساهم في تمويل إيران لأنشطة الحزب أو يعطل ويعيق عمل الحكومة اللبنانية في سبيل حصر السلاح في يد الدولة.
لا يزال المشروع في مرحلته الأولى، أي تقديمه إلى الكونغرس، على أن تتدرج المراحل اللاحقة من إقراره في مجلس الشيوخ ثم مجلس النواب ليرفع بعدها إلى الرئيس لتوقيعه ليدخل حيز التنفيذ. وهذا المسار سيستغرق وقتاً قبل أن يتحول المشروع إلى قانون نافذ، لكنه يمنح لبنان الرسمي فرصة إضافية لتحقيق التقدم المطلوب في تنفيذ التزاماته، على نحو من شأنه أن يسرّع الإفراج عن المساعدات المالية للجيش والقوى الأمنية، فضلاً عن وضع الأسس للصندوق المنوي إنشاؤه لإعمار البنى التحتية.
وتكمن أهمية هذا المشروع، في حال المصادقة عليه، بأنه يرسم خريطة طريق للمرحلة المقبلة للمسار الذي سيسلكه لبنان في السياسة والأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. فهو لا يقتصر على بند فرض العقوبات، بل يشرطها بتمويل الحزب، والقضاء على الاقتصاد الموازي، وإعادة إحياء القطاع المصرفي السليم، من خلال إقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة. ويبدو لافتاً في المشروع دعوته وزارة الخارجية الأميركية إلى مراقبة ومواكبة تنفيذ قانون السرية المصرفية وقانون هيكلة المصارف والانتظام المالي، وتقديم تقريرها إلى الكونغرس عن تقدم العمل.
ولا يغفل المشروع التركيز على الجانب المتعلق بإعادة الإعمار حيث يضع شروطاً واضحة تستبعد مجلس الجنوب، ما يعكس الفهم الكامل لملف الإعمار وصرف المساعدات في لبنان عبر المجالس والصناديق.
ولعل النقطة الأهم تكمن في أن المشروع يخصص حيزاً لمسألة التقدم في المفاوضات مع إسرائيل نحو علاقات سلام، ما يجعل منه رؤية الولايات المتحدة لخريطة الطريق الأميركية نحو تأمين مستلزمات السلام في المنطقة، عبر التعامل مع كل الأضلع المتعلقة بشروط نجاحه، السياسية منها والأمنية والعسكرية والاقتصادية والمالية والإنمائية.

