لم يعد السؤال المطروح حول "حزب الله" في لبنان عام 2026 هل لا يزال قوياً؟ بل كيف يستخدم ما تبقى من قوته في بيئة تغيّرت قواعدها؟ فالحزب لم يخسر فقط قيادات وقدرات عسكرية، بل خسر جزءاً من البيئة السياسية والإستراتيجية التي كانت تسمح له بتحويل قوته العسكرية إلى نفوذ لبناني وإقليمي في آن واحد.
اليوم، بات أمام معادلة أكثر تعقيداً: الدولة اللبنانية تطالب بحصر السلاح بيدها، والجيش اللبناني يتقدم في الجنوب، وملف السلاح أصبح جزءاً من تفاوض أميركي ـ لبناني ـ إسرائيلي، فيما يجري البحث في آلية دولية للتحقق من تنفيذه. في المقابل، لا يبدو الحزب مستعداً للتخلي عن سلاحه أو عن علاقته بإيران ودوره ضمن محورها.
الخسارة الأكبر: هامش الحركة
أبرز ما خسره "حزب الله" هو هامش الحركة. فالقوة التي كانت تسمح له بالتحرك كتنظيم عسكري داخل لبنان ولاعب سياسي في مؤسسات الدولة، وقوة إقليمية عابرة للحدود، لم تعد تعمل بالمرونة نفسها.
والتحول الأهم أن الدولة اللبنانية لم تعد تناقش سلاح الحزب بوصفه ملفاً سياسياً مؤجلاً، بل تتعامل معه بوصفه مسألة مرتبطة بسيادتها ووظيفة الجيش. وفي الجنوب، تحولت مناطق تجريبية إلى محاولة عملية لقياس قدرة الدولة على تولي القرار الأمني وحدها.
لكن الحزب لا يزال يحتفظ بقاعدة اجتماعية وتنظيمية متماسكة في بيئته، وبحضور سياسي وازن. لذلك لا تبدو المسألة انهياراً له، بقدر ما هي تراجع في قدرته على فرض معادلاته خارج بيئته.
المشكلة ليست السلاح فقط
تكشف قراءة مرحلة السنتين الماضيتين، بحسب خبير سياسي متابع للملف، تحولاً أعمق يتعلق بطبيعة القرار داخل الحزب وعلاقته بـ"الحرس الثوري الإيراني".
فبحسب هذه القراءة، أظهرت التطورات الأخيرة أن إدارة جزء من القرار العسكري لم تعد منفصلة عن البنية الإيرانية، مستشهداً بما نُقل عن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف حول تواصله اليومي مع المقاتلين في الجبهة الجنوبية، وبمعطيات عن إدارة مواقع عسكرية، بينها علي الطاهر، من ضباط إيرانيين. كذلك يشير إلى أن إطلاق صواريخ في إحدى مراحل التصعيد جرى من دون معرفة عدد من نواب الحزب، بالتوازي مع تضارب البيانات الإعلامية، بما أوحى بوجود فجوة بين المسؤولين السياسيين وما يجري ميدانياً.
وبغض النظر عن حجم هذه الفجوة، فإن دلالتها السياسية، وفق الخبير، تكمن في أن الورقة اللبنانية باتت جزءاً من حسابات طهران التفاوضية والإقليمية، لا مجرد قرار لبناني لحزب لبناني.
وهنا تصبح الخسائر البشرية والمالية التي تحملها الحزب وبيئته جزءاً من سؤال أكبر: إلى أي حد يمكن أن تبقى الساحة اللبنانية مفتوحة على مقتضيات الإستراتيجية الإيرانية؟
إيران: من التمويل إلى الإستراتيجية
لا يعني ذلك أن "حزب الله" خرج من المعادلة الإيرانية، بل العكس هو الأرجح. لكن قراءة الخبير تذهب أبعد من القول إن إيران تموّل الحزب أو تدعمه، لتلاحظ أن الحزب أصبح عضواً في منظومة الدفاع الإيرانية المتقدمة.
هذه الإستراتيجية تعود، وفق القراءة نفسها، إلى تجربة الحرب العراقية ـ الإيرانية في الثمانينيات، حين بنت طهران عقيدتها على تطوير الأذرع الإقليمية والصواريخ وتعزيز أدوات الردع في مواجهة الحصار والضغط الأميركي. ومن هذا المنظور، فإن حل مسألة سلاح "حزب الله" لا يمكن أن يكون لبنانياً صرفاً، لأن السلاح نفسه مرتبط بجزء من استراتيجية الأمن القومي الإيراني.
ولهذا تكتسب المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية أهمية تتجاوز الملف النووي. فقد فتحت طهران، بحسب الخبير، الباب أمام البحث في أمن غرب آسيا، أي صيغة إقليمية تضمن أمن النظام، وتخفيف الانتشار العسكري المعادي حول إيران، ودوراً سياسياً واضحاً لطهران في تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، مقابل وقف تسليح الأذرع والتراجع عن تطوير الصواريخ وتجميد تخصيب اليورانيوم.
إلا أن هذه الصفقة لم تصل بعد إلى ترجمة عملية، ما يعني أن مستقبل الأذرع، وفي مقدمها "حزب الله"، لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
هل تبيع إيران أذرعها؟
هنا يختلف الخبير مع الرأي القائل إن إيران قد تتخلى عن أذرعها إذا أصبح الحفاظ عليها مكلفاً، كما حصل مع تجارب أخرى في المنطقة.
ففي رأيه، هناك فارق جوهري بين "حزب الله" و"حماس": إيران تملك نفوذاً على "حماس"، لكنها لا تديرها عضوياً، بينما العلاقة مع الحزب أكثر التصاقاً بالبنية الإيرانية و"الحرس الثوري". ولذلك، إذا وصلت المواجهة إلى مرحلة تهدد منظومة الردع الإيرانية نفسها، فقد يكون الحزب مطالباً بالقتال إلى أقصى الحدود دفاعاً عن هذه المنظومة، لا مجرد ورقة يمكن طهران التخلي عنها بسهولة.
إعادة تموضع لا انكفاء
من هنا، يصبح الحديث عن انكفاء الحزب عن الإقليم مبكراً. الأدق أنه دخل مرحلة إعادة ترتيب للأولويات.
فالداخل اللبناني أصبح أكثر أهمية، لا لأن الحزب تخلى عن الإقليم، بل لأن الحفاظ على موقعه اللبناني بات شرطاً للحفاظ على أي دور إقليمي مستقبلي. وفي المقابل، فإن أي تسوية حقيقية لسلاحه ستبقى مرتبطة إلى حد بعيد بما ستؤول إليه المفاوضات على الإستراتيجية الدفاعية الإيرانية نفسها.
سابقا، كان الحزب يستخدم فائض قوته الإقليمية لتعزيز موقعه داخل لبنان. أما اليوم، فقد تنقلب المعادلة: عليه أن يحمي موقعه داخل لبنان كي يستطيع الاحتفاظ بدوره الإقليمي.
وهنا تكمن العقدة. "حزب الله" قادر على ترميم جزء من قوته، لكنه لا يستطيع بسهولة إعادة إنتاج المعادلة التي كانت تسمح له باستخدامها بحرية. لذا تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى إعادة تموضع منها إلى انكفاء، وترميم منها إلى استسلام.




