على عمق نحو 6 آلاف متر تحت مياه المحيط الهادئ، يتبلور سباق جديد للحصول على المعادن الحيوية. إذ تعتزم الولايات المتحدة واليابان التعاون في مشروع قد يصبح الأعمق عالميا لتعدين قاع البحر، مستهدفا رواسب غنية بالمعادن الأرضية النادرة حول جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية النائية. وقد أثبتت اليابان بالفعل إمكان استخراج المواد من هذه الأعماق. ففي أوائل عام 2026، نجحت سفينتها البحثية "تشيكيو" في رفع نحو 50 طنا من الطين المحتوي على معادن أرضية نادرة إلى السطح. وتهدف تجربة أوسع نطاقا، مقررة لعام 2027، إلى استخراج نحو 350 طنا يوميا، لاختبار مدى إمكان إنتاج هذه الموارد على نطاق صناعي.
تكمن جاذبية هذه الموارد في أهميتها الاستراتيجية، إذ تحتوي رواسب أعماق البحار على المنغنيز والنيكل والكوبالت والنحاس وعناصر أرضية نادرة، وهي مواد أساس لصناعة البطاريات، والآليات الكهربائية، والمغناطيسات العالية الأداء، والإلكترونيات، وتقنيات الطاقة المتجددة، والروبوتات، وأنظمة الطيران والفضاء والدفاع. وتوجد بعض أغنى حقول العقيدات في منطقة كلاريون-كليبرتون في المحيط الهادئ، بين المكسيك وهاواي، في حين تنوجد القشور المعدنية على الجبال البحرية في مناطق واسعة من المحيطين الهادئ والهندي، والكبريتيدات حول الفوهات الحرارية المائية.
غير أن امتلاك الموارد شيء، والوصول إليها شيء آخر. فعمليات التعدين على أعماق تصل إلى كيلومترات عدة تحت سطح الأرض تتطلب سفنا متخصصة، وآلات تشغل عن بعد، وأنظمة تجميع، وخطوط أنابيب قادرة على تحمل ضغوط هائلة، وهي قدرات لا تتوفر حاليا إلا لدى عدد قليل من الشركات في اليابان وكندا وسويسرا والولايات المتحدة. أضف إلى ذلك أن العثور على رواسب جديدة لا يكفي، إذ يتعين على الدول أيضا امتلاك القدرة على فصل هذه المواد وتنقيتها ومعالجتها لتحويلها إلى مكونات قابلة للاستخدام.
تنعكس هذه التحديات التقنية مباشرة على الجانب المالي. فقد ذكرت "بلومبيرغ" أن عمليات التنقيب اليابانية الأميركية المقترحة قد تكلف نحو ثلاثة أضعاف تكلفة استخراج المعادن البرية المماثلة في الصين. لكن الحسابات الاقتصادية لم تعد وحدها تحكم هذا السباق. إذ تنظر واشنطن وطوكيو بشكل متزايد إلى معادن قاع البحر باعتبارها مسألة أمن استراتيجي، في ظل هيمنة الصين على تعدين العناصر الأرضية النادرة عالميا، ولا سيما معالجتها. ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، كانت الصين مسؤولة في عام 2024 عن نحو 60 في المئة من الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة المغناطيسات والمستخرجة من المناجم، و91 في المئة من إنتاجها المكرر، و94 في المئة من إنتاج المغناطيسات الدائمة المتلبدة عالميا. ولذلك، تمضي الولايات المتحدة قدما في مبادرات لتعدين قاع البحر، حتى خارج إطار شراكتها مع اليابان، على الرغم من ارتفاع تكلفتها. ففي أغسطس/آب 2026، اقترحت واشنطن طرح مزاد لتأجير مناطق من قاع البحر في المياه الفيديرالية المحيطة بجزر ماريانا الشمالية، في خطوة تضيف جبهة محتملة أخرى إلى مساعيها التعدينية في المحيط الهادئ.
غير أن هذا السباق يخوض غمارا لا تزال حدوده البيئية والقانونية مجهولة إلى حد كبير، إذ لا تزال النظم البيئية في أعماق المحيطات غير مفهومة بشكل كاف، ومن شأن عمليات التعدين أن تدمر الموائل الطبيعية، وتحدث سحبا من الرواسب، وتلحق ضررا بكائنات بحرية قد تكون قدرتها على التعافي محدودة أو غير معلومة. وتبقى مسألة ملكية هذه الموارد والحق في استغلالها خارج نطاق المياه الوطنية دون حسم. ففي المياه الدولية، تصنف قيعان المحيطات العميقة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أنها "تراث مشترك للبشرية"، في حين لا تزال "السلطة الدولية لقاع البحار" تتفاوض في شأن القواعد التفصيلية التي تحكم الاستغلال التجاري وتقاسم المنافع.



