حين تصبح الرواية بديلاً عن الفعل: هل تحاول إسرائيل تعويض غيابها عن ساحة المواجهة؟
•إسرائيل تستخدم الخطاب الاستخباراتي لتعويض غيابها عن المواجهة الميدانية مع إيران.
•الولايات المتحدة تقود المواجهة العسكرية، بينما تظل إسرائيل في موقع المراقب.
•الحكومة الإسرائيلية تسعى لطمأنة الجمهور بأن لديها زمام المبادرة رغم غياب الجيش عن ساحة القتال.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب - زياد فرحان المجالي – عمّان
في الحروب الكبرى، لا تقتصر المنافسة على من يطلق الصاروخ الأول أو يحقق الإصابة الأدق، بل تمتد إلى من ينجح في امتلاك الرواية وصناعة الانطباع. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بما يجري في الميدان وحده، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على إقناع جمهورها وحلفائها وخصومها بأنها حاضرة في صناعة الأحداث، حتى عندما تكون خارج دائرة الاشتباك المباشر.
وفي خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز خطاب إسرائيلي يوحي بأن تل أبيب حاضرة في كل تفصيل: تراقب، وتحلل، وتنقل المعلومات، وتستعد لتغيير موقفها في اللحظة المناسبة. لكن مقارنة هذه الصورة بما يجري فعلياً تكشف أن واشنطن هي التي تقود المواجهة العسكرية المباشرة، وتتحمل عبء الضربات وحماية الملاحة وإدارة التصعيد، بينما تظل إسرائيل في موقع المراقب الحذر، لا في موقع الطرف الذي يمسك بمفاتيح المعركة.
هذا التباين بين الخطاب والواقع لا يعني أن إسرائيل غائبة تماماً أو أنها فقدت قدرتها على التأثير، فهي تمتلك أجهزة استخبارات متقدمة، وشبكات تعاون واسعة، وخبرة طويلة في متابعة الملف الإيراني. غير أن امتلاك المعلومات لا يعني امتلاك القرار، كما أن معرفة بعض التحركات مسبقاً لا تعني بالضرورة القدرة على توجيه مسارها أو التحكم بنتائجها.
وهنا يظهر البعد الأهم في الخطاب الإسرائيلي الحالي؛ فإسرائيل التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها الطرف الأكثر معرفة بإيران والأكثر استعداداً لمواجهتها، تجد صعوبة سياسية ونفسية في الظهور بمظهر المتفرج، بينما تتولى الولايات المتحدة إدارة المعركة. لذلك يصبح تضخيم الحضور الاستخباراتي وسيلة لتعويض محدودية الحضور الميداني، والحفاظ على صورة إسرائيل بوصفها الشريك الذي يعرف ما يجري، حتى إن لم يكن هو الذي يقرر متى تبدأ الضربة أو تتوقف.
ولا يقتصر هذا الخطاب على مخاطبة الخصوم، بل يتوجه أساساً إلى الداخل الإسرائيلي. فالحكومة والمؤسسة الأمنية تحتاجان إلى إقناع الجمهور بأنهما ما تزالان تملكان زمام المبادرة، وأن غياب الجيش عن واجهة المواجهة لا يعني غياب إسرائيل عن الحسابات الكبرى. وفي مجتمع يعيش تحت ضغط التهديدات المتعددة، تتحول صورة التفوق الاستخباراتي إلى أداة لطمأنة الشارع وترميم الثقة بالمؤسسات، وربما أيضاً إلى وسيلة لإبعاد النقاش عن كلفة الحرب وحدود القدرة على خوض مواجهة إقليمية طويلة.
وقد تجد القيادة السياسية في استمرار التوتر فرصة لإعادة توحيد الشارع خلفها، أو لتخفيف حدة الخلافات الداخلية تحت عنوان الخطر الخارجي. فالحروب لا تُستخدم دائماً لتحقيق أهداف عسكرية فقط؛ إذ يمكن أن تتحول إلى مساحة لإعادة ترتيب الأولويات السياسية، واستدعاء شعور التضامن، وتأجيل ملفات المحاسبة والانقسام.
من هنا، يصبح احتمال دخول إسرائيل المواجهة مرتبطاً بثلاثة مسارات رئيسية. الأول أن توجه إيران ضربة مباشرة إلى هدف إسرائيلي، بما يجعل الرد شبه حتمي. والثاني أن تطلب واشنطن مشاركة إسرائيلية محددة ضمن توزيع الأدوار العسكرية والاستخباراتية. أما الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيتمثل في أن ترى القيادة الإسرائيلية مصلحة سياسية أو استراتيجية في توسيع انخراطها، سواء لاستعادة صورة الردع، أو لمخاطبة عواطف الشارع، أو لتحويل الحرب إلى فرصة تخدم حساباتها الداخلية والإقليمية.
لكن دخول الحرب من أجل إثبات الحضور يختلف جذرياً عن دخولها استناداً إلى ضرورة عسكرية واضحة. فالانخراط المباشر قد يفتح المجال أمام ردود إيرانية واسعة، ويوسع دائرة الاستهداف إلى جبهات متعددة، ويضع إسرائيل أمام حرب استنزاف لا تستطيع التحكم وحدها بإيقاعها أو توقيت نهايتها. كما أن المشاركة قد تقيد حرية القرار الأميركي، وتحوّل المواجهة من صراع أميركي إيراني إلى حرب إقليمية تتداخل فيها المصالح والحسابات.
ولهذا يبدو التلويح المستمر بأن إسرائيل «قد تدخل في أي لحظة» أقرب إلى رسالة ردع نفسي وسياسي منه إلى إعلان عن قرار عملياتي مكتمل. فهناك فارق بين امتلاك القدرة على التدخل وبين توافر المصلحة في استخدام تلك القدرة، كما أن الدولة التي تتحدث كثيراً عن جاهزيتها قد تكون في الواقع منشغلة بحساب كلفة الخطوة أكثر من انشغالها بتوقيت تنفيذها.
المشهد الحالي لا يلغي الدور الإسرائيلي، لكنه يعيده إلى حجمه الواقعي. إسرائيل لاعب مؤثر، وليست صاحبة القرار الوحيد؛ تملك المعلومات، لكنها لا تملك بالضرورة التحكم بمسار الحرب؛ تستطيع المشاركة، لكنها قد لا تستطيع ضبط النتائج إذا خرج التصعيد عن حدوده المرسومة.
في النهاية، تبقى المسافة واسعة بين إدارة الصورة وإدارة المعركة. يمكن للرواية أن تمنح صاحبها حضوراً إعلامياً، وأن ترمم مؤقتاً صورة الردع، لكنها لا تستطيع إلى الأبد إخفاء الفارق بين من يراقب الحدث ومن يصنعه. فالحروب لا تُحسم بحجم التسريبات ولا بعدد الرسائل المبطنة، وإنما بما يثبته الميدان. وعندما تتعارض الرواية مع الوقائع، يبقى الميدان هو الحكم الأخير، وتبقى الحقيقة عصية على التكييف، مهما بلغت براعة الأجهزة في صناعة الانطباع.
→إسرائيل تستخدم الخطاب الاستخباراتي لتعويض غيابها عن المواجهة الميدانية مع إيران.
→الولايات المتحدة تقود المواجهة العسكرية، بينما تظل إسرائيل في موقع المراقب.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





