... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
87273 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8578 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

حين تتحول القوة إلى عبء

العالم
صحيفة القدس
2026/04/03 - 11:23 501 مشاهدة
يمثل سلوك القوى العظمى في النظام الدولي أحد أهم المفاتيح التفسيرية لفهم تحولات بنية هذا النظام، إذ لا يُقاس موقع الدولة فقط بحجم قدراتها المادية، بل أيضًا بكيفية توظيف هذه القدرات، وأنماط استخدامها، وحدود فعاليتها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تطرح تجربة الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة إشكالية نظرية مركزية تتمحور حول ما إذا كان اللجوء المتزايد إلى الأحادية في استخدام القوة يعكس ذروة الهيمنة أم بداية تآكلها، خاصة في ظل تحولات بنيوية تشير إلى انتقال تدريجي نحو نظام دولي أكثر تعددية. تنطلق الواقعية البنيوية كما صاغها كينيث والتز من افتراض أن بنية النظام الدولي، القائمة على الفوضى، تدفع الدول إلى تعظيم أمنها عبر مراكمة القوة، غير أن هذه القوة لا تُمارس في فراغ، بل ضمن حسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى وكلفة الاستخدام. ومن هذا المنطلق، تميل القوة المهيمنة إلى إدارة النظام عبر التحالفات، ليس بوصفها تعبيرًا عن الحاجة، بل كأداة لترشيد استخدام القوة وتقليل كلفتها وتعزيز شرعيتها. وقد تجسد هذا النمط بوضوح في حرب الخليج الثانية، حيث نجحت واشنطن في توظيف تحالف دولي واسع منح تدخلها غطاءً شرعيًا ووزع أعباءه، بما عزز موقعها كقائد للنظام الدولي (Waltz, 1979). غير أن هذا النمط لم يستمر على وتيرة واحدة، إذ تشير الواقعية الهجومية لدى جون ميرشايمر إلى أن القوى العظمى، بحكم سعيها الدائم لتعظيم قوتها وضمان تفوقها، قد تنزلق نحو سلوكيات أحادية تعكس ثقة مفرطة بقدرتها على فرض النتائج، حتى في غياب دعم تحالفي واسع (Mearsheimer, 2001). وفي هذا السياق، يمكن فهم التحول الذي برز بوضوح في حرب العراق، حيث انتقلت الولايات المتحدة من نموذج القيادة التحالفية إلى نمط أقرب إلى الاندفاع الأحادي، وهو ما كشف عن مفارقة بنيوية تتمثل في أن السلوك الذي يهدف إلى ترسيخ الهيمنة قد يؤدي فعليًا إلى تقويضها، عبر استنزاف الموارد وإثارة ردود فعل موازنة. وقد التقط بول كينيدي هذه المفارقة في مفهوم "فرط التمدد الإمبراطوري"، حيث تميل القوى المهيمنة إلى توسيع التزاماتها الخارجية بما يفوق قدرتها على الاستدامة، ما يؤدي إلى فجوة متزايدة بين الموارد والأعباء (Kennedy, 1987). وقد تجلت هذه الدينامية في التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان، حيث تحولت القوة العسكرية الساحقة إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، أسهم في تآكل القدرة على فرض الإرادة السياسية. غير أن التحولات الراهنة في البيئة الدولية تكشف عن مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التحدي مقتصرًا على كلفة التدخل، بل امتد ليشمل تآكل القدرة على حشد الحلفاء أنفسهم. ففي سياق التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز مؤشرات واضحة على حدود القدرة الأمريكية في تحويل التحالفات إلى أدوات فعالة في إدارة الصراع. إذ إن موقف حلف شمال الأطلسي، الذي يميل إلى النأي المؤسسي عن الانخراط المباشر، يعكس تباينًا متزايدًا في تقدير التهديدات داخل المعسكر الغربي، ويقوض افتراض التماسك التلقائي للتحالفات. كما أن تحفظات بعض الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا،وفرنسا بشأن استخدام أراضيها وقواعدها العسكرية، تشير إلى تصدع في نمط الاصطفاف التقليدي، بينما يعكس التردد النسبي في موقف المملكة المتحدة تحولًا نوعيًا في حسابات أحد أكثر الحلفاء التصاقًا بالسياسة الأمريكية. وعلى المستوى الإقليمي، يكشف الموقف العام في دول الخليج عن نمط من "الرفض الضمني" للانخراط في مواجهة مفتوحة، رغم الارتباطات الأمنية العميقة مع واشنطن، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لمخاطر الانخراط في صراعات غير محسومة النتائج. تكتسب هذه المؤشرات أهمية مضاعفة في ظل غياب الحسم السريع للصراع، وهو عنصر مركزي في تقييم فعالية استخدام القوة. فعدم القدرة على تحقيق أهداف استراتيجية خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة في مواجهة قوة إقليمية، يعيد إنتاج إشكالية فرط التمدد، حيث تتحول العمليات العسكرية إلى مصدر استنزاف بدلًا من أن تكون أداة لتعزيز الهيمنة. وفي هذا الإطار، لا يعود العمل الأحادي مجرد خيار استراتيجي، بل يصبح تعبيرًا عن تراجع القدرة على العمل الجماعي، وهو ما يشكل أحد أهم مؤشرات التحول في بنية النظام الدولي. ومن منظور الليبرالية المؤسسية، كما لدى روبرت كيوهان وجون إيكنبيري (Ikenberry, 2001)، فإن المؤسسات والتحالفات لا تُقيد القوة بقدر ما تعزز من فعاليتها عبر إنتاج الشرعية وتقاسم الأعباء. وعليه، فإن التراجع عن العمل متعدد الأطراف لصالح الأحادية يعكس تآكلًا في القدرة على إنتاج هذه الشرعية، وهو ما يضعف استدامة النفوذ الأمريكي. أما من منظور البنائية، فإن هذا التحول يرتبط بتغير في إدراك الحلفاء لهوية الدور الأمريكي، حيث لم يعد يُنظر إليه بوصفه قائدًا للنظام، بل كفاعل يسعى لفرض رؤيته الخاصة، ما يعيد تشكيل أنماط التفاعل والاستجابة داخل النظام الدولي. وفي المحصلة، يتضح أن العلاقة بين الأحادية وفائض القوة ليست حتمية، بل تتأثر بعدة متغيرات رئيسية تشمل الكلفة، والشرعية، وردود فعل القوى الأخرى، مع ضرورة إدراك الدور الحاسم للهوية والثقافة والدين في تشكيل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط. فالأحادية الأمريكية وفائض القوة الإسرائيلي، مهما بلغت قدراتهما العسكرية والتقنية، لا يمكن أن تفرض الهيمنة المطلقة على منطقة تتحدد فيها موازين القوة بشكل عميق عبر الأطر الهوياتية والثقافية والدينية. إن هذه الأبعاد ليست مجرد مقاومة سلبية، بل عناصر فعالة توجه وتقيّد قدرة أي مشروع استراتيجي على إعادة رسم الترتيبات الإقليمية، وتحدد نطاق نجاحه أو فشله. ومن ثم، فإن تجاهل البعد الهوياتي والثقافي والديني يحوّل فائض القوة من أداة محتملة للهيمنة إلى عامل لإضعاف النفوذ، ويعزز ديناميات التعددية وتعقيد مراكز التأثير في النظام الإقليمي والدولي، حيث تصبح القدرة على إدارة البيئة الاستراتيجية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدى مراعاة هذه الأبعاد في التخطيط والتنفيذ. * باحث في العلاقات الدولية
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤