🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
426309 مقال 250 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2188 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

حين ينهض الوطن على عتبة الأمل

العالم
jo24
2026/05/29 - 19:45 502 مشاهدة



لم يكن غريبًا أن أرى العالم بعين لا تخضع تمامًا لمنطق اليقظة، لكن الغريب أن أعود من غيابي الداخلي بعد العاشرة صباحًا، وأنا الذي تعوّد أن يسبق النهار بخطوة، وأن يفتح عينيه قبل أن تفتح المدن أبوابها. في حياة الطيار لا يكون الوقت رقمًا معلقًا على الجدار، بل ميثاقًا غير مكتوب بين الإنسان ومسؤوليته، وإذا تأخر المرء عن عادته شعر كأن شيئًا في نظامه الداخلي قد اختار أن يرسل إليه إشارة لا تشبه الصدفة.

لذلك لم أقرأ ذلك الصباح كزيادة في النوم، بل كرسالة احتاجت إلى سكون أطول كي تكتمل. كان ثالث أيام عيد الأضحى يترك في البيوت رائحة الطمأنينة، وكانت وقفة عرفة وطواف الكعبة لا يزالان يمران في الذاكرة مثل نهر من الخشوع، وكان عيد الاستقلال حاضرًا في القلب كأن الوطن والعيد التقيا في نافذة واحدة.

الأعلام ترفرف، والأغاني الوطنية تعيد إلى الروح دفئًا قديمًا، والوجوه تبتسم بفخر هادئ، لكنني لم أكن أرى الاحتفال وحده؛ كنت أرى السؤال المختبئ خلفه: هل الاستقلال مناسبة ننتظرها في التقويم، أم طريقة نعيشها في المدرسة والجامعة والمستشفى والشارع والدائرة والبيت؟ هناك بدأ المعنى يتفتح ببطء.

فالوطن لا يريد منا أن نحبه في يوم واحد، ثم نعود إلى عادات تهدم ما نقول.

يريد حبًا يتحول إلى أمانة، وإلى نظام، وإلى إتقان، وإلى رفض للواسطة، وإلى ورقة لا نلقيها في الطريق، وإلى رصيف لا نحتله، وإلى عمل نؤديه كأننا نضع لبنة في جدار طويل.

عندها شعرت أن اليقظة الحقيقية لا تقاس بفتح العينين، بل بقدرة الروح على رؤية ما وراء الساعة، وأن التأخر عن الصباح قد يكون أحيانًا دعوة إلى الوصول إلى صباح أعمق، صباح يرى الإنسان فيه وطنه لا كما اعتاد أن يراه، بل كما يستطيع أن يكون إذا اجتمع الصبر مع العدل، والحب مع العمل، والذاكرة مع المسؤولية.

ولم تكن تلك اللحظة مجرد استراحة من تعب الأيام، بل كانت عودة إلى السؤال الأول الذي يتهرب منه الإنسان حين يزدحم يومه بالتفاصيل: ماذا نصنع بما نؤمن به؟

كثيرون يحبون أوطانهم كما يحب المسافر صورته القديمة؛ يضعها في القلب، يمسح عنها الغبار، لكنه لا يبني لها بيتًا جديدًا.
أما المحبة الناضجة فهي التي تخرج من الوجدان إلى الطريق، ومن الكلام إلى السلوك، ومن الحنين إلى القرار.

في ذلك الصباح كان العيد يعلّم التضحية، والاستقلال يعلّم السيادة، والطواف يعلّم أن الدوران حول معنى واحد قادر على جمع الملايين من غير أن يضيع أحد.

وتساءلت: أليس الوطن أيضًا بيتًا كبيرًا يحتاج إلى طواف من نوع آخر، طواف حول العدل والكرامة والعمل؟

أليس أجدر بنا أن نجعل الراية التي نرفعها في الساحات راية داخلية ترفرف في الضمير حين نعمل ونحكم ونتعامل ونختلف؟
هكذا صار التأخر عن اليقظة بابًا إلى يقظة أوسع، وصارت العاشرة صباحًا رقمًا يتجاوز الحساب، كأنها تقول إن الزمن لا يقاس بعدد الساعات فقط، بل بما ننتبه إليه داخلها من معنى ومسؤولية.

ومن هنا لم يعد السؤال سؤال رجل استيقظ متأخرًا، بل سؤال وطن كامل: كيف نستيقظ من العادة، لا من النوم فقط؟

كيف ننتقل من الفرح بالمناسبة إلى الوفاء بما تفرضه المناسبة؟
فالزمن الذي لا يتحول إلى وعي يمر، أما الزمن الذي يوقظ فينا واجبًا فيبقى مثل أثر الضوء على جدار الروح. وفي هذا وحده يكفي أن يتحول الصباح المتأخر إلى درس طويل في يقظة الوطن والضمير.
لم يكن ما جرى بعد ذلك نومًا عاديًا، بل رحلة صامتة نقلتني من ضيق اللحظة إلى فضاء أرحب، فضاء لا يهرب من الحقيقة، بل يراها من ارتفاع آخر. فأنا، وإن تقاعدت من الطيران، لم أتقاعد من السماء؛ بعض المهن لا تخرج من صاحبها بمجرد أن يخلع الزي أو يسلّم المفاتيح أو تسكت أجهزة النداء. تبقى في الداخل أبراج مراقبة لا يراها أحد، ومدارج لا تختفي، وأفق يعلّم الإنسان أن ينظر إلى الأشياء من مسافة أكثر عدلًا.
وجدتني واقفًا على مدرج طويل، لكنه لم يكن مدرجًا من إسفلت وحديد وإشارات ضوئية، بل مدرجًا مصنوعًا من تاريخ الأردن كله: من صبر الأمهات، وعرق العمال، وشجاعة الجنود، وكتب الطلاب، وخبز الفقراء، ودعاء الآباء، وحجارة عمّان القديمة، ورمل البادية، وهواء عجلون، ونخوة الكرك، وملوحة البحر في العقبة، ومن تعب كل أردني قال يومًا إن هذا الوطن يستحق الأفضل.
كان الأردن كله على المدرج، لا طائرة عابرة تستعد لرحلة قصيرة، بل وطنًا يتهيأ لإقلاع طويل نحو نسخة أكثر صفاء من نفسه.
سمعت في داخلي صوتًا يشبه نداء برج المراقبة: الأردن، هل أنت مستعد؟
وساد صمت لا يشبه الخوف، بل يشبه القرار؛ ذلك الصمت الذي يسبق اندفاع الطائرة حين يعرف الطيار أن اللحظة لم تعد تحتمل الكلام، بل الفعل الدقيق.
دارت المحركات، لكنها لم تكن محركات معدن ونار، بل محركات معنى: التعليم، والقانون، والإدارة، والاقتصاد، والصحة، والإنسان.
عندها أدركت أن الأوطان لا ترتفع بالأمنيات وحدها، ولا تكفيها الرايات في الأعياد، ولا التصفيق في الساحات؛ تحتاج إلى مدرج واضح، وقيادة واعية، ومؤسسات تتقن، ومواطنين يؤمنون بأن الوصول لا يبدأ عند الهبوط، بل منذ لحظة الاستعداد.
وكان السؤال الأعمق ينهض: هل نمنح الأردن ما يستحق من وعي وعدل وعمل؟
فالطائرة التي يخذلها ركابها، أو يثقب جناحها فساد صغير، أو يضطرب برجها بالتردد، لا تكفيها قوة المحرك مهما علت، ولا اتساع السماء مهما بدت قريبة. ولم يكن ذلك المدرج محايدًا؛ كانت كل حصاة فيه تشبه حكاية، وكل ضوء على حافته يشبه دعاءً تركه جندي عند الحدود، أو معلم في صف بعيد، أو طبيب في مناوبة طويلة، أو أم انتظرت ابنها عند باب جامعة.
شعرت أن الوطن في لحظة الإقلاع لا يحمل الحاضر وحده، بل يحمل الذين مروا قبله ومهدوا له المكان: من حرثوا الأرض، ومن بنوا المدرسة الأولى، ومن حملوا الماء إلى قرية بعيدة، ومن حرسوا الليل كي ينام الآخرون آمنين. لذلك لا تكون النهضة قرارًا إداريًا فقط، بل وفاءً لجيل سلّمنا مدرجًا غير مكتمل وقال لنا: أكملوا.
وفي الطيران يعرف المرء أن الخطأ الصغير قد يغيّر مصير الرحلة، وكذلك الأوطان؛ إهمال بسيط في مؤسسة، أو ظلم صغير في معاملة، أو صمت عن فساد، أو استهانة بالوقت، كلها ثقوب لا تظهر في الصورة الرسمية، لكنها تضعف الجناح. ومن هنا كان النداء الداخلي حازمًا: الاستعداد لا يعني الرغبة في الطيران، بل فحص المحركات، وتطهير المسار، وترتيب البيت من الداخل قبل طلب الإذن من السماء. وفي تلك اللحظة أحسست أن كل مؤسسة في الوطن تشبه جهازًا في قمرة القيادة؛ إن تعطّل واحد منها اختلّت ثقة الرحلة كلها. لذلك لا يكفي أن نطلب من الطائرة أن ترتفع، بل علينا أن نطمئن إلى أن البوصلة صادقة، وأن الرؤية واضحة، وأن من يجلس في كل موقع يعرف أن المسؤولية ليست مظهرًا، بل أمانة لا تُرى آثارها إلا عند المنعطفات الصعبة.

اتسعت الرؤية حتى صارت خريطة حية، فرأيت شمال الأردن لا كطرف ينتظر العاصمة، بل كبداية من بدايات الإقلاع. في محافظة إربد حضرت المدينة الأم ومعها الرمثا، والحصن، وإيدون، والنعيمة، وكتم، والطيبة، والوسطية، والكورة، ودير أبي سعيد، والمزار الشمالي، وبني كنانة، والشونة الشمالية، والمشارع، وطبقة فحل، وأم قيس، وحوارة، وبيت راس، وكفر يوبا، وسائر البلدات التي جعلت الشمال مدرسة للعلم وذاكرة للخصب. لم تكن إربد في الرؤية مدينة شهادات فقط، بل حاضنة بحث وسوق معرفة، جامعاتها تفتح العقول على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، ومستشفياتها تخدم الإنسان كحق لا كامتياز.
ثم بدت محافظة المفرق، لا كامتداد بعيد في البادية، بل كبوابة شرقية واسعة تضم المفرق، وبلعما، ومنشية بني حسن، والخالدية، ورحاب، وأم الجمال، والرويشد، والصالحية، ونايفة، وصبحا، والدفيانة، وحوشا، وأم القطين، ودير الكهف، وسما السرحان؛ رأيتها عقدة نقل وطاقة وتجارة، حيث لا تُقرأ المسافة كعزلة، بل كموقع ينتظر إدارة تفهم قيمته.
ورأيت عجلون، خضراء كما تسكن القلب، تضم عجلون وكفرنجة وعنجرة وصخرة وعبين وعبلين واشتفينا وعرجان وراسون والهاشمية وحلاوة، لا تبيع جمالها للزائر وحده، بل تحوله إلى سياحة بيئية وزراعة نظيفة وفرص كريمة تحفظ الغابة ولا تعتدي عليها.
ورأيت جرش، بجرش وساكب وسوف وبرما والمصطبة ودبين وريمون ونحلة وقفقفا وكتة، لا تعيش على أعمدتها القديمة فقط، بل تجعل التاريخ اقتصادًا ذكيًا، والمهرجان ثقافة منظمة، والحرفة المحلية عملًا محترمًا. في ذلك الشمال كان لكل مدينة صوت، وللجبل حكمة، وللسهل وعد، وللمدرسة معنى، وللمستشفى رسالة.
لم تكن التنمية نسخة واحدة تُفرض على الجميع، بل عدلًا يكتشف موهبة المكان؛ فإربد للمعرفة، والمفرق للموقع والطاقة، وعجلون للطبيعة المستدامة، وجرش للذاكرة التي تتحول إلى مستقبل. عندها بدا الشمال جناحًا لا يقل أهمية عن أي جناح آخر، وإذا قويت عروقه قويت رحلة الوطن كلها. وما كان الشمال في تلك الصورة مجرد أسماء تتوالى على الخريطة، بل كان درسًا في تنوع القوة الأردنية.
فكلما مررت باسم مدينة أو بلدة شعرت أن الاسم ليس نقطة جغرافية، بل قابلية كامنة: الرمثا حركة وتجارة وحدود نابضة، أم قيس ذاكرة تطل على أفق واسع، الكورة وادي معرفة وزيتون وصبر، الشونة الشمالية ماء وزراعة، المزار الشمالي وقار ريفي، والمفرق اتساع يحتاج إلى مشروع، لا إلى شفقة. كان السؤال هناك: كيف نحرر المكان من الصورة النمطية التي تحاصره؟ فالمدينة التي يسمونها صغيرة قد تحمل فكرة كبيرة، والقرية التي تبدو بعيدة قد تكون أقرب إلى المستقبل إذا وصلت إليها خدمة عادلة ومشروع ذكي.
ورأيت في مدارس الشمال مختبرات لا تكتفي بالكتب، وفي أراضيه زراعة تقرأ المناخ والماء، وفي طرقه حركة لا تضيع في العشوائية. كان الطالب في إربد لا ينتظر الوظيفة بل يصنع قيمة، والمزارع في الأغوار لا يخاف من السوق لأنه يجد سلسلة إنتاج عادلة، والحرفي في جرش لا يبيع ذكرى فقط بل يبيع إبداعًا حديثًا.
بذلك صار الشمال جناحًا مكسوًا بالمعرفة والخضرة والبوابة الشرقية، جناحًا إذا أُكرم رفع الوطن معه. وكان ما يجمع هذه الأمكنة كلها أنها لا تطلب أن تتشابه، بل أن تُفهم. فالعدل في التنمية لا يعني طلاء المدن بلون واحد، وإنما أن نسمع نبرة كل مكان، وأن نمنحه ما يلائم طبيعته وطاقته. بهذا وحده تتحول الخريطة من مساحة موزعة إلى حكاية متكاملة، ومن أسماء محفوظة إلى أدوار حية في مشروع وطني واحد. وعندئذ لا تبقى الأسماء على اللافتات، بل تصير طاقة تمشي بين الناس وتفتح أبوابًا جديدة.
ثم انتقلت الرؤية إلى وسط المملكة، فوجدت القلب لا يكتمل بالنبض وحده، بل بعدالة توزيع الدم في الجسد كله. رأيت محافظة البلقاء بسلطها العريقة، وبالفحيص وماحص وعين الباشا، ورأيت صويلح، مسقط الرأس ومهد البداية الأولى، ذلك المكان الذي خرجت منه أولى خطوات العمر، وتعلّمت فيه العين كيف تنظر إلى السماء، وتعلّم القلب كيف يرتبط بالمكان قبل أن يفهم معنى الوطن. كانت صويلح في تلك الرؤية أكثر من اسمٍ على الطريق؛ كانت ذاكرة ولادة، وعتبة نشأة، وبداية حكاية شخصية امتزجت بحكاية الأردن الكبير.
كانت صويلح في تلك الرؤية أكثر من اسمٍ على الطريق؛ كانت ذاكرة ولادة، وعتبة نشأة، وبداية حكاية شخصية امتزجت بحكاية الأردن الكبير. ومن هناك، من تلك البدايات الصغيرة، بدأت علاقتي الأولى بالسماء؛ لم أكن أعرف يومها أن النظر إلى الأعلى سيصير يومًا مهنةً وقدرًا وذاكرة، وأن الطفل الذي حملته صويلح في أول العمر سيكبر ليصبح طيارًا، ثم يعود بعد تقاعده ليكتب قصته تحت اسم "حكاية طيار".
ولعل السماء التي رافقتني في سنوات الطيران لم تكن بعيدة عن صويلح، بل كانت امتدادًا لذلك المكان الأول. فمسقط الرأس لا يمنح الإنسان الأرض وحدها، بل يمنحه أول أفق. وفي صويلح تعلّمت أن الوطن يبدأ من حيّ صغير، ومن شارع يعرف خطواتنا، ومن بيتٍ يترك في الروح رائحة البداية، ثم يكبر هذا الوطن فينا حتى يصير سماءً ومدرجًا ورحلة.
ورأيت دير علا، والشونة الجنوبية، والكرامة، وعيرا، ويرقا، وزي، وأم جوزة، وعلان، والرميمين، وقد اجتمعت كلها في صورة واحدة تجمع بين الزراعة والعلم والسياحة الثقافية، وتحفظ ذاكرة الجبل دون أن تحبس أبناءها في الماضي. كانت البلقاء هناك كقلبٍ يعرف أن التاريخ لا يُصان بالبقاء فيه، بل بتحويله إلى قوة تدفع الحاضر إلى الأمام. وكان الجبل لا يروي حكاية الحجر وحده، بل حكاية الإنسان حين يصعد بالصبر، ويزرع بالأمل، ويبني من ذاكرته طريقًا إلى المستقبل.
ورأيت العاصمة عمّان لا تكبر بالفوضى، بل تفكر قبل أن تمتد؛ عمّان بأحيائها ومناطقها: المدينة، والعبدلي، ورأس العين، وزهران، واليرموك، وبدر، وطارق، وماركا، والنصر، وبسمان، والقويسمة، والجويدة، وأبو علندا، والرقيم، وخريبة السوق، وجاوا، واليادودة، وأم قصير، والمقابلين، والبنيات، والجبيهة، وتلاع العلي، وخلدا، وأم السماق، وأبو نصير، وشفا بدران، ووادي السير، وبدر الجديدة، وناعور، وحسبان، ومرج الحمام، وسحاب، والموقر، والجيزة، وأم البساتين. كانت العاصمة في الحلم عاصمة خدمة لا عاصمة ازدحام؛ طرقها أرحم، ومواصلاتها أصدق، ومؤسساتها تدرك أن وقت المواطن جزء من كرامته.
وظهرت الزرقاء، ومعها الرصيفة، والهاشمية، والضليل، والأزرق، وبيرين، والحلابات، مدينة صناعة وإنتاج لا تختصر في كثافتها، بل تنهض بسواعد عمالها ومهارات شبابها، وتربط التعليم المهني بالمصنع والمختبر والسوق.
أما مادبا فبدت كفسيفساء وطنية واسعة؛ مادبا، وذيبان، وماعين، والفيصلية، ولب، ومليح، ونتل، وأم الرصاص، ومكاور، والمخيط، وجرينة، والوسية، لا تعيش على جمال الخرائط القديمة وحدها، بل تجعل الفن والتراث والتكنولوجيا والسياحة الراقية خيطًا واحدًا في اقتصاد يحمل روح المكان. في هذا الوسط فهمت أن المركز لا يكون مركزًا حين يستأثر، بل حين يخدم، وأن العاصمة لا تكتمل إذا صارت مغناطيسًا يبتلع الأطراف، بل حين تصبح عقلًا منظمًا يربط المدن ببعضها، ويدفعها إلى أدوارها الخاصة.
فالبلقاء ذاكرة وزراعة، وعمّان إدارة وابتكار، والزرقاء صناعة، ومادبا ثقافة وجمال، وكلها معًا قلب لا يضخ لنفسه، بل للوطن كله. وكان أجمل ما في القلب أنه لم يعد يخلط بين القيادة والاحتكار.
فالعاصمة حين تنضج لا تبتلع الأصوات، بل تنظّمها؛ لا تجعل الطريق إليها شرطًا للحياة، بل تجعل الخدمات تصل إلى الناس حيث هم. رأيت مبنى البلدية لا كحاجز بيروقراطي، بل كباب واضح؛ ورأيت الموظف العام يعرف أن ختمه ليس سلطة على المواطن بل أداة لإنصافه.
في السلط كانت البيوت القديمة تصالح الحجر مع الذاكرة، وفي الفحيص وماحص بدا الانتماء كتناغم بين الطبيعة والثقافة، وفي عين الباشا ودير علا والشونة الجنوبية كان الإنسان قريبًا من الأرض والماء والعمل. أما عمّان فبدت مدينة قابلة للإصلاح حين تتوقف عن مطاردة التوسع بلا روح، وحين تجعل النقل العام شريانًا لا رفاهية، والحديقة حقًا لا ترفًا، والرصيف ممرًا للناس لا ساحة للفوضى. وفي الزرقاء رأيت الصناعة تتحرر من صورة الدخان والتعب لتصبح تقنية نظيفة ومهارة عالية، وفي مادبا بدت الفسيفساء استعارة للدولة نفسها: قطع مختلفة لا تكتمل إلا إذا وضعها عقل صبور في موضعها الصحيح. وهكذا تعلم القلب أن قيمته ليست في أن يكون أكبر من الأطراف، بل في أن يحسن الإصغاء إليها وأن يضخ إليها فرصًا متوازنة. وفي هذا القلب تعلمت أن الإدارة العادلة ليست ملفات مرتبة فقط، بل شعور يصل إلى المواطن قبل أن يصل إلى توقيعه الأخير.
حين يجد الإنسان أن طريقه واضح، وأن حقه لا يضيع بين المكاتب، وأن مدينته تنظمه ولا تطارده، يصبح انتماؤه أقل توترًا وأكثر ثقة. هكذا يصبح المركز مدرسة في الخدمة، لا برجًا عاليًا ينظر إلى الآخرين من فوق. وبذلك يصبح القلب أكثر عدلًا، لأنه لا يطلب من الأطراف أن تخدمه، بل يمدها بالحياة.

بعد ذلك رأيت الجنوب، فلم يظهر كمسافة بعيدة، بل كعمق في المعنى. رأيت محافظة الكرك، بالكرك ومؤتة والمزار الجنوبي والقصر وفقوع وعي وغور الصافي والقطرانة والربة وعدير والمرج والثنية، شامخة كما عرفناها، قلعتها لا تقف وحدها في الذاكرة، بل ترافقها جامعات قوية ومشاريع زراعية وصناعية ومستشفيات كحصون رحمة. ورأيت الطفيلة، بالطفيلة وبصيرا والقادسية والحسا والعين البيضاء والعيص ودانا، هادئة لكنها ليست غائبة، تنهض بطاقة الأرض والإنسان، وتحوّل الطبيعة إلى سياحة مسؤولة، والمعادن والطاقة إلى فرص تجعل البقاء اختيارًا كريمًا.
ثم ظهرت الشوبك بين الجبل والتاريخ: الشوبك الجديدة، ونجل، والهيشة، والجرباء، والمثلث، وبساتينها وقلعتها وهواؤها العالي، لا كاسم عابر على الطريق، بل كذاكرة تقف بوقار، قادرة على بناء اقتصاد من الزراعة الحديثة والضيافة الجبلية والمسارات الطبيعية دون أن تبيع روحها. ورأيت معان، ومعها الحسينية، والجفر، وإيل، وأذرح، والشراة، ووادي موسى، والبتراء، والطيبة، والراجف، وقد استعادت مكانها كبداية من بدايات الحكاية الأردنية، لا محافظة تنتظر دورها. فمعان التي استقبلت الأمير عبدالله بن الحسين عام 1920، والتي صارت في الوجدان عتبة للفكرة الهاشمية، لا تُقاس بعدد سكانها، بل بعدد البدايات التي مرت منها. في الرؤية تحولت صحراؤها إلى فضاء للطاقة الشمسية والبحث المائي والنقل والصناعات الذكية، وصارت جامعاتها تقود معرفة الصحراء لا تكتفي بوصفها.
ثم امتدت العين إلى العقبة: العقبة، والقويرة، والديسة، ووادي رم، ووادي عربة، والريشة، وقطر ورحمة، وقريقرة وفينان، نافذة الأردن على البحر الأحمر، لا ميناء للبضائع وحدها، بل ميناء للأفكار والتجارة والسياحة والاقتصاد الأزرق. كانت سفنها تتحرك بانضباط، وشواطئها نظيفة، وشعابها المرجانية محمية، وجامعاتها تدرّس الملاحة والبيئة البحرية وإدارة الموانئ والذكاء الاصطناعي.
عندها بدا الجنوب كجناح واسع لا يعيش في الهامش، بل يحمل ذاكرة الدولة وطاقة المستقبل ونافذة البحر، وكأن الأردن لا يستطيع أن يقلع إلا إذا أدرك أن الجنوب ليس آخر الطريق، بل جزء من بدايته وشرط من شروط وصوله. وفي الجنوب تعلّمت الرؤية أن البعد أحيانًا خدعة بصرية؛ فما نظنه طرفًا قد يكون أصلًا، وما نراه صحراء قد يكون كتابًا مفتوحًا لمن يعرف القراءة. الكرك لم تكن حصنًا حجريًا فحسب، بل فكرة صمود قادرة على تحويل الصلابة إلى إنتاج. والطفيلة لم تكن هدوءًا منسيًا، بل طاقة مؤدبة تنتظر من يحترمها. والشوبك كانت أشبه بمرتفَع أخلاقي يرى الطريق من أعلى؛ قلعتها تذكّر بأن التاريخ لا يعيش إذا تركناه حجرًا، بل إذا جعلناه مدرسة للكرامة والعمل. أما معان فبدت كأنها تقول إن بداية الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى هامش في خطط التنمية؛ فالمدينة التي مرّت منها الفكرة الأولى تستحق أن تمر منها فرص جديدة في الطاقة والنقل والبحث العلمي.
وفي وادي موسى والبتراء والراجف كان الحجر يعلّم الإنسان كيف يصبر حتى يصير جمالًا خالدًا، وفي العقبة كان البحر يعلم الدولة أن النافذة الصغيرة، إذا أُديرت بعقل، تكفي لأن يطل وطن كامل على العالم. الجنوب في تلك الرؤية لم يطلب استعطافًا، بل شراكة؛ لم يقل أعطوني لأنني بعيد، بل قال استثمروا فيّ لأنني عميق، ومن يعرف عمق المكان يعرف كيف يحوله إلى أفق. وما أعمق الفرق بين أن ننظر إلى الجنوب كمسافة، وأن ننظر إليه كمخزون معنى. المسافة تتعب من يقيسها بالكيلومترات، أما المعنى فيقرب كل شيء حين يجد دولة تقرأه بإنصاف. في تلك الرؤية كان الطريق إلى الجنوب ليس نزولًا في الخريطة، بل صعودًا في الوعي؛ فهناك تتجاور القلعة والصحراء والبحر والحجر النبطي في درس واحد عن الصبر والاتساع.
في ذلك الأردن الذي رأيته، لم تكن الجامعة مبنى يوزع الشهادات، ولا المستشفى مكانًا يفرّق بين قادر ومحتاج؛ كان التعليم والصحة عهدين أخلاقيين بين الدولة والإنسان. رأيت في كل محافظة جامعة لا تقف عند حدود الورقة المختومة، بل تصنع عقلًا يسأل ويبتكر، وتربط المختبر بالزراعة، والهندسة بالماء، والطب بالرحمة، والذكاء الاصطناعي بخدمة الناس، والحرفة بسوق يحترم اليد الماهرة. ورأيت في كل محافظة مستشفى لا يكون العلاج فيه امتيازًا لمن يملك، بل حقًا لمن يتألم. لم يعد المرض سؤالًا مخيفًا: من يدفع؟ بل صار سؤالًا إنسانيًا بسيطًا: أين العلاج؟ وكان الجواب في كل مكان: هنا، في مركز صحي محترم، في طبيب يرى المريض إنسانًا، وفي نظام يعرف أن كرامة المريض جزء من الشفاء. تخيلت الأردن وقد جعل التعليم المجاني حقًا كاملًا من المدرسة إلى الجامعة، لا من الصف الأول إلى الثانوية فقط؛ الطالب يدخل الجامعة من غير أن يشعر أن العلم دَين ثقيل على كتفيه، والأب لا يبيع راحته كي يعلّم أبناءه، والأم تنام مطمئنة لأن مستقبل أولادها لا يرتهن بقدرة العائلة المالية. لم يكن هذا الفتح رقمًا للاستعراض، ولا جملة للفخر العابر، بل نتيجة طبيعية لدولة جعلت الإنسان مشروعها الأول.
فحين يتعلم المواطن بلا خوف، ويتعالج بلا ذل، ويعيش مطمئنًا إلى أن أبناءه لن يُتركوا عند باب الجهل أو المرض، يصبح الوطن أقوى من أبراجه وطرقه وشعاراته. النهضة هنا لا تبدأ من صورة المدينة الحديثة، بل من طفل يدخل الصف وفي عينيه سؤال، ومن معلم يستعيد مكانته لأنه صانع الوعي الأول، ومن طالب جامعي لا يطارد القسط، بل يطارد الفكرة، ومن مريض لا يشعر أن فقره عيب إضافي فوق وجعه.
ولأن التعليم والصحة لا ينفصلان عن الكرامة، بدت الجامعات والمستشفيات كإعلان صريح بأن الأردني ليس وحيدًا أمام الخوف. الدولة التي تعلّم أبناءها وتعالجهم لا توزع خدمة فقط؛ إنها تبني مواطنًا حرًا، مطمئنًا، قادرًا على الإنتاج والانتماء. وهناك فهمت أن الوطن لا يصبح بيتًا حقيقيًا لأن اسمه مطبوع في الوثائق، بل لأنه لا يترك أبناءه حين يحتاجون إلى علم أو سرير أو يد رحيمة. ولم يكن معنى المجانية في تلك الرؤية أن تُعطى الخدمة بلا قيمة، بل أن تُصان القيمة من السوق حين تتعلق بكرامة الإنسان. فالمدرسة التي يدخلها الطفل مطمئنًا لا تصنع قارئًا فقط، بل تصنع مواطنًا لا يخاف من السؤال. والجامعة التي لا تضع القسط حاجزًا أمام الموهبة لا تمنح شهادة فحسب، بل تمنح البلد احتمالًا جديدًا. والمستشفى الذي لا يسأل المريض أولًا عن قدرته، بل عن ألمه، لا يداوي جسدًا وحده، بل يداوي علاقة المواطن بدولته.
رأيت في كل محافظة تخصصًا يخرج من حاجة المكان: طبًا ريفيًا في مناطق واسعة، وهندسة مياه في الجنوب، وزراعة ذكية في الأغوار والبلقاء، وصناعة متقدمة في الزرقاء، وسياحة مستدامة في عجلون وجرش ومادبا والبتراء والعقبة. لم يكن التعليم نسخة مكررة من كتاب واحد، بل خريطة قدرات تتناسب مع المدن والناس. وكان المعلم في مركز المشهد، لا لأنه يلقّن، بل لأنه يوقظ العقل ويحرس اللغة والفضول. أما الطبيب والممرض فكانا يثبتان أن الرحمة نظام أيضًا، وأن الإدارة الصحية الجيدة ليست أجهزة فقط، بل وقت محترم ودواء متاح وسرير لا يتحول إلى حلم بعيد. وكان هذا العهد يغيّر لغة الناس نفسها؛ فلا يعود الأب يتحدث عن العلم كعبء، ولا المريض عن العلاج كمعركة، ولا الشاب عن المستقبل كدين مؤجل. حين يشعر الإنسان أن الدولة تسانده في أضعف لحظاته، لا يصبح اتكاليًا كما يظن البعض، بل يصبح أكثر قدرة على المبادرة، لأن الطمأنينة لا تقتل الجهد، بل تحرره من الخوف.
ورأيت النظافة في ذلك الأردن ليست زينة خارجية تُلتقط في الصور، ولا حملة موسمية تعود بعدها الشوارع إلى ما كانت عليه، بل أخلاقًا عامة تكشف احترام الإنسان للمكان. كان الأردني يعرف أن من يرمي نفاياته في الطريق لا يسيء إلى عامل النظافة وحده، بل يسيء إلى فكرة الوطن في داخله، وأن من يحتل الرصيف بسيارته أو بضاعته لا يأخذ قطعة إسمنت صغيرة، بل ينتزع حق طفل في طريق آمن، وحق مسن في خطوة مطمئنة، وحق ذوي الإعاقة في مدينة لا تطلب منهم أن يعتذروا عن حاجتهم إلى الحركة.
هناك فهمت أن النهضة لا تبدأ دائمًا من القرارات الكبرى، بل قد تبدأ من ورقة لا نرميها، وسلة نستخدمها، ورصيف لا نعتدي عليه، وشارع نعامله كما نعامل باب بيتنا. رأيت المدن الأردنية كلها، من إربد والرمثا والمفرق وعجلون وجرش إلى السلط وعمّان والزرقاء ومادبا، ومن الكرك والطفيلة والشوبك ومعان إلى العقبة ووادي رم، وقد دخلت سباق الجمال والنظام لا بوصفه تقليدًا للآخرين، بل بوصفه انتصارًا على اللامبالاة القديمة.
في تلك الرؤية أصبح الأردن من بين أنظف خمس دول في العالم، وتجاوز في نظافة مدنه وتنظيم شوارعه دولًا اشتهرت بالدقة والنظام، حتى سويسرا نفسها. لم يكن ذلك انتصارًا على بلد، بل انتصارًا على عادة صغيرة كانت تقول إن الشارع لا يخص أحدًا. صار الطفل يتعلم في المدرسة أن النظافة انتماء، والشاب يدرك أن احترام الرصيف احترام للناس، وصاحب المتجر يرى جمال المكان جزءًا من رزقه وسمعته، والسائق يعرف أن نافذة السيارة ليست مخرجًا للإهمال.
ورأيت الأرصفة تعود إلى أصحابها الحقيقيين: المشاة. لم تعد موقفًا عشوائيًا ولا مخزنًا للبضائع ولا مكانًا لأكياس النفايات، بل طريقًا آمنًا للأم، وللطالب، وللعامل، وللمسن، ولمن يحتاج كرسيًا متحركًا أو عصًا أو وقتًا أطول كي يعبر. عندها بدا الرصيف امتحانًا يوميًا لعدالة المدينة؛ فالمدينة التي تحترم أضعف من يمشي فيها تحترم الجميع. وهكذا صارت النظافة عدالة، والشارع مرآة، والرصيف كرامة، والمكان العام بيتًا كبيرًا لا يملك أحد حق تشويهه. ولم تكن المسألة في حقيقتها مسألة نفايات وحدها، بل مسألة علاقة بين الإنسان والشيء المشترك. فالشخص الذي يحافظ على شارع لا يعرف صاحبه يعلن، من غير خطبة، أنه تجاوز الأنانية الضيقة. والذي يترك الرصيف للمشاة يقر بأن المدينة ليست ملك الأقوى، بل حق الأضعف أيضًا.
رأيت البلديات تعمل بعقل رقمي، والمواطن يشارك لا يراقب من بعيد، والمدرسة تزرع السلوك قبل العقوبة، والإعلام يحول النظافة إلى ثقافة يومية لا إلى إعلان موسمي. كانت الحاويات في أماكنها، والفرز من المصدر عادة مألوفة، والحدائق تُصان لأنها مساحة حياة، لا لأنها مشروع كلف مالًا. وفي المدن السياحية كان الجمال محميًا من الاستهلاك، وفي المدن الصناعية كانت النظافة جزءًا من سمعة المنتج، وفي القرى كان الطريق الهادئ لا يقل قيمة عن شارع العاصمة.
وحين قيل إن الأردن تخطى سويسرا في تلك الرؤية، لم يكن المقصود مقارنة غرور، بل مقارنة مسؤولية: أن نثبت لأنفسنا أن النظام ليس طبيعة تولد مع شعب دون آخر، بل تربية وإدارة ومحاسبة وعادة. وحين تصبح العادة جميلة، لا يعود القانون عصا خارجية، بل يتحول إلى ضمير داخلي يحرس المكان حتى حين لا يراه أحد.
وفي العمق، ليست النظافة إلا شكلًا من أشكال العدل الجمالي؛ فهي تمنح الجميع حق العيش في مكان لا يجرح العين ولا يرهق النفس. والرصيف النظيف ليس تفصيلًا هندسيًا، بل اعتراف بأن للإنسان قدمين تستحقان الأمان. حين تصل الحضارة إلى هذه التفاصيل الصغيرة، لا تعود شعارًا كبيرًا، بل تصبح عادة يومية تربي الذوق العام كما يربي القانون السلوك.
ثم ظهر الشباب الأردني في الرؤية كأنهم الضوء الذي تأخرنا في رؤيته. لم يبدوا مشكلة تبحث عن حل، بل ثروة تبحث عن ثقة، وطاقة مؤجلة تنتظر بيئة عادلة كي تتحول إلى فعل. رأيتهم في الجامعات والمختبرات والمصانع والمزارع الذكية والشركات الناشئة، في خطوط الإنتاج وفي حقول التكنولوجيا وفي قاعات البحث وفي منصات الطيران والطب والهندسة.
كان في عيونهم ذكاء هادئ لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى طريق مفتوح، ومؤسسة لا تكسر جناحه قبل أن يطير. قلت في نفسي: ما أعجب هذا الشاب الأردني؛ حين يغادر وطنه ينجح في الخليج، ويتفوق في أوروبا، ويثبت نفسه في أمريكا وكندا وأستراليا، ويصبح طبيبًا مرموقًا، ومهندسًا لامعًا، وباحثًا، وطيارًا، ورائد أعمال، وأستاذًا، وخبيرًا، ومديرًا، ومبدعًا في كل مكان. فلماذا يزهر بعيدًا أكثر مما يزهر قريبًا؟ ليس لأنه يحب الغربة أكثر، ولا لأن أرضه أقل خصوبة، بل لأن الموهبة مهما بلغت قوتها تحتاج إلى بيئة: قانون عادل، ومدرسة قوية، وجامعة مرتبطة بالحياة، وإدارة لا تقتل المبادرة، واقتصاد يفتح الباب لمن يعمل لا لمن يعرف شخصًا خلف الباب.
في ذلك الأردن لم يكن الشاب يسأل: أين أهرب؟ بل: ماذا أبني؟ لم تكن الغربة نجاة وحيدة، بل خيارًا من خيارات المعرفة لا اضطرارًا للكرامة. رأيت حاضنات أعمال في إربد والزرقاء وعمّان والعقبة، ومراكز تدريب مهني في المفرق والكرك والطفيلة، ومشاريع زراعية ذكية في البلقاء وعجلون ومادبا، وأبحاث طاقة ومياه في معان والشوبك، وسياحة تقنية في جرش والبتراء ووادي رم. الاقتصاد هناك لم يعد ينتظر الوظيفة الحكومية وحدها، بل يخلق أسواقًا جديدة، ويعلّم الطالب أن الشهادة بداية قدرة لا نهاية رحلة. وحين يحترم النظام جهد الشاب، ينتمي أكثر؛ وحين يرى العدالة في الفرصة، يعطي أكثر؛ وحين يشعر أن كفاءته لا تُهزم أمام الواسطة، يصبح وطنه مساحة نجاح لا محطة عبور.
عندها فهمت أن استعادة الأردنيين من حقائب السفر لا تكون بالنداء العاطفي وحده، بل ببيئة تجعل البقاء ممكنًا، والنجاح عادلًا، والعمل طريقًا إلى كرامة لا تتوسل أحدًا. وكان الاقتصاد في تلك الرؤية يتعلم من الشباب كما يعلّمهم؛ لا يطلب منهم الصبر على فراغ طويل، بل يفتح لهم مسارات حقيقية. رأيت الدولة تسأل قبل أن تخطط: ما موهبة هذه المحافظة؟ وما مورد هذه المدينة؟ وما المهارة التي يستطيع أبناؤها تحويلها إلى قيمة؟ في إربد ظهرت شركات بحث وبرمجيات وطب، وفي الزرقاء مصانع أكثر نظافة وذكاء، وفي المفرق خدمات لوجستية وطاقة، وفي العقبة تجارة بحرية وسياحة وموانئ، وفي معان والشوبك مشاريع شمس ومياه وصحراء، وفي عجلون وجرش ومادبا اقتصاد ثقافي وبيئي، وفي الكرك والطفيلة صناعات وزراعة وطاقة.
لم يعد الشاب يحتاج أن يهاجر كي يرى نفسه محترمًا، ولم تعد الوظيفة العامة هي الباب الوحيد للكرامة. تعلمت الجامعات أن تقيس نجاحها لا بعدد الخريجين، بل بعدد المشكلات التي حلّتها، والشركات التي ولدت من مختبراتها، والمهارات التي أعطتها للناس. وتعلمت الإدارة أن محاربة البطالة لا تكون بتوزيع الوعود، بل بربط التعليم بالحاجة، والتمويل بالفكرة، والضرائب بالعدالة، والمخاطرة بحماية القانون. وحين يجد الشاب طريقًا لا يسأله عن الواسطة، بل عن الكفاءة، يتحول حنينه إلى وطنه من ألم إلى مشروع.
عندها لا يعود النجاح الأردني في الخارج حسرة، بل يصبح دليلًا على ما يمكن أن يحدث في الداخل إذا صُنعت البيئة المناسبة. وكان الأجمل أن الشباب لم يعودوا ينتظرون من الوطن أن يمنحهم كل شيء جاهزًا، بل ينتظرون منه أن يضمن عدالة البداية. فهم لا يخافون التعب إذا كان الطريق مستقيمًا، ولا يرفضون المنافسة إذا كانت القواعد واضحة. ما يكسرهم ليس صعوبة الوصول، بل أن يكتشفوا أن الوصول مرهون بباب لا يملكون مفتاحه، وباسم لا علاقة له بجهدهم.
أما القانون، فكان في الرؤية سقفًا لا يستظل تحته القوي وحده، بل ظلًا عادلًا يمتد فوق الجميع. كان فوق النفوذ والواسطة والخوف، لا يلين لصاحب جاه، ولا يقسو على من لا ظهر له. عندها أدركت أن العدل ليس زينة أخلاقية تضاف إلى الدولة، بل محركها الأعمق، ونظامها العصبي؛ فالمستثمر لا يدخل بلدًا لا يثق بقانونه، والمواطن لا يعمل بإخلاص إذا شعر أن جهده قد ينهزم أمام المحسوبية، والموهبة لا تبقى في مكان لا يحميها من الظلم.
العدالة جناح الطائرة، فإذا ثُقب بالمحاباة صار الإقلاع خطرًا مهما قويت المحركات. ثم رأيت السياسة وقد خرجت من ضيق الصالونات إلى رحابة الناس، لا حديثًا مغلقًا على النخب، بل مدرسة للمشاركة والمساءلة. رأيت برلمانًا قويًا يشرّع بعقل، ويراقب بضمير، ويسأل الحكومة باسم المواطن لا باسم المصلحة الضيقة. كان النائب يعرف أن المقعد ليس وجاهة اجتماعية، بل أمانة ثقيلة أمام الله والناس والتاريخ، وكانت قبة البرلمان قلبًا نابضًا فيه اختلاف بلا كراهية، ومعارضة بلا تخريب، وتأييد بلا تملق. ورأيت صحافة حرة ومسؤولة، لا تُكمم حين تكشف خللًا، ولا تُترك حين تظلم أحدًا؛ الكلمة فيها ضوء في ممر طويل، تكشف الطريق ولا تحرق البيت.
الصحفي يسأل بلا خوف، والمسؤول يجيب بلا غضب، والمواطن يثق أن الحقيقة لا تعيش في الظلام. ثم رأيت حكومة منتخبة من رحم إرادة الناس وبرامج الأحزاب، يعرف المواطن لماذا جاءت، وماذا وعدت، ومتى تُحاسب. لم تكن الحكومة أسماء تتغير، بل مشروعًا ينجح أو يفشل أمام الناس؛ فإذا أحسنت منحها الشعب ثقته، وإذا قصرت جاء غيرها عبر الصندوق والبرنامج والقانون. هناك لم تعد السياسة سوق شعارات، بل علمًا عامًا يسأل عن التعليم والصحة والعمل والضرائب والمياه والطاقة والنقل والعدالة، لا عن القرابة والمجاملة.
كان البرلمان والحكومة والصحافة ثلاثة أضواء في برج مراقبة واحد، تراقب الرحلة كي لا تنحرف الطائرة عن مسارها. وفهمت أن الدولة لا تقوى حين يخاف الناس منها، بل حين يثقون بها، ولا تعظم حين تتراكم مبانيها، بل حين تتراكم عدالتها. ولم يكن القانون في ذلك المشهد نصوصًا معلقة على الجدران، بل شعورًا يوميًا بأن الحق لا يحتاج إلى ظهر. فإذا دخل المواطن دائرة حكومية وجد ترتيبًا لا يذله، وإذا قصد المحكمة وجد وقتًا معقولًا وعدلًا واضحًا، وإذا أراد الاستثمار وجد شروطًا معلنة لا تتبدل وفق المزاج، وإذا أخطأ صاحب نفوذ وجد أن موقعه لا يعفيه.
هذه الثقة هي رأس مال غير مرئي، لكنها أثمن من أرقام كثيرة، لأنها تجعل الناس يغامرون بالعمل بدل أن يتحصنوا بالخوف. أما السياسة فقد استعادت معناها النبيل: إدارة الاختلاف من أجل المصلحة العامة. لم يعد الحزب شعارًا يعلق على باب، بل برنامجًا يجيب عن الماء والطاقة والتعليم والصحة والنقل. ولم يعد الناخب يبيع صوته لعصبية عابرة، بل يسأل: ماذا ستفعلون؟ وكيف ستحاسبون؟ ومتى تظهر النتيجة؟ في الصحافة كان النقد لا يعني العداوة، والمساءلة لا تعني الهدم، والحرية لا تعني الظلم. كان المسؤول الذي يضيق بالسؤال يبدو كقائد يطفئ رادار الطائرة في الضباب، أما المسؤول الواثق فيسمع، ويشرح، ويصحح.
وهكذا صارت المؤسسات مثل أجهزة الملاحة: القضاء يثبت الاتجاه، والبرلمان يراقب المسار، والحكومة تدير المحركات، والصحافة تكشف الغيوم، والمواطن ليس راكبًا صامتًا بل شريكًا يملك الحق في السؤال والواجب في المشاركة. وفي هذه المنظومة لم يكن الاختلاف عدوًا للوطن، بل دليلًا على أنه حي. فالطائرة التي تسافر بلا أجهزة إنذار تبدو هادئة، لكنها أخطر من طائرة تسمع تنبيهات أجهزتها وتتعامل معها. كذلك الدولة التي تسمع النقد لا تضعف، بل تملك فرصة العلاج قبل استفحال الخلل. ومن هنا يصبح الصوت الحر حماية للمؤسسات، لا تهديدًا لها.
عندها سألت نفسي في عمق الرؤية: ما معنى الاستقلال؟ هل هو علم يرفرف ونشيد يردده الناس في الساحات والمدارس؟ نعم، فالرموز عظيمة، ومن لا يحترم رموزه لا يحترم ذاكرته؛ الراية ليست قماشًا ملونًا، والنشيد ليس كلمات عابرة، بل عهد بين الماضي والمستقبل. لكنها ليست نهاية المعنى. الاستقلال الحقيقي أن يستقل الإنسان عن الخوف، وأن يستقل الاقتصاد عن الهشاشة، وأن تستقل الإدارة عن الفوضى، وأن يستقل التعليم عن التلقين، وأن تستقل الصحة عن القدرة المالية، وأن تستقل الصحافة عن الرهبة، وأن تستقل السياسة عن الشخصنة، وأن تستقل الكرامة عن مزاج الأشخاص.
الاستقلال أن يشعر المواطن أن وطنه لا يطلب منه الحب فقط، بل يمنحه سببًا يوميًا لهذا الحب: في مدرسة نظيفة، وجامعة مجانية، ومستشفى رحيم، وتأمين صحي شامل، وشارع منظم، ورصيف للمشاة، وقضاء عادل، وبرلمان قوي، وصحافة حرة، وحكومة منتخبة، وراتب يحفظ الكرامة، وفرصة عمل لا تحتاج إلى تذلل. عاد صوت برج المراقبة في داخلي: الأردن، المدرج أمامك.
رأيت الوطن يتحرك ببطء أولًا كما تتحرك الأحلام الكبيرة حين تخرج من الروح إلى أرض الفعل، ثم أخذت سرعته تزيد. لم يكن يهرب من أرضه، بل يرتفع كي يراها أوضح؛ فوق اليأس، وفوق الأعذار، وفوق ثقافة لا يمكن، وفوق انتظار الحلول الجاهزة. كان يقول لأبنائه: لست أقل من أحد، قد أتأخر، لكنني لا أفقد حقي في الوصول. وفي لحظة خاطفة رأيت الأردن من الأعلى كما لم أره من قبل؛ لم يكن خاليًا من المشكلات، لكنه لم يكن أسيرًا لها.
لم تختف الجراح، لكنها لم تعد تمنع الجسد من الحركة. لم ينته الفقر، لكن الدولة قررت أن تحاربه لا أن تتعايش معه. لم تتبخر البطالة، لكن التعليم والاقتصاد صارا يتحدثان اللغة نفسها. هناك بدا الاستقلال امتحانًا يوميًا لا ذكرى سنوية: هل نحن أحرار من الواسطة؟ من الخوف؟ من الفوضى؟ من ثقافة الانتظار؟ وهل نملك شجاعة بناء وطن لا يكتفي بأن يكون مستقلًا على الخريطة، بل مستقلًا في قراره، كريمًا في حياة أبنائه؟ ولعل أخطر ما في السؤال أنه ينقل الاستقلال من الماضي إلى الحاضر، من احتفال جميل إلى طريقة عيش. فليس كافيًا أن نقول إن الوطن مستقل إذا كان المواطن مرتهنًا لخوفه، أو الطالب مرتهنًا لقسطه، أو المريض مرتهنًا لكلفة علاجه، أو الموظف مرتهنًا لمزاج رئيسه، أو الشاب مرتهنًا لباب مغلق.
الاستقلال، في معناه العميق، تحرير يومي للإنسان من الصغائر التي تكسر روحه: من ذل الحاجة إلى الواسطة، ومن فوضى الإدارة، ومن تعليم لا يفتح عقلًا، ومن خطاب سياسي لا يحترم وعي الناس. وفي الرؤية كان الأردن لا يرفع الراية ليغطي بها عيوبه، بل ليتذكر أنه مسؤول عن معنى الراية.
كان يعترف بأوجاعه من غير أن يستسلم لها، ويواجه فقره لا ليجلد نفسه، بل ليبني أدوات علاجه، وينظر إلى بطالته لا كقدر، بل كعلامة على خلل بين التعليم والسوق. وكم كانت الطائرة الأردنية في تلك اللحظة جميلة؛ لا لأنها بلا عطب، بل لأنها تجرؤ على الفحص، ولا لأنها وصلت، بل لأنها توقفت عن تبرير الوقوف. فالسماء لا تسأل الوطن عن عدد المرات التي تأخر فيها، بل عن لحظة قرر فيها أن يستعد بصدق. ومن هنا صار الاستقلال عقدًا متجددًا: نحب الوطن بأن نحرره من ضعفنا، ونخدمه بأن نحرر أنفسنا من اللامبالاة. وما أكثر الأوطان التي تمتلك علمًا ولا تمتلك شعورًا كاملًا بالكرامة في حياة أبنائها. لذلك كان المعنى الذي عاد يلحّ عليّ أن الاستقلال لا يُحفظ بالذاكرة وحدها، بل بتجديد شروطه كل يوم. إذا كان الجيل الأول قد حمى الأرض، فإن الأجيال اللاحقة مطالبة بحماية الإنسان داخل هذه الأرض، لأن الوطن حين يخذل كرامة أبنائه يضعف من الداخل ولو بقيت حدوده ثابتة.
ثم استيقظت. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا. تأملت الرقم طويلًا، لا كمن يعتب على النوم، بل كمن يقرأ توقيع الرسالة. كيف نمت إلى هذا الوقت وأنا الذي اعتدت مصافحة الصباح قبل اكتماله؟ شعرت أن الساعة لم تكن تأخرًا، بل جزءًا من المعنى؛ كأن الرؤية احتاجت إلى وقت إضافي كي تنضج، وكأن الروح رفضت العودة قبل أن ترى الأردن كاملًا على مدرج الإقلاع.
عدت إلى الواقع، ولم أجد الأردن قد أصبح فجأة كما رأيته. لم أجد الإدارة قد اكتملت، ولا الاقتصاد قد نهض دفعة واحدة، ولا التعليم قد تحرر من أثقاله، ولا القانون قد انتصر في كل زاوية. لم أجد كل جامعة مجانية، ولا كل علاج متاحًا بسهولة، ولا كل مؤسسة تعمل كما ينبغي.
وجدت الواقع كما هو: فيه تعب، وفيه تحديات، وفيه أحلام مؤجلة، وفيه مسافة بين ما نريده وما نعيشه.
لكنني لم أشعر بالخيبة؛ لأن ما رأيته لم يكن كذبة، بل احتمالًا. والاحتمال أخطر من الخيال، لأن الخيال قد يواسينا، أما الاحتمال فيوقظنا ويسألنا: ما دام الأمر ممكنًا، فلماذا لا نبدأ؟
الأردن لا يحتاج أن يصبح نسخة من سنغافورة أو دبي أو أي صورة مستعارة؛ يحتاج أن يصبح الأردن الذي يليق بذاته: وطنًا يحول صبر الناس إلى إنتاج، وذكاء الشباب إلى شركات، وموقعه الجغرافي إلى قوة، وتاريخه إلى ثقة، وحب أبنائه إلى نظام لا إلى عاطفة عابرة.
في ثالث أيام عيد الأضحى، وبعد عيد استقلال يملأ القلب، فهمت أن التضحية والسيادة لا تنفصلان. لا وطن ينهض بلا ثمن، ولا استقلال يكتمل بلا عمل، ولا مستقبل يولد من الأمنيات وحدها. وحين يطلب الأردن إذن الإقلاع، لن يكون السؤال: هل يستطيع؟
فالأردن يستطيع.
السؤال الحقيقي: هل أعددنا له المدرج؟ هل وثقنا بشبابه؟
هل جعلنا القانون جناحه، والتعليم محركه، والصحة مظلته، والنظافة وجهه، والرصيف حقًا للمشاة، والبرلمان ضميره، والصحافة عينه، والحكومة المنتخبة إرادته، والعدل وقوده، والإنسان وجهته؟ ذلك هو الجواب الذي لا يكتبه الحلم، بل يكتبه شعب يقرر أن يحب وطنه بالعمل والإصلاح والبناء.
والحقيقة أن العودة إلى الواقع بعد رؤية جميلة قد تكون مؤلمة إذا ظننا أن الرؤية وعد يتحقق وحده، لكنها تصبح نافعة إذا فهمناها كخريطة عمل. لم أعد من ذلك المشهد لأقول إن الطريق سهل، أو إن التحول يحدث بقرار واحد، أو إن المدن ستغدو فجأة كاملة النظافة والعدل والمعرفة.
عدت مدركًا أن بين الرغبة والنتيجة مؤسسات، وبين الحلم والإنجاز كلفة، وبين الخطاب والفعل أيامًا طويلة من العمل الصامت. غير أن إدراك الصعوبة لا يعني الاستسلام لها. فالأمم التي نهضت لم تكن أقل مشكلات من غيرها، لكنها امتلكت صدق التشخيص وطول النفس واحترام الوقت.
وما يحتاجه الأردن ليس معجزة فوقية، بل تراكم منضبط: مدرسة تتحسن، مستشفى يرحم، شارع ينظف، قانون يطبق، جامعة تبتكر، بلدية تسمع، نائب يحاسب، وزير يشرح، مواطن لا يطلب حقًا بالواسطة ولا يعتدي على حق غيره.
كل فعل من هذه الأفعال يبدو صغيرًا وهو وحده، لكنه حين يتراكم يصبح مدرجًا. ومن يعرف الطيران يعرف أن الإقلاع ليس لحظة واحدة؛ هو سلسلة إجراءات دقيقة، تبدأ قبل أن تتحرك الطائرة بوقت طويل.
كذلك الأوطان، تبدأ رحلتها من قرار داخلي بأن لا نقبل الرداءة كقدر، وأن لا نستخدم الحب ستارًا للكسل، وأن نؤمن بأن الوفاء الحقيقي ليس بكثرة المديح، بل بقلة الأعذار وكثرة العمل. ولذلك لم تكن العودة نهاية الحكاية، بل بدايتها العملية.
فكل نص لا يتحول إلى سؤال في الضمير يبقى زخرفة لغوية، وكل حب لا يبدّل سلوكًا يبقى عاطفة معلقة. أردت للرؤية أن تكون مرآة لا ستارًا، وأن تكون دعوة لا تسلية؛ فالإنسان لا يُحاسب على جمال ما تخيله فقط، بل على الخطوة التي قرر أن يخطوها بعد أن رأى الطريق.
رسالة وموعظة وحكمة
لا تقرأ هذه الصفحات كرؤية رجل أطال النوم في صباح عيد، بل كنداء محب لوطنه، وكصوت خرج من القلب لا ليصف ما هو كائن فقط، بل ليذكّر بما يمكن أن يكون. فالأردن لا ينقصه الحب؛ الحب موجود في القلوب والأغاني والأعلام والذاكرة، لكنه يحتاج أن يتحول إلى عمل.
ولا ينقصه الشباب؛ فهم في كل مكان يثبتون أنهم قادرون على الإبداع حين يجدون الفرصة، لكنه يحتاج أن يفتح لهم الطريق في وطنهم. ولا ينقصه التاريخ؛ تاريخه عريق وذاكرته ممتلئة بالكرامة والتضحيات، لكنه يحتاج أن يصنع تاريخًا جديدًا يليق بما ورث.
لا تنتظر أن يبدأ الإصلاح من مكان بعيد؛ ابدأ من موقعك، من عملك، من بيتك، من مدرستك، من جامعتك، من مستشفاك، من دائرتك، من شارعك.
ابدأ من رصيف لا تعتدي عليه، ونفاية لا ترميها، ووقت تحترمه، وواسطة ترفضها، وحق تدافع عنه، وكلمة صادقة تقولها، وعمل صغير تتقنه كأنه جزء من بناء الوطن كله. فالوطن لا يبنيه شخص واحد، ولا تهدمه مشكلة واحدة؛ إنه مجموع أفعالنا الصغيرة حين تتراكم في الاتجاه الصحيح.
والأوطان لا تحلّق بقوة محركاتها وحدها، ولا يكفيها أن يكون المدرج طويلًا والسماء مفتوحة؛ إنها تقلع حين يؤمن ركابها أن الوصول لا يُمنح للأمنيات، بل يُصنع بالانضباط والصبر والعمل.
من أحب وطنه بلسانه وحده تركه عند أول منعطف، ومن أحبه بعمله حمله ولو خطوة نحو النهوض. فلا تجعل حب الأردن ذكرى تُستدعى في يوم الاستقلال، بل عهدًا يتجدد كل صباح: في إتقان، وعدل، ونظافة، وخدمة، وكرامة.
وفي ظل الحكم الهاشمي يبقى الأردن أكثر من حدود على خريطة؛ يبقى رسالة اعتدال، وبيت كرامة، وامتدادًا لتاريخ حمل مسؤولية الإنسان قبل السلطة. فالهاشميون في الوجدان الأردني ليسوا عنوان حكم فحسب، بل عهد بين القيادة والشعب يقوم على الوفاء وصون الهوية والانحياز إلى كرامة الإنسان.
ومن أحب الأردن حقًا أحب هذه المسيرة التي جمعت الشرعية بالتضحية، والحكمة بالمسؤولية، والراية التي ارتفعت يوم الاستقلال باليد التي تحرسها. حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا، وحفظ قيادته الهاشمية، وبارك في شعبه، وجعل حبنا له عملًا يليق بتاريخه ووفاءً يليق بمستقبله. وإن كانت لهذه الصفحات وصية أخيرة فهي أن الوطنية ليست حالة انفعال، بل طريقة عيش.
لا يكفي أن نهتف للأردن إذا كنا نخذله في تفاصيلنا، ولا يكفي أن نغني له إذا تركنا الواسطة تنتصر على الكفاءة، أو الشارع يتسخ، أو الطالب ينكسر، أو المريض يهان، أو الموظف يعبث بوقت الناس.
الوطن لا يريد من أبنائه كمالًا مستحيلًا، لكنه ينتظر صدقًا ممكنًا. ومن صدق في موقعه صار جزءًا من الإصلاح ولو لم يحمل منصبًا، ومن أتقن عمله صار حجرًا في المدرج ولو لم يره أحد.
وحين يجتمع هذا الصدق الشعبي مع قيادة حكيمة ومؤسسات عادلة، تصبح المسيرة الهاشمية التي حفظت للأردن اعتداله وهويته إطارًا للنهوض لا مجرد ذاكرة للاعتزاز.
فالوفاء للقيادة لا يكون بتعليق الكلمات وحدها، بل بحماية الدولة من الفساد والكسل والفرقة، وبجعل الولاء عملًا يحرس المنجز ويفتح الطريق للمستقبل. الحكمة أن الأوطان لا تحلّق بقوة محركاتها فقط، بل حين يؤمن ركابها أن الوصول يستحق الانضباط والصبر والعمل.
والموعظة أن من أحب وطنه بلسانه وحده تركه عند أول منعطف، ومن أحبه بعمله حمله ولو خطوة.
لذلك ليكن حب الأردن عبادة مسؤولية لا مناسبة عابرة، وليكن الاستقلال فعلًا يوميًا، وليكن كل واحد منا ضوءًا صغيرًا على حافة المدرج، حتى إذا طلب الوطن إذن الإقلاع وجدنا السماء مستعدة، ووجدنا أنفسنا أهلًا للرحلة.


مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free