حين تصبح الرياضة رفاهية: هل ما زال بإمكان الطفل السوري أن يحلم؟
في بلدٍ أنهكته السنوات الطويلة من الحرب والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، لم تعد الرياضة مجرد نشاط ترفيهي أو هواية يومية، بل أصبحت في كثير من الأحيان اختباراً حقيقياً لقدرة الأطفال والناشئين على الاستمرار في الحلم. بين الملاعب المتعبة، والإمكانات المحدودة، والواقع المعيشي الضاغط، يبرز سؤال جوهري: هل ما زال بإمكان الطفل السوري أن يجد طريقه نحو الرياضة كما كان في السابق؟
يرى الإعلامي الرياضي حسام خطاب في حديثه لـ”963+” أن واقع الرياضة السورية اليوم “صعب نوعاً ما”، مشيراً إلى أن البنية التحتية تشكل أحد أبرز التحديات، حيث تعاني معظم المنشآت الرياضية من الإهمال والحاجة إلى إعادة تأهيل. ومع ذلك، يؤكد أن الرياضة لم تفقد دورها المجتمعي، بل ما زالت حاضرة بقوة في وجدان السوريين، سواء على مستوى الممارسة أو المتابعة، إذ يحتفظ المجتمع بعلاقة عاطفية متينة مع الأندية المحلية والمنتخبات الوطنية.
هذا التناقض بين الواقع الصعب والانتماء العاطفي يعكس صورة مركّبة للرياضة في سوريا اليوم؛ فهي من جهة مساحة أمل، ومن جهة أخرى ضحية لظروف خارجة عن إرادتها.
تحديات بنيوية أكثر من كونها مادية
على خلاف ما قد يُعتقد، لا يرى خطاب أن العامل المادي هو العائق الأساسي أمام ممارسة الرياضة، موضحاً أن معظم الأندية السورية ما زالت تستقبل الأطفال والناشئين بشكل مجاني. لكنه يلفت إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في نقص المنشآت الرياضية، إلى جانب غياب الكوادر الفنية المؤهلة ذات الخبرة العالية.
هذا الطرح يفتح باباً مهماً للنقاش فحتى وإن كانت الرياضة متاحة نظرياً، فإن غياب البيئة المناسبة للتدريب والتطوير يحوّل هذه الإتاحة إلى شكلٍ ناقص لا يحقق الغاية المرجوة. فالموهبة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة، ومدربين مؤهلين، وبرامج تطوير مستمرة.
الاقتصاد وتأثيره غير المباشر
ورغم أن خطاب يقلل من تأثير الوضع الاقتصادي المباشر على القاعدة الرياضية، إلا أن الواقع يشير إلى تأثيرات غير مباشرة لا يمكن تجاهلها. فالأسر التي تعاني من ضغوط معيشية قد لا تمنح الرياضة الأولوية، حتى لو كانت مجانية، كما أن الأطفال أنفسهم قد يجدون أنفسهم مضطرين للانخراط في أعمال مبكرة بدلاً من التفرغ للتدريب.
لكن في المقابل، يبقى توفر الأندية المجانية عاملاً إيجابياً مهماً، يحافظ على حدٍ أدنى من الاستمرارية، ويمنح فرصة لمن لا يزال قادراً على التمسك بحلمه.
المواهب بين الندرة والظروف
فيما يتعلق بالمواهب، يشير خطاب إلى أن التراجع لا يقتصر على سوريا فقط، بل هو ظاهرة عالمية، خاصة في كرة القدم. إلا أن الحالة السورية لها خصوصيتها، حيث لعبت سنوات الحرب، والنزوح، واللجوء دوراً كبيراً في تقليص عدد المواهب وصعوبة اكتشافها.
فالطفل الذي نشأ في بيئة غير مستقرة، أو انتقل بين مناطق مختلفة، غالباً ما يفقد فرصة الانخراط المنتظم في الأنشطة الرياضية. كما أن غياب الاستقرار يحدّ من إمكانية المتابعة والتطوير، حتى لو كانت الموهبة موجودة.
هل تراجع عدد الناشئين فعلاً؟
يخالف خطاب الرأي الشائع حول تراجع أعداد اللاعبين الناشئين، معتبراً أن الأعداد لم تنخفض بشكل كبير، لكن الظروف المحيطة أدت إلى ابتعادهم مؤقتاً ويشير إلى أن الفترة الأخيرة تشهد عودة تدريجية للنشاط الرياضي، ما قد يبشّر بمرحلة انتعاش نسبي.
هذه العودة، وإن كانت بطيئة، تعكس رغبة دفينة لدى الجيل الجديد في استعادة ما فقده، ومحاولة بناء مسار جديد رغم كل التحديات.
الأندية والأكاديميات: بين الإمكانيات والطموح
عند الحديث عن الأندية والأكاديميات، يبدو المشهد أكثر تعقيداً. فبحسب خطاب، فإن معظم هذه المؤسسات غير مهيأة بالشكل الكافي لتطوير المواهب، بسبب نقص الكوادر المؤهلة وغياب الفكر التدريبي الحديث. ومع ذلك، هناك استثناءات تعتمد على خبرات جيدة، وتنجح في تقديم نماذج إيجابية.
لكن الإشكالية الأكبر تكمن في تحوّل العديد من الأكاديميات إلى مشاريع ربحية، ما يطرح تساؤلات حول أولوياتها: هل الهدف هو تطوير اللاعب، أم تحقيق عائد مادي؟
يرى خطاب أن المسؤولية في هذا السياق تقع على عاتق الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الشباب والرياضة والاتحادات الرياضية، بسبب غياب التنظيم الواضح لعمل الأكاديميات وتحديد دورها.
غياب التخطيط.. وحضور الاجتهادات الفردية
في واحدة من أكثر النقاط حساسية، يشير خطاب إلى غياب خطط حقيقية لدعم الرياضة القاعدية، معتبراً أن ما يحدث حالياً هو مجرد اجتهادات فردية، لا يمكن أن تصنع بطلاً على المدى الطويل.
فالرياضة، كأي قطاع آخر، تحتاج إلى استراتيجية واضحة، تبدأ من القاعدة، وتستمر عبر مراحل متكاملة من التدريب والتأهيل. أما الاعتماد على المبادرات الفردية، فقد ينتج عنه بعض النجاحات الاستثنائية، لكنه لا يخلق منظومة مستدامة.
في ضوء كل ما سبق، يبدو أن الطفل السوري يقف اليوم أمام معادلة صعبة: حلمٌ كبير، وإمكانات محدودة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل عنصر الإرادة، الذي لطالما شكّل قوة دافعة في المجتمع السوري.
فالرياضة، رغم كل التحديات، ما زالت مساحة للفرح، ومتنفساً للضغوط، وأحياناً طريقاً للخروج من واقع صعب نحو مستقبل أفضل.
السؤال لم يعد فقط: هل يستطيع الطفل أن يحلم؟ بل: هل هناك من يساعده على تحويل هذا الحلم إلى حقيقة؟ والإجابة، كما يراها حسام خطاب، تبدأ من إعادة بناء البنية التحتية، وتأهيل الكوادر، وتنظيم عمل الأكاديميات، ووضع خطط استراتيجية حقيقية. دون ذلك، ستبقى الرياضة أقرب إلى “رفاهية” يصعب الوصول إليها، بدل أن تكون حقاً متاحاً لكل طفل.
وربما، في بلدٍ اعتاد أن ينهض رغم كل شيء، تبقى الفرصة قائمة… لكن هذه المرة، تحتاج إلى أكثر من مجرد شغف.
The post حين تصبح الرياضة رفاهية: هل ما زال بإمكان الطفل السوري أن يحلم؟ appeared first on 963+.





