حين تصبح الديمقراطية واجهة… من يحكم فعلاً؟
بقلم: الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة
قد تمتلك الدولة دستوراً مثالياً، وبرلماناً منتخباً، وأحزاباً سياسية، وانتخابات دورية، ومؤسسات تحمل كل عناوين الديمقراطية الحديثة؛ ومع ذلك يبقى السؤال الأكثر أهمية: من يملك القرار الحقيقي؟ ومن يحدد قواعد اللعبة السياسية؟
هذا السؤال ليس جديداً، لكنه يبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ففي عام 1936، وفي أجواء عالمية مضطربة شهدت أزمة اقتصادية كبرى وصعود الأنظمة الشمولية، أصدر المفكر الأمريكي هارولد لاسويل كتابه الشهير Politics: Who Gets What, When, How، مقدماً واحداً من أكثر التعريفات اختصاراً وعمقاً للسياسة: من يحصل على ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟
قوة هذا التعريف أنه ينقلنا من النصوص إلى الواقع، ومن الشكل إلى المضمون، ومن السؤال عن وجود المؤسسات إلى السؤال عن كيفية توزيع القوة والثروة والنفوذ والفرص داخل المجتمع.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صندوق اقتراع، ولا بعدد الأحزاب، ولا بكثرة الشعارات عن المشاركة والإصلاح. الديمقراطية الحقيقية تُختبر عندما نسأل: هل يستطيع المواطن التأثير في القرار؟ هل تتكافأ الفرص؟ هل تخضع السلطة للمساءلة؟ هل تعمل المؤسسات وفق الدستور والقانون، أم أن القرارات الكبرى تُصنع بعيداً عن الأطر المعلنة؟
وهنا تكمن خطورة الخلط بين شكل السياسة وجوهرها. فقد تكون المؤسسات قائمة، لكنها محدودة التأثير؛ وقد تُجرى الانتخابات بانتظام، بينما تظل دوائر النفوذ الحقيقي بعيدة عن المساءلة؛ وقد يبدو المشهد السياسي تعددياً، في حين تتركز القوة الاقتصادية والسياسية والإعلامية في أيدٍ محدودة.
لقد أدرك لاسويل مبكراً أن النخب لا تحافظ على نفوذها بالقوة المباشرة وحدها، وإنما أيضاً من خلال صناعة الرموز، وتوجيه الخطاب العام، والتحكم في الموارد، وبناء شبكات النفوذ، وترسيخ تقاليد وممارسات تجعل اختلال موازين القوة يبدو طبيعياً أو مقبولاً.
ومن هنا تصبح وسائل الإعلام جزءاً أساسياً من معادلة السياسة؛ فهي قد تكون سلطة رقابية تحمي حق المجتمع في المعرفة، وقد تتحول، حين تفقد استقلالها، إلى أداة لصناعة القبول وتوجيه الأولويات وتحديد ما ينبغي للناس أن يناقشوه وما ينبغي أن يبقى خارج دائرة الضوء.
بعد نحو تسعين عاماً على صدور كتاب لاسويل، لا تزال أسئلته حاضرة بقوة. بل ربما أصبحت أكثر أهمية في زمن تضخم فيه تأثير المال والإعلام والتكنولوجيا وشبكات المصالح على صناعة القرار والرأي العام.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس غياب المؤسسات فحسب، بل وجود مؤسسات تبدو قوية في النصوص وضعيفة في الممارسة؛ لأن الفجوة بين المعلن والممارس تُضعف الثقة العامة، وتفرغ المشاركة السياسية من مضمونها، وتدفع المواطن إلى التساؤل عن جدوى السياسة ذاتها.
الإصلاح الحقيقي، لذلك، لا يبدأ بتغيير المسميات ولا بكثرة الشعارات، وإنما بإعادة الاعتبار للمؤسسات، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وضمان أن تكون السلطة والمسؤولية وجهين لعملة واحدة.
ويبقى سؤال لاسويل، بعد قرابة قرن، صالحاً لاختبار حقيقة أي نظام سياسي:
من يحصل على ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟
وربما ينبغي أن نضيف إليه سؤالاً أكثر إلحاحاً في عصرنا:
من يقرر؟ ومن يراقب من يقرر؟ ومن يحاسب من أخطأ؟
فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف المسافة الحقيقية بين ديمقراطية تُكتب في الدساتير… وديمقراطية يعيشها المواطن في الواقع.
هذا المحتوى حين تصبح الديمقراطية واجهة… من يحكم فعلاً؟ ظهر أولاً في سواليف.
