... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
54924 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7416 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

حين تفاوض واشنطن تحت النار: كيف تحوّلت الحرب إلى أداة ضغط متبادلة؟ #عاجل

العالم
jo24
2026/03/30 - 08:06 503 مشاهدة
كتب  زياد فرحان المجالي

لم يعد المشهد القائم يُقرأ بوصفه حربًا خالصة، ولا بوصفه مسارًا تفاوضيًا منفصلًا عن النار. ما يجري في المنطقة الآن هو اندماج كامل بين المسارين: تصعيد ميداني يُستخدم لتحسين شروط السياسة، وسياسة تُستخدم لتأجيل أثمان الحرب أو ضبط سقوفها. ولهذا لم يعد مستغربًا أن تتوسع الضربات في الميدان، بالتزامن مع تسريبات عن مباحثات، ونقاط تفاهم، ووساطات إقليمية، واقتراحات لعقد لقاءات أميركية–إيرانية في أكثر من عاصمة.

المشكلة أن هذا التداخل لا يعني أن التسوية اقتربت بالضرورة، بل يعني أن الجميع بات يقاتل ويتفاوض في الوقت نفسه. واشنطن تريد أن تقول إنها لا تزال قادرة على إدارة الحرب وقيادة المخرج السياسي معًا. وطهران تريد أن تثبت أنها ليست في موقع المنكسر الذي يُدفع إلى الطاولة تحت الإكراه. أما إسرائيل، فترى أن أي تهدئة لا تعيد تثبيت صورة الردع ستُقرأ داخليًا وإقليميًا كإقرار بفشل استراتيجي، لا كنجاح سياسي.

من هنا يمكن فهم السلوك الأميركي في هذه المرحلة. فالتسريبات عن موافقة إيرانية على معظم النقاط المطروحة، بالتوازي مع تسريب الحديث عن خيارات عسكرية قد تصل إلى عمليات محدودة داخل إيران، لا تعكس تناقضًا بقدر ما تعكس أسلوب ضغط مركب. واشنطن ترفع السقف العسكري كي تجعل التنازل السياسي أقل كلفة من المواجهة، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن أي مغامرة برية أو شبه برية داخل إيران لن تكون عملية جراحية نظيفة، بل قد تفتح أبوابًا لا يمكن ضبطها بسهولة.

هذا يعني أن الولايات المتحدة لا تبحث فقط عن إنهاء الحرب، بل عن إنهائها بصورة تحفظ الهيبة وتمنع إيران من ادعاء الصمود السياسي بعد الصمود الميداني. فالقضية بالنسبة لواشنطن ليست تقنية فقط، متعلقة باليورانيوم أو نسب التخصيب، بل تتعلق أيضًا بشكل الخاتمة: من الذي يفرض الشروط؟ ومن الذي يخرج بصورة الطرف الذي أجبر خصمه على التراجع؟

في المقابل، لا تبدو إيران في وارد إغلاق باب التفاوض، لكنها بالتأكيد ليست مستعدة للدخول إليه من زاوية الإذعان. ولهذا تواصل استخدام الميدان كورقة سياسية. فحين تتكرر الضربات باتجاه الجنوب الإسرائيلي، وتتسع رقعة الإنذارات، وتبقى المسيّرات أو الصواريخ حاضرة في أكثر من جبهة، فإن الرسالة الإيرانية لا تقتصر على الإيلام العسكري، بل تمتد إلى القول إن الضغط المضاد قائم، وإن الحرب ليست طريقًا مجانيًا لفرض الشروط عليها.

وهنا تظهر المعضلة الإسرائيلية بوضوح أكبر. فالتحدي بالنسبة إلى إسرائيل ليس فقط في وقوع الضربات، بل في الأثر النفسي والاستراتيجي لتكرارها. لأن العقيدة الأمنية الإسرائيلية قامت طويلًا على فكرة نقل المعركة إلى أرض الخصم، وتقليل حضورها في الداخل إلى الحد الأدنى. لكن ما يحدث الآن يفرض على إسرائيل نمطًا مختلفًا: امتصاص الضربات، وإدارة الإنذارات، والدفاع عن العمق، ومواجهة تعدد الجبهات في وقت واحد. وهذا بحد ذاته تطور يرهق مفهوم السيطرة أكثر مما ترهقه الخسارة المادية المباشرة.

ولذلك فإن انتقال إسرائيل، ولو جزئيًا، من منطق الهجوم إلى منطق الدفاع، ليس تفصيلًا ميدانيًا عابرًا. إنه تغير في طبيعة المعركة نفسها. فحين تضطر دولة بنت ردعها على المبادرة الخاطفة إلى أن تنشغل بحماية الداخل، فإن خصمها يكون قد نجح، ولو جزئيًا، في تعديل قواعد الاشتباك النفسية والسياسية.

أما على المستوى الإقليمي، فإن الحراك الذي برز في إسلام آباد يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحرب بهذا الإيقاع لم يعد خطرًا على أطرافها المباشرين فقط، بل على البيئة الاستراتيجية المحيطة كلها. الحديث عن لقاء أميركي–إيراني، أو عن وساطة تتصل بوقف النار، أو عن ترتيب يخفف التوتر، لا يأتي من فراغ، بل من خوف متزايد من أن تنزلق المنطقة إلى نمط استنزاف مفتوح يضرب الطاقة، والممرات، والأسواق، ويضع الجميع أمام كلفة لا يمكن احتساب حدودها بدقة.

لكن رغم ذلك، لا تبدو التسوية ناضجة بعد. فلا واشنطن مستعدة للتراجع من دون مقابل واضح، ولا إيران مستعدة لتقديم صورة استسلام سياسي، ولا إسرائيل قادرة على قبول نهاية لا تعيد ترميم صورة الردع. وهذا يعني أن المرحلة الحالية ليست مرحلة سلام يقترب، بل مرحلة مساومة تحت النار: كل طرف يضغط عسكريًا كي يحسن موقعه التفاوضي، وكل طرف يفاوض لكي يمنع الحرب من أن تتحول إلى عبء يتجاوز قدرته على الاحتمال.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى الحرب أو إلى التفاوض، لأنهما واقعان معًا بالفعل. السؤال الأدق هو: من ينجح في استخدام أحدهما لتعديل موازين الآخر؟ وحتى الآن، لا يبدو أن أحدًا حسم هذه المعادلة نهائيًا. الحرب لم تكسر الجميع، والتفاوض لم ينقذ أحدًا بعد. وما بينهما تقف المنطقة عند حافة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي تقدم سياسي صغير أن يفتح باب التهدئة، ويمكن لأي خطأ في الحساب أن يدفع إلى تصعيد أوسع بكثير.
.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤