حين تُفرِّقُ الانتخاباتُ بدلَ أن تَجمع !

ثمّةَ ظاهرةٌ، صامتةٌ في الظاهر، صاخبةٌ في باطن المجتمع، تَجتاحُ اليومَ الجزائرَ من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. ظاهرةٌ لا تَستثني ولايةً ولا تَتجاوزُ بلديّة، وإن كانت تَتعمّقُ أكثرَ في الجزائرِ العميقة، حيث تَلتقي الحاجةُ بالعُزلة، فيَستفحلُ النفوذُ المحلّيُّ على حسابِ المواطنِ الفرد. ظاهرةٌ لا تَحملُ اسماً رسميّاً، ولا يُخصَّصُ لها بابٌ في النشراتِ الإخباريّة، لكنّها تَنخُرُ، يوماً بعد يوم، النسيجَ الوطنيَّ الذي صنعهُ مليونٌ ونصفُ مليونٍ من الشهداء.
إنّها ظاهرةُ الكلانيّةِ الجديدة: تلك الشبكةُ غيرُ المرئيّةِ من الوُسطاءِ والمُلقِّنين، الذين يَجوبون الأحياءَ والقُرى، يُلقِّنون الناسَ مَن يُستَقبَلُ ومَن يُطرَد، مَن يُستَمَعُ إليه ومَن يُسكَت، مَن يُدعَمُ ومَن يُحاصَر. ظاهرةٌ تَجعلُ من القبليّةِ بضاعة، ومن الجِهويّةِ دكّاناً، ومن الانتماءِ العائليّ سلسلةً تُقيَّدُ بها أعناقُ المواطنين الأحرار. والأخطرُ منها كلِّها، أنّها تَتخفّى وراءَ كلِّ موسمٍ انتخابيّ، فتُحوِّلُ ما يُفترَضُ أن يَكون لحظةَ توحيدٍ للأمّة، إلى لحظةِ تفتيتها.
وقد تَجلّى ذلك بوضوحٍ في الانتخاباتِ المحلّيّةِ لعام 2021، حين لم تَتجاوز نسبةُ المُشاركةِ السادسةَ والثلاثين بالمئة، وانسحبَ آلافٌ من المُترشّحين تحتَ ضغوطٍ محلّيّة. هذه الأرقامُ لا تَكذب: ثمّةَ منظومةٌ تَعملُ، بهدوءٍ، على إقفالِ الفضاءِ السياسيّ من تحت. الانتخاباتُ، في كلِّ الديمقراطيّاتِ الحديثة، لحظةُ توحيدٍ للوطن. هي اليومُ الذي يَلتقي فيه المواطنون، من مختلفِ الأصول والانتماءات، في عملٍ مدنيٍّ مُشترك: اختيارُ من يُمَثِّلُهم. يَدخلُ كلُّ واحدٍ المكتبَ الانتخابيَّ فرداً، ويَخرجُ منه فرداً، حاملاً معه شعورَ المشاركةِ في صياغةِ المصير الجماعيّ. في هذه اللحظة، تَتراجعُ القبيلةُ والعشيرةُ والجِهة، ويَتقدّمُ المواطن.
لكنّ ما يَجري في الجزائرِ العميقة، منذُ سنوات، يَنقُضُ هذا المبدأَ من جذوره. الانتخاباتُ، التي كان من المفروضِ أن تَكون لحظةَ توحيدٍ، تَحوّلت إلى لحظةِ فرز. فرزُ الناسِ إلى “منّا” و”ليس منّا”. فرزُ الأحياءِ إلى موالين ومُعارضين. فرزُ القُرى إلى زبائنَ ومَنسيّين. وحين تَخرجُ من موسمِ انتخابات، لا تَخرجُ الأمّةُ مُوحَّدةً حول مُمَثّليها المُنتخَبين، بل مُفتَّتةً أكثر ممّا كانت قبل دخولِ الموسم.
هذا هو الانقلابُ الكبير: تَحويلُ آليّةِ التوحيد إلى آليّةِ التفريق. وهو انقلابٌ لا تَصنعُهُ الانتخاباتُ في ذاتها، بل يَصنعُهُ مَن يَتسلّلون إليها من خارجِ منطقها، فيَستعملونها كأداةٍ لتثبيتِ نفوذهم، بدلَ أن تَكون أداةً لتجديد الشرعيّةِ الوطنيّة. الانتخاباتُ، في يدِ الكلانيّةِ الجديدة، تَنقلبُ ضدَّ وظيفتها الأصليّة. تُصبحُ مُضادّةً للوطنيّةِ ذاتها.
حين تصبحُ القبيلةُ بديلاً عن الوطن، تتحوّلُ الانتخاباتُ من حقٍّ ديمقراطي إلى آليّةِ تفكيكٍ للأمّة.
حين يَكتملُ ما لم يُكمِلْهُ الاستعمار
في تاريخنا الوطنيّ، كان الاستعمارُ الفرنسيُّ يَعملُ بمنطقٍ بسيط: تَجزئةُ المُستَعمَر إلى وحداتٍ صغيرة، تُديرُها سلطةٌ مركزيّةٌ مُستفيدة. كان يُشجِّعُ القبليّةَ ضدَّ الوطنيّةِ، والجِهويّةَ ضدَّ الجزائريّة، والعصبيّةَ المُتحلِّلةَ ضدَّ المشروع الجماعيّ. لأنّ شعباً مُجزَّأً يَسهلُ حُكمُهُ، وشعباً مُوحَّداً يَستحيلُ إخضاعُهُ.
وحين اشتعلت ثورةُ نوفمبر 1954، اشتعلت ضدَّ هذه القاعدةِ بالضبط. لم تَنطلق باسمِ قبيلةٍ ولا جهةٍ ولا عائلة. انطلقت باسمِ الجزائر، كلِّ الجزائر. واحدٌ ونصفُ مليونٍ من الشهداءِ سقطوا تحتَ رايةٍ واحدة، عَبَرَتْ كلَّ الأعراش، وكلَّ الجهات، وكلَّ الانتماءاتِ الفرعيّة. كانت الثورةُ تَصحيحاً تاريخيّاً للعَطَبِ الاستعماريّ: إعادةُ تَكوينِ الأمّةِ بعد أن سَعى المستعمِرُ إلى تَفكيكها.
اليومَ، يَأتي من بيننا من يُحاول أن يُكمل، بأدواتٍ ناعمةٍ هذه المرّة، ما لم يَستطع الاستعمارُ إكمالَهُ بالحديدِ والنار. لا بالمدافع، بل بالهَمْسِ في الآذان. لا بالحرائق، بل بالتعليماتِ المُمَرَّرةِ من بيتٍ إلى بيت. لا بالإبادة، بل بالعَزْل: عَزْلِ الجار عن الجار، والقريةِ عن القرية، والولايةِ عن الولاية.
وقد سَبق للمفكّر الجزائري مالك بن نبي أن سَمّى هذا المرضَ باسمه: قابليّة الاستعمار. أي ذلك الداءُ الذي يَجعلُ المُستَعمَر، حتى بعد رحيلِ المستعمِر، يُعيدُ إنتاجَ منطقهِ على أبناءِ جلدته.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post حين تُفرِّقُ الانتخاباتُ بدلَ أن تَجمع ! appeared first on الشروق أونلاين.





