كان في السادسة حين رأى العراق في المونديال.. وبعد أربعين عاماً وثَّق الانتصار
بغداد-واع-آية منصور
في صيف العام 1986من القرن الماضي، كان طفلاً لم يتجاوز السادسة من عمره يحدّق في شاشة صغيرة، يتابع تأهل منتخب بلاده العراق الى كأس العالم، ذلك الحلم الذي أصبح واقعاً، ثم ما يلبث أن يمضي قطار العمر بعيداً في انتظار محطة يتكرّر فيها الحلم. كبر ذلك الطفل، وتوالت التصفيات على مدار السنين مصحوبة بأمل بأن يكون اسم العراق حاضراً في ملاعب المونديال، لكن تلك الذاكرة الكروية علّمت جيلاً كاملاً أن الفرح يأتي متأخراً، وإن كان مثقلاً بما سبقه من حروب وخيبات.
أربعون عاماً مرّت بين المشاركة الأولى والعودة اللاحقة في 2026، كبر خلالها الطفل، وتعاقبت وجوه اللاعبين والمدربين، وتبدلت فيها الملاعب والخصوم، فيما بقي الحلم ذاته معلقاً في قلب الجمهور، حلم برؤية العراق متأهلاً الى كأس العالم مرة أخرى بشكل يليق ببلد مثل العراق، لذلك، فهذه حكاية تتجاوز كرة القدم نفسها، إنها حكاية جيل بدأ صغيراً مع هدف أحمد راضي في المكسيك، ثم بلغ من العمر عتيا وهو يتابع مترقباً الطريق الطويل ذاته، حتى انتهى الانتظار أخيراً، وعاد العراق إلى المكان الذي ظل بعيداً عنه لأربعة عقود.
بداية الحلم
العراق تأهل إلى مونديال المكسيك بعد مشوار تصفيات لعب فيه مبارياته على أرض محايدة، وفي التصفيات الآسيوية تصدّر مجموعته الأولى، ثم تجاوز الفريق الإماراتي بأفضلية هدف خارج أرضه بعد فوزه 3-2 وخسارته 1-2، ثم عبر سوريا بعد تعادل سلبي في دمشق وفوزه 3-1 في الطائف.
في النهائيات لعب العراق ثلاث مباريات في المكسيك، خسر أمام باراغواي 1-0، ثم أمام بلجيكا 2-1، ثم أمام المكسيك 1-0، والهدف العراقي الوحيد في تاريخ مشاركته المونديالية سجله النجم الراحل أحمد راضي في الدقيقة 59 أمام بلجيكا، وهو الهدف الذي بقي وحيداً في ذاكرة العراقيين لكأس العالم طوال أربعة عقود.
علي هو ذلك الطفل الذي ولد العام 1980، وحظر في سن السادسة مونديال المكسيك صيف 86، وكانت أول صورة كروية كبيرة تختزنها ذاكرته دخول منتخب بلاده الى كأس العالم، تلاها هدف النجم الراحل أحمد راضي في شباك بلجيكا، وهو الهدف الذي بقي لسنوات طويلة العلامة الوحيدة للعراق في مجريات ذلك المسرح الكبير، من هنا تبدأ الحكاية، طفل يظن أن كأس العالم سيعود في بضع سنين، ليكتشف مع مضي السنين أن تلك الصورة تحولت لذكرى بعيدة جداً.
يكبر هذا الطفل ويلتحق بالمدرسة في أواخر الثمانينات، ويصل إلى مراهقته مع حلول تصفيات كأس العالم العام 1990، كان وقتها يظن أن العودة مسألة وقت ولن يطول انتظارها، يراقب منتخباً يقترب ثم يتعثر، ويدخل ريعان شبابه مع تصفيات 1994، تلك النسخة التي ظلت عالقة في أذهان الكثيرين، لأن العراق حينها اقترب بصورة جدية من عبور خط التأهل، ثم ما تلبث أن تأتي تصفيات 1998 و2002 و2006، وكل دورة تمنحه جرعة أمل جديدة، ثم يتلاشى ذلك الأمل عند النهاية، بهذه الطريقة لا يعود الانتظار زمناً مجرداً بين رقمين (1986 و2026) ، وإنما يتحول الى حياة كاملة، طفل صار فتى، ثم شاباً، ثم أباً، وهو لا يزال يردد الجملة ذاتها في كل مرة، قد يحالفنا الحظ هذا العام ونصل الى المونديال.
بانتظار التأهل
بعد 2003 تتبدل الحكاية، صار الانتظار مضاعفاً، الرجل الذي كان في السادسة بلغ الثالثة والعشرين، وبدأ يشاهد منتخب بلاده وهو يدخل عصراً جديداً من التصفيات. صحيفة الغارديان البريطانية تذكر أن آخر مباريات ضمن تصفيات لكأس العالم استضافتها بغداد كانت في 2001، ثم جاءت الحرب وما تلاها من اضطراب أمني، فقررت الفيفا والاتحاد الآسيوي أن يلعب العراق مبارياته في دول ثالثة مثل الأردن وقطر والسعودية والإمارات، كل شيء كان بحقه وحق شعبه شديد القسوة، الرجل لم يكن ينتظر التأهل وحده، وإنما كان ينتظر أن يسمع العبارة البديهية وهي أن يستضيف العراق مبارياته على أرضه من جديد.
منذ 2003 وحتى ربيع 2023، لم يستضف العراق سوى مباراتين في تصفيات كأس العالم داخل البلاد، الأولى في أربيل والمباراة الأخرى في البصرة، فيما بقيت بغداد بعيدة عن هذا النوع من المباريات منذ 2001، وفي التصفيات المؤهلة لمونديال 2026 تغيّر المشهد، وعاد العراق ليستضيف سبع مباريات تصفيات وملحق داخل البصرة، غير أن العودة شملت مدينة واحدة، فيما بقيت محطات حاسمة أخرى خارج حدوده.
الأثر العاطفي المتجسد هنا أصبح أكثر عمقاً وأبعد تأثيراً من فكرة حرمان جمهور من المباراة، المسألة الآن أصبحت رهناً بدورة الزمن، ذلك الصبي الذي ولد في ثمانينيات القرن الماضي كان يمكنه القول لابنه حينئذ إن العراق سبق وأن ظهر في كأس العالم، وسيصدق الابن هذه الحكاية استناداً لمشاهدات من شريط قديم أو من إعادة لهدف أحمد راضي. ثم يكبر، ويكتشف أن المونديال شيء يسمع به أكثر مما يراه، وأن الطريق إليه غير معبد وتحول دونه ظروف تفوق في مضمونها قدرات المنتخب وترتبط بحرب، حصار، غزو، فوضى أمنية، نزاعات إدارية، وقرارات استضافة معلقة.
ثم تأتي التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحكاية نابضة، في العام 2019 استضاف العراق منتخب هونغ كونغ في البصرة، وكانت تلك أول مباراة تنافسية على أرضه منذ ثماني سنوات، غير أن قراراً من الفيفا صدر بعد أسابيع بنقل مباراتين كان يفترض أن يستضيفهما العراق في تصفيات 2022 إلى ملعب محايد بسبب الوضع الأمني. ووقع هذا المشهد أثّر كثيراً على مشجع انتظر طويلاً حتى يرى عودة متقطعة.
الأمنيات المؤجلة
كبرَ ذلك الولد، وهو يظن أن سقوط حكم الطاغية سيفتح للعراق باباً آخر، نافذة لحياة طبيعية يعود فيها المنتخب إلى ملاعبه وتعود مياريات تصفيات كأس العالم إلى حضن بغداد، أو إلى أي مدينة عراقية أخرى، غير أن السنوات التي تلت 2003 كانت أشد قسوة، وفي تصفيات مونديال 2006، خاض العراق بعض مبارياته المفترضة خارج أرضه، في تلك السنوات، كان المشجع الذي خرج من زمن الدكتاتورية إلى زمن الحروب يتابع المباريات بالحلم نفسه، في هذه المرة سيتأهل العراق، وإن تعسر التأهل فسيستعيد ملعبه على الأقل، غير أن المنتخب ظل يحمل اسمه خارج حدوده.
وحين جاءت 2007، وسط الاقتتال الطائفي والانفجارات اليومية، صار كأس آسيا تعويضاً معنوياً هائلاً عن شيء أوسع من بطولة، وكالة رويترز كتبت يومها أن "العراقيين، المنقسمين بفعل العنف الطائفي، كانوا يضعون خلافاتهم جانباً طوال تسعين دقيقة، وأن المنتخب منح بلداً ممزقاً إحساساً نادراً بالفخر الوطني".
هكذا كبر علي، وكبر معه الظن بأن نهاية الطاغية ستقود إلى زمن أكثر استقراراً، ثم اكتشف أن الطريق إلى كأس العالم ما زال يمرّ من مطارات الآخرين ومدرجاتهم، فيما كان الفرح الوحيد الذي أمكن التشبث فيه في تلك الأعوام يأتي من جاكرتا، من كأس آسيا، في لحظة نادرة شعر فيها العراقيون أن هذا البلد، رغم الدم كله، ما زال قادراً على الاجتماع حول علم واحد.
تحقيق حلم الـ 40 عاماً
فمنذ أن أبصرت عينا (علي) العراق في مونديال 1986 ظل يجلس أمام الشاشات مترقباً مع حلول كل مونديال، وكأنه على موعد ذلك الحلم الذي لم يتلاشَ يوماً، مرّت عليه إحدى وعشرون مباراة في طريق التأهل الأخير، من أول الطريق حتى اللحظة التي عاد فيها العراق إلى كأس العالم بعد غياب امتد أربعين عاماً، وهو يراقب المنتخب بعيني رجل تحسب عدد المرات التي اقترب فيها المنتخب من دخول باب المونديال، ثم ما لبث أن ابتعد، وكم من مرة حمل الفريق فيها اسم العراق إلى ملاعب بعيدة فيما كان يتمنى أن تقام التصفيات في بلده، وأن يسمع لمرة واحدة أن الطريق إلى المونديال يمرّ من بغداد أو من مدينة عراقية تحتشد له جماهيرها كما تحتشد شعوب البلدان الأخرى تحية لمنتخباتها، كبر مع الخيبات، ومع صور الأعلام في البيوت والمقاهي والساحات، ومع ذاكرة طويلة تعلّمت أن تفرح بحذر، ثم جاء اليوم الذي رأى فيه حلمه القديم مكتملاً أخيراً، العراق في كأس العالم، والطفل الذي انتظر كل هذه السنين ما زال حاضراً في داخله حتى صافرة النهاية.
اليوم بلغ ذلك الصبي السادسة والأربعين، وأصبح صحفياً ومسؤولاً عن غرفة أخبار في واحدة من أهم وأعرق المؤسسات الإعلامية في العراق وهي وكالة الأنباء العراقية (واع) ليتحول ذلك الفتى من متابع انتظر بصبر سنوات ليرى منتخبه يتأهل الى المونديال الى مشرف على التغطية الرياضية للمونديال، يرصد ويوجه ويتابع مع فريق من المراسلين والمحررين لحظات التأهل لحظة بلحظة، لم يمنعه تمسكه بمبادئ المهنية والحيادية من الانحياز الروحي والقلبي لمنتخبه، وهو يرسم لوحة التأهل التي طال انتظارها حتى يوثق كل جزئية في رحلة الانتصار.
رحلة امتدت لأربعين عاماً وصلت الى محطة طال انتظارها، محطة توشحت بعلم العراق وفرحة الملايين، ليوثق (علي) وزملاؤه لحظات الانتصار، حيث صرح مهاجم المنتخب الوطني أيمن حسين الذي توج حلم المونديال بهدف حوله الى حقيقة، لوكالة اﻷنباء العراقية (واع)، قائلاً: إن "منتخبنا الوطني قاتل لتحقيق حلم العراقيين، ورسم البسمة بالتأهل لكأس العالم ، لقد حققنا إنجاز التأهل بصبر اللاعبين، وتحمل المعاناة طوال أكثر من عامين".
لاعبا المنتخب الوطني، زيد تحسين وفهد طالب، أكدا أيضاً لوكالة الأنباء العراقية (واع) أن "تأهل العراق إلى نهائيات كأس العالم يمثل خطوة مهمة في مسيرة الكرة العراقية، وفيما شددا على أن الطموح لا يتوقف عند هذا الإنجاز، بل يمتد لتحقيق حضور مشرّف في البطولة، وأشارا إلى أن الفرحة التي يعيشها العراقيون اليوم يجب أن تتجدد في كل مشاركة مقبلة".
وأوضح مدرب المنتخب الوطني، غراهام أرنولد، لوكالة الأنباء العراقية (واع) أن "مشوار التأهل إلى نهائيات كأس العالم، لم يكن سهلاً، مؤكداً أن الروح القتالية للاعبين كانت العامل الحاسم في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي".
وعن هذه الرحلة قال علي: "ستبقى رحلتي مع المونديال عامرة في قلبي ولن تمحى من ذاكرتي حتى أرى العراق متأهلاً في جميع المونديالات المقبلة.
وأضاف أن "كرة القدم في العراق لها طعم خاص، لأن المنتخب الوطني ليس وحده من يجمع العراقيين ويوحدهم تحت مظلة واحد، حتى الأندية الجماهيرية تتوحد في تشجيعها الجماهير من مختلف الاتجاهات، جميعهم يشتركون في التشجيع والمؤازرة، لكن تبقى المناسبات الفارقة في مسيرة المنتخب الوطني هي من تصنع الفارق في تشابك الأيادي التي تتنافس في رفع العلم العراقي، والاحتفال من دون قيود أو حواجز".





