حين يتحول السلاح إلى سؤال… والإعمار إلى قيد
في #غزة، لم تعد الأشياء تُعرَّف بأسمائها الأولى. فالسلاح الذي كان يومًا عنوانًا واضحًا للمقا.ومة، لم يعد يحتفظ بالمعنى ذاته، والإعمار الذي يُقدَّم بوصفه بوابة الخلاص، لم يعد بريئًا كما يبدو. ما نعيشه اليوم ليس مجرد مرحلة ما بعد حرب، بل لحظة إعادة تعريف عميقة لكل ما كان يُعتبر ثابتًا.
كان السلاح، في بداياته، تعبيرًا مباشرًا عن إرادة مقا.ومة، وأداة في معادلة غير متكافئة مع احتلا.ل واضح المعالم. غير أن تراكم التجارب، وصولًا إلى هذه الحرب القاسية، أفرغ هذا المفهوم من بساطته الأولى، وأدخله في شبكة معقدة من الحسابات السياسية والداخلية. لم يعد السؤال متعلقًا بوجود السلا.ح من عدمه، بل بوظيفته الراهنة: ماذا يفعل اليوم؟ ولصالح من يعمل؟ وعلى حساب من يستمر؟
عندما يصبح بقاء السلاح مرتبطًا بكلفة إنسانية مفتوحة، يدفعها المجتمع بأكمله، فإن النقاش ينتقل من كونه خيارًا مقا.ومًا إلى كونه أزمة معنى. هنا لا يعود الجدل بين مؤيد ومعارض كافيًا، لأن المسألة لم تعد نظرية، بل تمس حياة الناس اليومية، وقدرتهم على الاحتمال والاستمرار.
في المقابل، يتقدّم ملف الإعمار بوصفه أولوية إنسانية، لكنه في الواقع يحمل أبعادًا تتجاوز ذلك بكثير. فالإعمار، كما يُطرح اليوم، ليس عملية تقنية لإعادة بناء ما تهدّم، بل أداة لإعادة ترتيب الواقع السياسي والإداري في غزة. كل مشروع يرتبط بشروط، وكل تمويل يمر عبر حسابات النفوذ، ما يجعل عملية البناء نفسها جزءًا من معادلة ضبط أوسع.
بهذا المعنى، لم يعد الإعمار حياديًا، فهو لا يعيد تشكيل الحجر فقط، بل يعيد تشكيل موازين القوة، ويحدد من يملك القرار ومن يُستبعد منه. وهنا يتقاطع مسارا السلاح والإعمار في نقطة واحدة: كلاهما لم يعد مجرد وسيلة، بل أصبح جزءًا من صراع على تعريف المرحلة القادمة.
وسط هذا التعقيد، يقف الناس في موقع مختلف تمامًا عما كان يُفترض بهم. لم يعودوا حاضنة سياسية بالمعنى التقليدي، ولا جمهورًا يمكن توجيهه بالشعارات، بل أصبحوا الطرف الذي يتحمل الكلفة المباشرة لكل الخيارات، دون أن يمتلك القدرة الفعلية على التأثير فيها. هذا التحول هو الأخطر، لأنه يعني أن القرارات الكبرى تُصاغ بمعزل عن أولئك الذين يدفعون ثمنها.
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في نقاش حول نزع السلاح أو تسريع الإعمار، بل هو عملية إعادة تشكيل شاملة لغزة، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا. والسؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا بتفاصيل هذه العملية، بل بجوهرها: هل ستكون غزة شريكًا في صياغة مستقبلها، أم مجرد ساحة تُفرض عليها الترتيبات من الخارج والداخل معًا؟
في النهاية، قد يكون أخطر ما في هذه المرحلة هو أن تتحول كل هذه التحولات الكبرى إلى مجرد إدارة للأزمة، لا محاولة للخروج منها. لأن الخروج الحقيقي يبدأ فقط عندما تستعيد غزة حقها في أن تكون صاحبة القرار، لا موضوعًا له.





