علي عيد
خلال أسبوع واحد، أتيح لي أن أطلع على أكثر من قصة صحفية تعالج واقع الإعلام السوري في وسائل إعلام مختلفة، ويخبرني من يعالجها بأن الصحفيين خائفون من إبداء الرأي بأسمائهم الصريحة حول مستوى التعاون من قبل جهات التنسيق.
يجب أن يعلم المسؤولون أن إبداء الملاحظات والنقد على أدائهم ليس جريمة، بل فرصة مفيدة للتصحيح، وتحسين مستوى العمل بما يخدم القطاع الإعلامي وأصحاب المصلحة، وهم الجمهور وصانعو القرار.
ماذا يعني أن يقول صحفي إنه لا يستطيع التصريح باسمه عندما يريد التعبير عن الصعوبات التي يواجهها للحصول على المعلومة، وفوق هذا، إذا سيطر الخوف على الإعلاميين فمن يعوض الدولة والحكومة عن دور الإعلام كجهاز رقابة موازٍ، وكذلك كممر يصل إلى الرأي العام ويخلق الثقة بخطة الدولة وإدارتها للموارد.
باستثناء حالات ضيقة ومحددة ومشروحة بالقانون، مثل حماية الأمن القومي والنظام العام، يعتبر حق الصحفي بالحصول على المعلومة مكفولًا في المواثيق الدولية، ما يتيح للصحفيين أداء دورهم الرقابي ونقل الحقيقة للرأي العام بشفافية، وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين شددا بوضوح على حق الصحفيين في حرية البحث عن المعلومات والأفكار من كل نوع وتسلمها ونقلها.
وتعتبر منظمة “اليونسكو” الوصول إلى المعلومات شرطًا أساسيًا لعمل الصحافة المستقلة.
وقبل القوانين الدولية التي وقعت عليها سوريا، وبما أنه لا يزال ساري المفعول، فإن قانون الإعلام السوري رقم “108” للعام 2011، الذي نأمل أن يتغير لما هو أفضل وأكثر عصرية، ينص في مادته التاسعة على أن “للإعلامي الحق في البحث عن المعلومات أيًا كان نوعها والحصول عليها من أي جهة كانت، وله الحق في نشر ما يحصل عليه من معلومات بعد أن يقوم بالتحقق من دقتها وصحتها وموثوقية مصدرها بأفضل ما يستطيع”.
وأن له الحق “في معرض تأدية عمله” بحضور المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة المفتوحة ونشر وقائعها.
ويحظر، وفق نفس القانون، على أي جهة فرض قيود تحول دون تكافؤ الفرص بين الإعلاميين في الحصول على المعلومة.
كما يطلب القانون من الجهات والمؤسسات المعنية بالشأن العام تسهيل مهمة الإعلامي في الدخول إليها والحصول على المعلومات.
غريب أن يخاف الصحفي وهو يعلم حقوقه، إذًا، هناك تهديد يطال مهنته، بل وأبعد من ذلك يطال أمنه الوظيفي، عندما يجري الحكم على مجرد مطالبته بإجراءات عادلة في الحصول على المعلومات، أو إبداء رأي في أداء مديريات الإعلام والمكاتب الإعلامية الحكومية، ومستوى استجابتها لمتطلبات المصلحة العامة وأداء الصحافة.
رسالة إلى مسؤولي الإعلام، ومسؤولي الدولة عمومًا، مفادها أن قطاع الإعلام ليس عدوًّا، بل شريك في البناء والتنمية، وهذه الشراكة ليست قائمة على منع الصحفيين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بل بإتاحة النقاش العام، والمعلومات.
لا أتحدث هنا عن فوضى وسائل التواصل، التي أخشى أننا أصبحنا جميعًا من ضحاياها.
عندما تحجب معلومة عن صحفي بينما تتيحها لآخر، فأنت تفضّل رواية على أخرى، وكأنك تريد أن تزرع كل الأرض بمحصول واحد أو تتركها بورًا، وهذا لا يمكن أن ينجح.
الإعلام الحكومي خطا خطوات جيدة، لكن يجب مراعاة مصلحة القطاع ككل، حكومي، خاص، مستقل، ودون ذلك ستضعف الثقة، ويتراجع النقاش العام لمصلحة اتجاه واحد في السرد، بما لا يخدم تطور المجتمع وكشف هواجسه، والتعامل معها وفق الأصول.
عزيزي المسؤول، هل تعلم ماذا يعني أن يخاف الصحفي على مصدر رزقه وعلى استمراره لمجرد أنه يريد أن يطبق ما تعلمه في مدارس وأدبيات الصحافة والإعلام؟ إنك تفقد بذلك أهم أداة تساعدك في محاربة الفاسدين، وتلغي أهم وسيلة تنقل خططك وتشرح للناس إنجازاتك، وتساعدك في فهم المزاج العام، فعندما تغيب الصحافة المتنوعة والمتوازنة يبدأ التضليل، وعندما يغيب الصحفي أو تنعدم قدرته على القيام بالمهمة، تنمو حولك صحافة التدليس من دون أن يعني ذلك اتهام الصحافة أو الصحفيين عمومًا. فليكن الصحفيون ظهيرك لا خصمك.
لست ملزمًا بالكشف عما يحظر القانون كشفه، لكنك لن تستطيع ضبط الرواية عندما تمنع الصحافة عن أداء مهمتها، ولا شيء يمكن “إخفاؤه تحت السجّادة” في عصر التكنولوجيا والشبكات العابرة للحدود.
وأنتم، زملائي الصحفيين، هذه مهنة لا ينفع معها الخوف من إبداء الملاحظة، فكل صحفي لا يستطيع الدفاع عن حقّه في الوصول إلى المعلومة، أو تسليط الضوء، بموضوعية ومسؤولية، على أداء حكومة ووزارة ومديرية ودائرة، يخسر مكانه نحو أرشيف المهنة، لا صدر المقالات ورؤوس متونها.
عندما تحرص على الصدق في نقل المعلومة، وتسعى للحصول عليها، وتكون متوازنًا في تغطيتك، أنت تدافع بذلك عن بلدك، وعن مهنتك، أنت تحمي الحقيقة، وتساعد حتى الحكومة ورجال الدولة في تأدية واجبهم ومعرفة أخطائهم ونجاحاتهم.. وللحديث بقية.


