أعلنت الكوادر الفنية والإدارية ولاعبات فريقي السيدات والناشئات في نادي “قامشلي سبورت” (الهلال سابقًا) مغادرة النادي واستقالتها بشكل جماعي.
وقالت الكوادر المستقيلة إن الخطوة جاءت بعد وصول العلاقة مع إدارة النادي إلى طريق مسدود، على خلفية ما وصفته الكوادر بـ”التهميش” و”المصالح الشخصية”.
بينما اتهم مدرب فريق السيدات، دليل أحمد، إدارة النادي بـ”الفساد” وسوء معاملة اللاعبات وعدم دفع مستحقاتهن.
وتفتح الاستقالات، التي أُعلن عنها الجمعة 21 من آب، الباب أمام أسئلة تتجاوز الخلاف الرياضي الداخلي، في ظل تركيبة النادي وعلاقاته المالية والسياسية في القامشلي، ووجود رجل الأعمال فؤاد جميل محمد، المعروف باسم “أبو دلو”، بصفته رئيسًا فخريًا للنادي، وفق منشورات سابقة للنادي وتغطيات رياضية محلية.
ويأتي ذلك في وقت أعاد فيه النادي قبل أيام إطلاق هويته باسم “قامشلي سبورت”، بعد سنوات من مشاركته في المنافسات السورية باسم “الهلال”.
استقالة جماعية
قالت الكوادر الفنية والإدارية في بيان نشر الجمعة إن قرار المغادرة كان من “أصعب القرارات”، باعتبار أن الفريق تشكل وتطور خلال أكثر من عشر سنوات، وبدأ مسيرته باسم “نادي قامشلو” قبل أن يواصل مشاركته في البطولات السورية باسم “الهلال” خلال السنوات الأربع الماضية.
وأوضحت الكوادر أن الفريق حقق خلال هذه الفترة إنجازات رياضية، من بينها إحراز لقب الدوري السوري للسيدات، والوصول إلى وصافة بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الأردن، معتبرة أن هذه النتائج جعلت الفريق أحد أبرز فرق كرة القدم النسائية في سوريا.
وقالت في بيانها إن قرار الاستقالة جاء بعد قناعة بأن هناك من يريد تحويل أعضاء الفريق إلى “مجرد أدوات” بعيدًا عن الشراكة والاحترام والتقدير، مضيفة أن ما وصفته بـ”تقاعس الإدارة تجاه فرقنا النسائية” ظهر، من بين أمور أخرى، في عدم المشاركة ببطولة الشابات، وفق جدول المنافسات الذي وصل إلى الفريق.
واتهم البيان أطرافًا داخل النادي بالسماح لـ”مصالح ضيقة وحسابات شخصية” بالتأثير في التعامل مع الفريق النسائي، معتبرًا أن ذلك يعكس عدم اعتراف حقيقي بالإنجازات التي حققتها اللاعبات والكوادر.
وقالت الكوادر إنها لا تعتبر قرارها نهاية لمسيرتها، وإنها قد تنشر لاحقًا “تفاصيل ووقائع أوسع” حول أسباب المغادرة.
واليوم، السبت 22 من آب، قدم مدرب فريق السيدات، دليل أحمد، تفاصيل إضافية عن أسباب الاستقالة، متهمًا إدارة النادي بـ”معاملة سيئة” للاعبات، وربط قرار المغادرة بما وصفه بـ”الفساد في النادي”.
اتهامات بعدم دفع الرواتب
قال أحمد في تصريح صحفي إن اللاعبات تعرضن، بحسب قوله، لتهديدات على خلفية عدم احتفالهن بأحد الألقاب خلال فترة المعارك الأخيرة في شمالي سوريا، مضيفًا أن مستحقات اللاعبات لم تُدفع، وأن الفريق لم يُرسل للمشاركة في بعض البطولات النسائية.
وأوضح أن الكادر حاول، بعد ذلك، “فتح صفحة جديدة” وطالب إدارة النادي بإرسال اللاعبات للمشاركة في بطولة الشابات المقرر إقامتها خلال الأيام المقبلة، إلا أن الإدارة، بحسب روايته، أبلغتهم بعدم إمكانية المشاركة بسبب عدم توفر السيولة المالية.
وقال أحمد إن إدارة النادي بررت عدم المشاركة بأن تكلفة إرسال اللاعبات تبلغ نحو 15 ألف دولار.
وفي المقابل، أشار المدرب إلى أن النادي، في الفترة نفسها، تعاقد مع لاعبين رجال من مناطق سورية مختلفة، وقال إن أحد اللاعبين القادمين من درعا وقع عقدًا بقيمة 50 ألف دولار، بينما بلغت قيمة عقود لاعبين من جبلة نحو 40 ألف دولار لكل منهم، مضيفًا أن قيمة العقود الموقعة وصلت، بحسب تقديره، إلى نحو 800 ألف دولار.
وربط أحمد الأزمة أيضًا بالتركيبة الإدارية للنادي، إذ قال إن الإدارة الحالية هي نفسها “المعينة من قبل النظام السوري السابق”، مضيفًا أن هناك أشخاصًا من خارج الوسط الرياضي يؤيدون استمرارها.
من الهلال إلى “قامشلي سبورت”
تأتي الأزمة بعد أيام فقط من إعلان النادي تغيير اسمه من “الهلال الرياضي” إلى “قامشلي سبورت”.
وفي 14 من آب، أعلن النادي رسميًا اعتماد الاسم الجديد، وقال في بيان نشره عبر معرفاته الرسمية إن الاسم مستمد من المدينة الحاضنة للنادي، ويهدف إلى تجسيد هويته وارتباطه بالمجتمع المحلي.
ويشكل تغيير الاسم محطة جديدة في تاريخ النادي الذي بدأ باسم “أسايش”، قبل أن ينتقل إلى اسم الهلال عند مشاركته في المسابقات السورية الرسمية.
وكان فريق السيدات قد حقق في حزيران 2025 لقب الدوري السوري لكرة القدم للسيدات، بعد فوزه في المباراة النهائية على فيروزة بنتيجة 5-1 على ملعب الفيحاء في دمشق، منهياً البطولة في صدارة الترتيب.
أبو دلو.. الرئيس الفخري للنادي
تكتسب الأزمة حساسية إضافية بسبب طبيعة العلاقات المالية التي تحيط بالنادي، وفي مقدمتها علاقة النادي برجل الأعمال فؤاد جميل محمد المعروف باسم “أبو دلو“.
وتظهر منشورات سابقة للنادي أن “أبو دلو” يشغل منصب الرئيس الفخري للنادي، كما ذكرت صحيفة “روناهي” المقرّبة من “قسد” أن الهلال كان يحظى بدعم مالي كبير منه، ووصفته بأنه رئيس فخري للنادي. وفي حزيران 2026، نشر النادي مادة عن وليمة لتكريم لاعبيه بمناسبة التأهل إلى الدوري السوري الممتاز، وقال إنها أقيمت “بدعوة كريمة من الرئيس الفخري لنادي الهلال الخال أبو دلو”، وهو ما يمثل إشارة مباشرة من النادي إلى طبيعة العلاقة بين الطرفين.
كما تحدثت تقارير رياضية عن الدعم المالي الذي قدمه أبو دلو للنادي خلال مشاركته في المنافسات، ما يجعل موقعه داخل المشهد الرياضي مختلفًا عن مجرد داعم خارجي.
رجل أعمال بين النظام السابق والإدارة الذاتية
تعود حساسية اسم “أبو دلو” أيضًا إلى نشاطه الاقتصادي وعلاقاته المتشعبة خلال سنوات الحرب السورية.
وتحدثت تقارير صحفية سابقة عن فؤاد محمد “أبو دلو” بوصفه رجل أعمال واسع النفوذ في شمال شرقي سوريا، وربطت نشاطه بشبكات اقتصادية عملت بين مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” والنظام السوري السابق.
وفي تقرير نشرته صحيفة “جسر” عام 2019، نقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أن “أبو دلو” كان يعمل في توريد النفط والغاز من مناطق سيطرة “قسد” إلى مناطق سيطرة النظام عبر شبكة قالت إنها تضم شركة القاطرجي. وذكرت الصحيفة أن أبو دلو كان وكيلًا لشركة “الحافظ” للحوالات المالية، وتحدثت عن دوره في نقل النفط والغاز من حقل السويدية إلى مناطق سيطرة النظام.
كما ذكرت تقارير سابقة أن أبو دلو كان شريكًا مباشرًا مع شركة القاطرجي في نقل النفط والغاز من مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” إلى مناطق سيطرة النظام، ونقلت عنه صفة “أحد أمراء الحرب الذين يعملون لمصلحة النظام”، وهي توصيفات وردت على لسان مصادر وتقارير صحفية وليست أحكامًا قضائية مثبتة بحق الرجل.
وفي تقرير آخر، ظهر ارتباط أبو دلو بشركة “الحافظ” للحوالات، التي أغلقها النظام السابق في نهاية 2019، وعن امتلاكه شركة “أصلان أوغلو” التي قالت إنها كانت تنقل النفط من حقل رميلان، إضافة إلى شركة “خيرات الجزيرة” للحوالات المالية.
وتشير هذه التقارير إلى طبيعة شبكة المصالح الاقتصادية التي نشأت خلال سنوات الحرب، والتي لم تكن دائمًا مرتبطة بطرف سياسي واحد، بل امتدت بين مناطق النفوذ المختلفة، بما فيها مناطق الإدارة الذاتية ومناطق النظام السابق.
وهذا السياق هو الذي يجعل حضور رجل أعمال بهذه الخلفية في موقع الرئيس الفخري لنادٍ رياضي في القامشلي محل اهتمام، خصوصًا مع انتقال النادي في 14 آب إلى اسم “قامشلي سبورت”، وهو اسم يحيل بصورة مباشرة إلى المدينة وهويتها المحلية.
مستقبل الفريق النسائي
بمغادرة الكادر الفني والإداري واللاعبات، يواجه فريقا السيدات والناشئات في “قامشلي سبورت” فراغًا قد يؤثر في مشاركتهما المقبلة، خصوصًا أن الاستقالة جاءت قبيل استحقاقات لفئة الشابات، وفق ما ذكره دليل أحمد.
وكان الفريق النسائي قد بنى خلال سنوات قاعدة من اللاعبات والكوادر، وشارك في المنافسات السورية، كما تجاوز حضوره الحدود المحلية إلى بطولة غرب آسيا، قبل أن يتوج بالدوري السوري للسيدات عام 2025.
ويقول المستقيلون إنهم يغادرون النادي لكنهم لا يتخلون عن إرثهم الرياضي أو عن حق المرأة في الحضور داخل الرياضة.
وبانتظار أي رد من إدارة “قامشلي سبورت”، تحولت الاستقالة الجماعية إلى أزمة تهدد أحد أبرز فرق كرة القدم النسائية في شمال شرقي سوريا، وتضع النادي الذي أعاد قبل أيام تعريف هويته باسم المدينة أمام اختبار يتعلق ليس فقط بنتائجه في الملاعب، وإنما أيضًا بقدرته على الفصل بين الإدارة الرياضية والنفوذ المالي والتداخلات السياسية التي أحاطت به خلال سنوات الحرب.





