حين نادتنا معان من على الطريق… فانعطفنا نحو أصل الحكاية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في طريق العودة من العقبة إلى عمّان، بعد أيام امتزج فيها صفاء البحر بفرح عيد الاستقلال وروح عيد الأضحى، لم تكن الرحلة مجرد عودة من عطلة عائلية إلى إيقاع الحياة اليومية، بل كانت الطريق الصحراوية، كعادتها، مفتوحة على الأفق؛ طويلة، صامتة، تحمل في امتدادها شيئًا من هيبة البلاد وشيئًا من سرّها.
وعند بداية دخولنا منطقة معان، لمحنا لوحة على الطريق الصحراوي تحمل اسم مقر الملك المؤسس، الملك عبدالله الأول بن الحسين. لم تكن اللوحة بالنسبة إليّ مجرد إشارة مرورية تدل على مكان، بل بدت كأنها نداء خافت صادر من الذاكرة. وفي لحظة سريعة، ودون تخطيط طويل، اتخذنا القرار: أن ننعطف قليلًا عن الطريق، لا لنستريح من السفر، بل لنذهب إلى رؤية المكان الذي بدأت منه إحدى أهم صفحات الأردن.
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى موعد مع التاريخ؛ يكفي أن يرى لوحة صغيرة على قارعة الطريق، فيشعر أن الوطن يطلب منه أن يتوقف. هكذا انعطفنا نحو مقر الملك المؤسس في معان، وكأننا لا نغادر الطريق، بل ندخل في عمقها الحقيقي؛ فليست كل الطرق تقود إلى مدينة، فبعضها يقود إلى معنى.
ما إن وصلنا إلى المقر حتى شعرت أنني أمام مكان لا يشبه الأماكن العادية. لم يكن المبنى مجرد قصر أثري، ولا محطة قديمة من محطات السكة الحديدية الحجازية، بل كان شاهدًا واقفًا على لحظة تأسيسية في عمر الدولة الأردنية. شُيّد المبنى عام 1904، ثم جاءته لحظته الكبرى حين اتخذه الأمير عبدالله بن الحسين مقرًا له عند قدومه إلى معان في 21 تشرين الثاني عام 1920، ليحمل لاحقًا اسمًا بالغ الدلالة: مقر الدفاع الوطني.
في هذا الاسم وحده تختصر فلسفة المكان. فالدفاع هنا لم يكن دفاعًا عن جدران، بل عن فكرة. لم يكن دفاعًا عن حدود مكتملة، بل عن وطن كان يتشكل. لم يكن دفاعًا عن واقع قائم، بل عن مستقبل كان يحتاج إلى رجال يؤمنون به قبل أن يولد كاملًا.
دخلت القاعات، فشعرت أن الحجر لا يصمت حين يكون مشبعًا بالذاكرة. هناك لا ترى الجدران بوصفها جدرانًا، بل بوصفها شهودًا. ولا ترى الوثائق بوصفها أوراقًا محفوظة خلف الزجاج، بل بوصفها بقايا نبض سياسي ووطني عاشه رجال ذلك الزمن. في المقر صور ووثائق ومراسلات رسمية ومحفوظات ومقتنيات شخصية، وكل قطعة فيه تبدو كأنها تقول للزائر: هنا لم يكن التاريخ فكرة بعيدة، بل كان يومًا من لحم وقلق وقرار.
ومن بين ما يحتويه هذا المقر ما يربط الزائر ببدايات الحياة السياسية والإدارية في شرقي الأردن؛ فقد بدأ الأمير عبدالله من هذا المكان ممارسة نشاطاته واتخاذ قراراته السياسية، وأصبح المبنى مركز قيادة وإدارة. ومنه انطلقت رحلة التأسيس نحو عمّان في عام 1921، تلك الرحلة التي لم تكن انتقالًا من مدينة إلى أخرى فحسب، بل انتقالًا من الحلم إلى البناء، ومن الفكرة إلى الدولة.
وفي هذا المكان أيضًا صدرت أول صحيفة في شرق الأردن، وهي صحيفة «الحق يعلو»، وهي تسمية تصلح وحدها أن تكون عنوانًا لمرحلة كاملة. فالحق حين يعلو، لا يعلو بالصوت وحده، بل بالإرادة، وبالموقف، وبإيمان الناس بأن الكلمة جزء من تأسيس الأوطان، كما هو السيف، وكما هو القرار، وكما هي الراية.
وما زاد الزيارة عمقًا وجمالًا أن التاريخ لم يُقدَّم لنا كأسماء وتواريخ جامدة، بل كحكاية حيّة. كان استقبال القائمين على المكان استقبالًا يليق بهيبته وبذاكرته. لقد أبهرتني طريقتهم في سرد المعلومة، وهدوؤهم، وقدرتهم على نقل الزائر من مشاهدة الصور إلى فهم دلالاتها، ومن قراءة الوثائق إلى الإحساس بما وراءها.
لم يكن الأستاذ أمين الزويري، والرائد مأمون الحباشنة، والوكيل حمزة الشمايلة يشرحون لنا متحفًا فقط، بل كانوا يفتحون لنا بابًا إلى زمن التأسيس. كانوا يتحدثون عن تصميم المكان، وأقسامه، وما يحتويه من وثائق وصور ومقتنيات، وكأنهم يسلّموننا أمانة وطنية لا معلومة عابرة. وفي تلك اللحظة أدركت أن من يحرس الذاكرة لا يقل شرفًا عمّن يحرس الحدود؛ لأن الأرض بلا ذاكرة تتحول إلى مساحة، أما الأرض حين تسكنها الحكاية فتصبح وطنًا.
في قاعات المقر، يتعلم الإنسان أن الأوطان لا تبدأ كبيرة كما نراها اليوم. تبدأ أحيانًا من مبنى بسيط، ومن قرار شجاع، ومن رجل يرى أبعد من زمنه، ومن شعب ينتظر من يوقظ فيه معنى الدولة. الأردن لم يكن صدفة على الخريطة، ولم يكن نتيجة طريق سهل، بل كان حصيلة رؤية وصبر وتضحيات وتراكم طويل من الإيمان بالمستقبل.
خرجت من مقر الملك المؤسس وأنا أشعر أنني لم أزر الماضي، بل زرت الجذر. هناك فهمت أن التاريخ ليس شيئًا نتركه خلفنا، بل شيء نمشي فوقه دون أن ننتبه. وكلما جهل الإنسان جذوره، صار أكثر عرضة لأن يضيع في ضجيج الحاضر. لذلك فإن زيارة هذا المقر ليست نزهة عابرة، بل درس في الوعي، ووقفة مع الذات، ومراجعة صامتة لمعنى الانتماء.
ومنذ تلك الزيارة قررت أن أعود مرة أخرى، ولكن بصحبة أحفادي. أريد أن آخذهم إلى هناك، لا لأروي لهم التاريخ بالكلام فقط، بل لأجعلهم يشاهدونه بأعينهم. أريدهم أن يقفوا أمام الصور والوثائق والمقتنيات، وأن يعرفوا أن الوطن ليس نشيدًا صباحيًا ولا علمًا يُرفع في المناسبات فحسب، بل قصة طويلة من البدايات الصعبة، والقرارات الكبرى، والرجال الذين حملوا المعنى قبل أن تكتمل الدولة.
أريد لأحفادي أن يعرفوا أن الأردن لم يبدأ من الراحة، بل من المسؤولية، وأن الاستقلال ليس يومًا في التقويم، بل مسيرة بدأت من وعي الرجال بكرامة الأرض. أريدهم أن يفهموا أن معان ليست محطة على الطريق الصحراوي فقط، بل محطة في الضمير الأردني، وأن مقر الملك المؤسس ليس مبنى قديمًا، بل ذاكرة قائمة تقول لكل جيل: لا تنسوا من أين بدأت الحكاية.
لذلك أنصح كل من يسلك طريق العقبة إلى عمّان، أو يمر من معان، ألا يكتفي بالعبور. توقفوا عند مقر الملك المؤسس. ادخلوا المكان بهدوء، لا بعجلة المسافر، بل بخشوع من يعرف أنه يدخل فصلًا من كتاب الوطن. سترون هناك كيف يمكن للحجر أن يحتفظ بالمعنى، وكيف يمكن للوثيقة أن تتكلم، وكيف يمكن لصورة قديمة أن تعيد ترتيب علاقتنا بالحاضر.
تحية تقدير واعتزاز إلى مدير الموقع الأستاذ أمين الزويري، وإلى الرائد مأمون الحباشنة، والوكيل حمزة الشمايلة، وإلى كل من يقوم على هذا المقر ويحفظ رسالته. لقد جعلوا من الزيارة درسًا في الانتماء، ومن الشرح رحلة في الوعي، ومن المكان مرآة يرى فيها الإنسان وطنه لا كما يقال عنه، بل كما بدأ، وكما تشكّل، وكما يستحق أن يبقى.
في معان، لم ننعطف عن الطريق؛ لقد انعطفنا نحو الذاكرة. وفي مقر الملك المؤسس، لم نشاهد مبنى فقط، بل شاهدنا بداية الأردن وهو ينهض من الفكرة إلى الدولة، ومن الحلم إلى الراية، ومن الصحراء إلى التاريخ.





