حزب الله يهاجم مسار التفاوض: هل قدم لبنان تنازلات مجانية؟
من واشنطن، كانت الصورة سوداوية. ساعتان من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل؛ نالت إسرائيل شرف الصورة، ونال لبنان خيبةً بعدم موافقتها على وقف النار. وقال سفيرها، الذي جمعته طاولة المفاوضات برعاية أميركية مع سفيرة لبنان في واشنطن، إنَّ أمن المدنيين في بلده ليس للتفاوض، بينما قبل لبنان أن يفاوض على دماء الأطفال والنساء الذين قتلتهم إسرائيل بدم بارد في بيروت، ويُقتلون يوميًا، ومنذ ما يزيد على أربعين يومًا، في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية.
انتهى الاجتماع "التحضيري"، وليس معلومًا كيف سيكون موقف لبنان من مفاوضات لم تمنحه وقفًا لآلة القتل الإسرائيلية، ولم يوضّح حقيقة ما قاله السفير الإسرائيلي من أنه اتفق مع الوفد اللبناني المفاوض على أن حزب الله يشكّل تهديدًا لكليهما معًا، وأنه يعمل مع لبنان على الصعيدين المدني والأمني. أما الأخطر فقوله: "متفقون مع الجانب اللبناني على تحريره من قوات احتلال إيرانية هي حزب الله".
خيبتان ولحظات مريرة سيذكرها التاريخ بالسوء، لتنضم إلى سوابق مماثلة من فشل التفاوض، وإن كان التنازل الذي منحه لبنان لم يسبق له مثيل من قبل. خابت آمال المراهنين على منح إسرائيل، وبقوة ضغط أميركي، وقفًا للنار في لبنان. وأكد البيان المشترك الصادر عن الخارجية الأميركية حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بينما ذُيِّل في سطوره الأخيرة بموقف لبناني لا يرقى إلى حجم المصاب، وقد اكتفى بالمطالبة بالعودة إلى اتفاق نوفمبر 2024، كأن الواقع المأساوي الذي ساد إبان هذا الاتفاق هو المطلوب.
في الاجتماع، حضر وفد أميركي تمثّل بوزير الخارجية ومعه سفير واشنطن في لبنان، والسفير الإسرائيلي في واشنطن، بينما وقفت سفيرة لبنان بمفردها تفاوض باسم بلد كان يتعرّض في تلك اللحظة لوابل من الغارات الإسرائيلية. غلب الحضور الأميركي–الإسرائيلي على الحضور اللبناني، ومُني لبنان بخيبة في الشكل والمضمون.
ساد صمت رئاسي في المقرات الثلاثة لحظة إعلان البيان المشترك وانتهاء المفاوضات. وفتحت جلسة المفاوضات على مشكلة داخلية جديدة وانقسام حاد، في غياب ما يبرر الإصرار على التفاوض، في وقت كانت تؤكد فيه إسرائيل في إعلامها، وقبل جلسة المفاوضات، أنه لا وقف لإطلاق النار.
موقف حزب الله
من الأساس، لم يكن حزب الله يعوّل على ما شهدته واشنطن من اجتماع جمع لبنان وإسرائيل لمفاوضات مباشرة شرّعت عدوانها المستمر عليه. ويُعتقد أن الدولة نفسها كانت تدرك في العمق أنه مسار جُرّت إليه تحت الضغط، وهي لا تريد الكثير كي لا تقدم تنازلات مجانية. لم يكن حزب الله يتأمّل من الاجتماع شيئًا، وهو ما لم يحصل؛ فكلام الإسرائيلي واضح، وهو فتح المسار لهروب إسرائيل من وقف النار بموجب اتفاق إسلام آباد، ولخلق مسار تفاوض منفصل.
يُنقل عن رئيس الجمهورية جوزاف عون قوله إنه لم يكن يتوقع من المفاوضات أن تنتهي بالنتائج المرجوة، ولكن كان على لبنان أن يقوم بما عليه ويرمي الكرة في ملعب الآخرين. وهو منطق لا يتوافق عليه مع حزب الله، الذي بقي يركز اهتمامه على الميدان جنوبًا. وما لديه من معطيات يُغالط كل ما يُنقل عن معركة بنت جبيل، حيث لم تحقق إسرائيل مبتغاها بالسيطرة عليها ولن تتمكن. في المقابل، عينه على مفاوضات إيران مع الولايات المتحدة، والتي سيتأمّن ضمنها وقف النار في لبنان، بحسب ما توافر لديه من معطيات تؤكد أن إيران لا تزال تصر على وقف النار في لبنان بندًا أساسيًا في جلسة مفاوضات لم تعد بعيدة بين الطرفين.
يعتبر حزب الله أنَّ ما حصل في واشنطن ليس إلا خطوة في الاتجاه الخاطئ من قبل سلطة مستمرة في ارتكاب الأخطاء وتقديم أوراق مجانية، وأنَّ "ما سمعناه هو جزء من التقديمات المجانية، بحيث يتم الذهاب إلى اجتماع للتفاوض المباشر، وفي اللحظة التي يُوضَع فيها العلم اللبناني إلى جانب العلم الإسرائيلي، كانت إسرائيل تقتل وتحتل، وتعلن أنها ستستكمل احتلالها، وتقوم بتحديد منطقة عازلة بعمق 8 كيلومترات، وتصل إلى حدود الليطاني، وتحدد للحكومة اللبنانية مهمتها في تفكيك سلاح حزب الله بعد الليطاني".
صورة يراها حزب الله قد آلمت كل لبناني وطني وشريف، من دولة يصرّح مسؤولوها بالسيادة، وقد نسي هؤلاء أنه، وقبل السيادة، هناك حماية الناس، التي لم تكلّف السلطة نفسها عناء حمايتهم، بل بقيت تتفرج عليهم يُستهدفون لأكثر من عام ونصف، ولم تحرّك دبلوماسيتها.
يعتقد حزب الله أن لبنان، في هذه الخطوة، قد تخلّى عن سقف موجود في إسلام آباد، يدعم مساره أكثر من دولة تضغط لإنجاز الاتفاق الإيراني–الأميركي لعودة الاستقرار في المنطقة ووقف تدهور الاقتصاد العالمي.
ويتأسف لشعور البعض أن السيادة انتُقصت من محاولة إيران تحقيق وقف النار ربطًا باتفاقها مع أميركا، بينما لم تنتقص من غطرسة إسرائيل وكلام سفيرها الذي يكشف نوايا لم تكن مستورة. وقد ذهب لبنان ليطلب من السفاح أن يقتله، لكن بطريقة ناعمة. ويرفع حزب الله من سقف انتقاده للدولة حين يعتبر أنه لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تقبل بما حصل، وأن تذهب إلى مفاوضات لا تتفق على ما ستنتهي إليه، فتقبل بصدور بيان كالذي صدر.
طوى حزب الله صفحة اجتماع لم يتأمل من نتائجه، وكان قد حذّر من مغبة التفاوض المباشر، لكنه لا يزال يؤكد إمكانية وقف النار باتفاق إيران مع الولايات المتحدة.
ونقلًا عن مصادر موثوقة، فإن المباحثات التي تجري بالواسطة بين الطرفين قطعت شوطًا، وأنه لا تزال هناك ثلاث نقاط عالقة:
موضوع التخصيب، حيث كان الأميركي يطالب بمنع التخصيب لمدة عشر سنوات، بينما كانت تريدها إيران خمس سنوات فقط، ثم رفعها الأميركي إلى عشرين سنة بدلاً من عشرة.
مضيق هرمز، الذي ترفض إيران منح دور فيه للولايات المتحدة، على اعتبار أنه محصور بها وبِدول المنطقة.
رفض الطلب الأميركي بترحيل اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة بدل روسيا.
ترى إيران أن الحصار المفروض يضر بأميركا أكثر من غيرها من الدول، وأن الإغلاق التام سيتسبب بأزمة للجميع، بما فيهم الولايات المتحدة، التي لن تكون بمنأىً عن التأثير الاقتصادي السلبي، وهي تولي ذلك أهمية كبيرة.
بالنسبة إلى لبنان، تعتبر إيران أنها بذلت جهدًا من أجل وقف النار، لكن الموقف اللبناني أضعف موقفها، وأنها ستعود في أول جلسة للمطالبة بأن يكون لبنان جزءًا من اتفاق وقف النار، وأنها لن تتخلى عنه.
غادة حلاوي - المدن
The post حزب الله يهاجم مسار التفاوض: هل قدم لبنان تنازلات مجانية؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





