... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
168290 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8410 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

حين يصنع الأمن قادته

العالم
هسبريس
2026/04/13 - 13:23 501 مشاهدة

ليست أهمية الدورة الثالثة في مجال بناء القيادة والتدبير، التي احتضنها المعهد العالي للعلوم الأمنية بإفران بين 6 و10 أبريل 2026، في عدد المستفيدين منها فقط، ولا في كونها دورة جديدة تضاف إلى برنامج تكويني آخذ في التوسع، بل في ما تكشفه عن مرحلة أعمق دخلتها المؤسسة الأمنية المغربية.

إنها مرحلة لم يعد فيها الرهان مقتصرا على تكوين الشرطي وتأهيله المهني، بل امتد إلى بناء القيادة الأمنية بوصفها رأسمالا بشريا استراتيجيا للمؤسسة. فحين يستفيد 29 مسؤولا أمنيا من المستوى الأول والثاني من مناصب المسؤولية من تكوينات متقدمة في التدبير والقيادة، ومعالجة الأزمات، والتواصل المؤسساتي، وقيادة الأداء، مع برمجة دورات مماثلة خلال شهري ماي ويونيو 2026، فإن الأمر يتجاوز بكثير منطق الخبر العابر إلى منطق التحول المؤسسي العميق.

هذا التحول ينبغي فهمه بحذر ودقة. فهو لا يعني أبدا أن التكوين الأمني التقليدي فقد قيمته، ولا أن المدارس والأكاديميات الشرطية التي تؤهل رجال الأمن للمهام الميدانية والإدارية أصبحت أقل أهمية. على العكس من ذلك تماما، فالتكوين الأساسي والتقليدي يظل هو القاعدة التي تقوم عليها المهنية والانضباط والجاهزية والالتزام بالقانون والمساطر. غير أن المؤسسة الأمنية، مثلها مثل كل المؤسسات الحديثة التي تتعقد وظائفها وتتوسع رهاناتها، لا يمكن أن تكتفي بالقاعدة وحدها.

وحين تبلغ هذه الدرجة من النضج، يصبح لزاما عليها أن تضيف إلى وظيفة التكوين وظيفة أخرى أعلى، هي صناعة القادة القادرين على توجيه الأداء، وتدبير الموارد، واحتواء الأزمات، وقراءة التحولات، وربط القرار الأمني بالنجاعة والتواصل والثقة العامة. وما يجري اليوم في إفران يعكس هذا الانتقال الطبيعي من التأهيل الوظيفي إلى التأهيل القيادي، لا من نموذج متجاوز إلى نموذج بديل.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن المرحلة التي افتتحها تعيين الملك محمد السادس لعبد اللطيف حموشي على رأس المديرية العامة للأمن الوطني سنة 2015، وهي مرحلة اتسمت بإصلاحات متدرجة ولكن ملموسة داخل المؤسسة. فقد شملت تحديث البنيات والخدمات الشرطية، وتوسيع العرض الأمني وتقريبه من المواطنين، والرفع من برامج التكوين الأساسي والمستمر، والانتقال من منطق التسيير الإداري الصرف إلى منطق الحكامة والنجاعة وقياس الأثر.

وتظهر الحصائل السنوية المتعاقبة أن هذا التوجه لم يبق في حدود الخطاب، بل تُرجم إلى مشاريع وبنيات ومؤشرات، من إحداث وتحديث المرافق الأمنية، إلى دعم مؤسسات التكوين، إلى الاستثمار المتزايد في تطوير الرأسمال البشري للمؤسسة.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو دور حموشي مجرد مواكبة تنفيذية لتوجه عام، بل مساهمة مباشرة في ترسيخ هذا المنحى الإصلاحي داخل المؤسسة الأمنية نفسها. ففي عهده تسارعت دينامية تحديث البنيات الشرطية، وتعززت لامركزية التكوين، وجرى افتتاح المعهد العالي للعلوم الأمنية بإفران مع الانفتاح على شراكات أكاديمية متخصصة، قبل الانتقال إلى تنظيم دورات متتالية في بناء القيادة والتدبير.

لذلك فإن ما يبرز اليوم في إفران لا يمثل فقط حلقة جديدة في التكوين، بل يُعد أحد أوضح المؤشرات على أن الإصلاحات التي قادها حموشي داخل الأمن الوطني ظلت وفية للرؤية الملكية في تحديث المرفق الشرطي، مع إعطاء مكانة متقدمة للعنصر البشري بوصفه الرافعة الأكثر حسما في تطوير المؤسسة ورفع مردوديتها.

وعليه، فإن الحديث عن المعهد العالي للعلوم الأمنية لا ينبغي أن يظل محصورا في وصفه بناية جديدة أو مرفقا إضافيا داخل الخريطة التكوينية للأمن الوطني. افتتاح هذا المعهد في 5 دجنبر 2025 قُدم باعتباره خطوة تروم تطوير برامج التكوين، وملاءمة الكفاءات مع التحديات الأمنية الجديدة، والانفتاح على التعاون العلمي والمؤسساتي. كما واكب افتتاحه توقيع مذكرة شراكة مع جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، بما يؤكد أن الرهان لم يكن منذ البداية هو توسيع العرض التكويني فقط، بل بناء فضاء مؤسساتي قادر على إنتاج معرفة أمنية أكثر تطورا، وعلى ربط التكوين الأمني بالبحث والشراكة والانفتاح العربي والدولي.

ولعل ما يعزز هذا الفهم أن المعهد لم يُوظف فقط لاحتضان دورات داخلية لفائدة المسؤولين الأمنيين، بل أصبح أيضا منصة لتلاقي الخبرة الأمنية بالمعرفة الأكاديمية والخبرة الدولية. ففي فبراير 2026 احتضن ندوة دولية حول مكافحة سرقة وتهريب المركبات، نُظمت بتنسيق مع مؤسسة “كلوبال تراندس”، بما يكشف أن الرؤية المؤطرة له لم تُبن على منطق الانغلاق المهني، بل على تصور يعتبر الأمن مجالا متقاطعا مع القانون والتدبير والتكنولوجيا والعلاقات الدولية.

وحين تضاف إلى ذلك مساهمة خبير أكاديمي من المدرسة العليا للتجارة والتدبير ضمن الدورة الأخيرة الخاصة ببناء القيادة والتدبير، يصبح واضحا أن المؤسسة الأمنية تتجه إلى تنويع أدوات إنتاج نخبها القيادية، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج نفس الأنماط التكوينية المألوفة.

هنا تحديدا يظهر المعنى الأعمق لهذا المسار. فإذا كانت المدرسة الأمنية التقليدية تُخرج رجل الأمن المؤهل لتنفيذ المهام وفق القواعد المهنية، فإن هذا المستوى الجديد من التكوين يشتغل على شيء مختلف، هو إعداد المسؤول القادر على القيادة وسط التعقيد. فالعمل الأمني الحديث لم يعد مجرد تدبير يومي للنظام العام أو استجابة لحوادث منفصلة، بل أصبح اشتغالا دائما داخل بيئة متحركة تتداخل فيها الجريمة المنظمة، والتهديدات المستجدة، والضغط الإعلامي، وانتظارات المجتمع، ومتطلبات الحكامة، والرقمنة، وسرعة تداول الخبر والصورة.

في مثل هذا السياق، لا تكفي الكفاءة المهنية وحدها، مهما كانت متينة. ما تحتاجه المؤسسة أيضا هو قيادات تستطيع أن ترى أبعد من الواقعة، وأن تدير التغيير بدل أن تتفاجأ به، وأن تقود الأداء بدل أن تكتفي بمراقبته. ولهذا تبدو محاور الدورة الأخيرة، من تدبير التغيير إلى قيادة الأداء وتدبير الموارد والتواصل المؤسساتي والإعلام الأمني، دالة في حد ذاتها على طبيعة التحول الجاري.

ومن الصعب عزل هذا التطور عن الفلسفة العامة التي طبعت إصلاح الدولة في عهد الملك محمد السادس. فجوهر التحولات التي عرفتها الإدارة المغربية خلال العهد الجديد لم يكن قائما فقط على إحداث المؤسسات أو توسيع اختصاصاتها، بل على إعادة تعريف معنى السلطة نفسها، من سلطة تستمد مشروعيتها من الموقع إلى سلطة تُقاس بقربها، ونجاعتها، وقدرتها على التدبير، وحسن استخدامها للموارد، وتواصلها مع المجتمع.

وإذا كانت هذه الفلسفة قد برزت منذ البدايات في الخطاب العام حول الدولة والإدارة والسلطة المحلية، فإن المؤسسة الأمنية تبدو اليوم من أكثر المؤسسات التي دفعت هذا المنطق إلى مداه العملي. فهي لا تكتفي بتحديث بنياتها، ولا بتوسيع انتشارها، ولا بتقوية تجهيزاتها، بل تستثمر في الإنسان الذي سيدير هذه البنيات والتجهيزات والانتظارات والتحديات. وفي هذا بالذات تظهر قوة التحول. فالأمن لم يعد فقط وظيفة تنفيذية داخل الدولة، بل أصبح أيضا مدرسة لإنتاج الكفاءة القيادية التي تناسب دولة حديثة.

ولذلك فإن الخبر المتعلق بالدورة الثالثة لبناء القيادة والتدبير يجب أن يُقرأ باعتباره مؤشرا على انتقال نوعي في ترتيب الأولويات داخل المؤسسة الأمنية. ففي مراحل سابقة، كان الرهان المركزي يتمثل في تكوين الأطر، وتحديث أساليب العمل، وتوسيع العرض التكويني، والرفع من المهنية العامة. وهذا كله كان ضروريا ومؤسسا ولا يزال كذلك.

أما اليوم، فنحن أمام طبقة جديدة من التطوير، تتعلق بكيفية صناعة القيادة داخل المؤسسة. كيف يُعد المسؤول الأمني ليكون قادرا على اتخاذ القرار في لحظة ضغط؟ كيف يدبر التحول داخل مصالحه؟ كيف يقود الأداء؟ كيف يوظف الموارد؟ كيف يتواصل باسم مؤسسته من موقع المسؤولية لا الارتجال؟ وكيف يحافظ على تماسك القرار والنجاعة والثقة في بيئة لا ترحم البطء أو الارتباك؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل من الاستثمار في الرأسمال البشري القيادي مؤشرا على نضج المؤسسة، لا مجرد تحصيل إداري إضافي.

والراجح أن هذا المسار لن يبقى محصورا في التكوين القصير أو الدورات المتلاحقة، بل سيتحول تدريجيا إلى جزء من هوية المؤسسة الأمنية المغربية نفسها. فالإعلان عن مواصلة هذه الدورات خلال ماي ويونيو 2026، مع مراعاة المتطلبات العملياتية للمصالح الأمنية، يفيد بأن الأمر ليس مبادرة ظرفية، بل توجه منظم وممنهج.

ومع الزمن، ستكون القيمة الحقيقية لهذا التوجه في قدرته على إنتاج جيل من المسؤولين الأمنيين يجمع بين الصرامة المهنية والمرونة التدبيرية، وبين الانضباط المؤسسي والقدرة على القيادة، وبين التحكم في القواعد الكلاسيكية للعمل الأمني واستيعاب أدوات الحكامة الحديثة. وحين تنجح المؤسسة في هذا الجمع، فإنها لا ترفع فقط من جاهزيتها، بل ترفع أيضا من قدرتها على الاستمرار والتكيف والابتكار.

من هنا، فإن ما يحدث اليوم في إفران لا ينبغي اختزاله في كونه برنامجا تدريبيا جديدا، بل يجب فهمه بوصفه عنوانا على تحول أعمق داخل الدولة المغربية، هو الانتقال من الاكتفاء بإعداد الأطر إلى الاستثمار في صناعة القيادة.

وهذه ليست نقلة ضد التكوين التقليدي، بل تتويج له وامتداد طبيعي فوقه. فالمؤسسات التي لا تحسن تكوين أفرادها تضعف، أما المؤسسات التي لا تعرف كيف تصنع قادتها من داخلها فتظل، مهما بلغت من قوة، معرضة للجمود أو الارتباك أمام التحولات. والمغرب، وهو يعمق هذا الخيار داخل مؤسسته الأمنية، لا يطور جهازا فقط، بل يرسخ واحدة من أهم دلالات العهد الجديد، وهي أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان، لكن نضجه الكامل يظهر حين يصبح هذا الإنسان نفسه مشروع قيادة.

The post حين يصنع الأمن قادته appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤