"قاعدة بلد".. العراق يحافظ على جاهزية أسطوله الجوي تحت هجوم الطائرات المسيّرة
شفق نيوز- صلاح الدين
تُعد قاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين، شمال العاصمة بغداد، خاصة في خضم الحرب التي تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط، واحدة من أبرز المنشآت العسكرية العراقية، ومركزاً استراتيجياً لتشغيل وصيانة طائرات F-16 التابعة للقوة الجوية.
وتعرضت القاعدة خلال الأشهر الأخيرة لسلسلة هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة من قبل فصائل مسلحة، استهدفت في معظمها المتعاقدين الأجانب المكلفين بتشغيل وصيانة الطائرات، وهو ما دفع بعضهم للانسحاب حفاظاً على سلامتهم.
وأكد مصدر أمني رفيع من داخل قاعدة بلد الجوية لوكالة شفق نيوز أن "القاعدة خضعت لجميع إجراءات التحصين الدفاعي، وجميع طائرات F-16 سليمة، ولم تتعرض لأي أضرار جراء الهجمات الأخيرة. نحن نتابع كل التطورات عن كثب ونضمن استمرار العمليات الجوية بأمان".
تاريخ القاعدة ومساحتها
تأسست قاعدة بلد الجوية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتمتد على مساحة تقدر بعشرات الكيلومترات المربعة، وهي واحدة من أكبر القواعد العسكرية في العراق، وتضم مدارج طويلة، منشآت صيانة متقدمة، مخازن لقطع الغيار، ومراكز تدريب فني للكوادر العراقية.
وبعد عام 2003، أصبحت القاعدة تحت السيطرة الأميركية باسم “LSA Anaconda”، ثم أعيدت إلى القوات العراقية لتصبح المقر الرئيسي للطائرات المقاتلة وصيانتها.
وتضم قاعدة بلد أكثر من 35 ملجأً محصناً تحت الأرض، صُمم لتحمل الهجمات الجوية والصاروخية، وتوفير حماية للطائرات والمعدات العسكرية والكوادر العاملة.
وبفضل هذه التحصينات، بقيت جميع طائرات F-16 سليمة رغم تصاعد الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة، كما تشمل إجراءات الحماية أنظمة رصد ومراقبة متطورة، إضافة إلى فرق استجابة سريعة مدربة على مواجهة أي تهديد محتمل.
برنامج طائرات F-16
وتُعد طائرات F-16 العمود الفقري للطيران المقاتل العراقي، وتم إدخالها ضمن خطط تحديث القوة الجوية بعد عام 2010. وتعتمد هذه الطائرات على دعم فني متخصص للغاية، ما جعل وجود الشركات الأجنبية مثل V2X ضرورياً لتقديم الخدمات التشغيلية والصيانة الفنية، وإدارة العمليات الأرضية، وضمان جاهزية الطائرات لمهماتها الدفاعية والهجومية.
ويشمل دور الشركة صيانة الطائرات بشكل دوري، تقديم الدعم الفني وتشغيل الأنظمة المعقدة، تدريب الكوادر العراقية، وضمان جاهزية الطائرات لمواجهة أي تهديد.
ويؤكد المسؤولون العراقيون أن استمرار عمل الشركة مهم لضمان جاهزية الأسطول، خصوصاً أن بعض الإجراءات التقنية تتطلب خبرات متخصصة لا تمتلكها جميع الفرق المحلية بعد.
استهداف المتعاقدين الأجانب
كشف مصدر أمني عراقي لوكالة شفق نيوز أن القاعدة تعرضت منذ فترة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى نحو 13 هجوماً بالطائرات المسيّرة، معظمها استهدف المتعاقدين الأجانب المكلفين بالصيانة والدعم الفني.
وفي هذا السياق قال الخبير الأمني عبد الستار الجبوري، لوكالة شفق نيوز إن "الهدف الأساسي من الهجمات هو الضغط على المتعاقدين الأجانب، خصوصاً من يشرف على تشغيل وصيانة طائرات F-16. انسحابهم قبل نحو عشرة أيام ترك فراغاً فنياً داخل القاعدة".
في حين أكد جمال العزاوي، الضابط العراقي السابق في القوة الجوية، لوكالة شفق نيوز، أن "قاعدة بلد الجوية تمتلك بنية تحتية قوية، وفريقاً فنياً عراقياً قادراً على تولي معظم المهام التشغيلية والصيانة الطفيفة، لكن بعض العمليات المعقدة لا تزال تتطلب خبرة المتعاقدين الأجانب، والاعتماد على الكوادر العراقية أصبح ضرورياً لتقليل الاعتماد الخارجي".
القدرات الوطنية
يمتلك العراق فريقاً فنياً وهندسياً تابعاً لقيادة القوة الجوية، عمل جنباً إلى جنب مع الشركة الأجنبية منذ بداية تشغيل الطائرات، واكتسب خبرات واسعة تمكنه من تولي مهام الصيانة والتشغيل جزئياً أو كلياً.
وأكد المصدر الأمني الرفيع داخل القاعدة أن "الفرق العراقية مستمرة بأداء مهامها بكفاءة، وتتمتع بالقدرة على تشغيل الطائرات بشكل آمن وفعال، حتى في غياب الشركات الأجنبية، مع ضمان استمرار العمليات اليومية في القاعدة".
التحديات والمخاطر
رغم قدرة الكوادر العراقية، لا تزال المخاوف قائمة من تأثير غياب الدعم الأجنبي على المدى الطويل، خصوصاً فيما يتعلق بالصيانة المتقدمة، القطع المعقدة، وأنظمة البرمجيات الدقيقة. وقد يؤدي أي خلل في هذه العمليات إلى تراجع جاهزية القوة الجوية العراقية، وهو ما يجعل استمرار التعاون مع الشركات الأجنبية ضرورة استراتيجية للحفاظ على القدرات الجوية.
وتواصل الحكومة العراقية جهودها لتأمين القاعدة وتقديم ضمانات للمتعاقدين، بما يضمن استمرار العمل في برنامج F-16 دون انقطاع. وتعمل السلطات على تعزيز إجراءات الحماية حول القاعدة، تطوير أنظمة الرصد والمراقبة، وتدريب فرق الاستجابة السريعة لمواجهة أي تهديد محتمل، مع التركيز على تعزيز الاعتماد على الكوادر الوطنية لتكون بديلًا جاهزاً في أي وقت.
وتظل قاعدة بلد الجوية القلب النابض للقوة الجوية العراقية، ومركز العمليات الرئيس لطائرات F-16، وتستمر في الصمود أمام التهديدات الأمنية بفضل التحصينات العسكرية، الملاجئ المحصنة، والكفاءات العراقية والفنية.
ومع استمرار التعاون مع الشركات الأجنبية، يمكن للعراق ضمان تشغيل آمن ومستمر لطائرات F-16، مع الاعتماد على الكوادر الوطنية لتكون بديلاً فعالاً عند الحاجة، ما يعكس قدرة العراق على مواجهة التحديات الأمنية والمحافظة على جاهزيته الجوية في بيئة معقدة ومتغيرة.



