كتب - د. نعيم الملكاوي
ليست كل الاجتماعات التي تجمع القادة تُعقد من أجل الصور التذكارية، وليست كل الاتفاقيات التي تُوقّع أمام عدسات الكاميرات مجرد أوراق بروتوكولية. هناك لحظات سياسية تتجاوز حدود الحدث نفسه، لتصبح علامة على انتقال مرحلة كاملة إلى مرحلة أخرى.
والاجتماع الذي جمع قادة المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وما نتج عنه من تفاهم دفاعي، ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات التي تستحق التوقف والقراءة العميقة.
فالمسألة لا تتعلق فقط باتفاق بين ثلاث دول، بل برسالة سياسية واستراتيجية مفادها أن الشرق الأوسط الذي اعتاد لعقود أن تُرسم معادلات أمنه في عواصم خارج المنطقة، بدأ يبحث عن صيغة جديدة يكون فيها أمنه نابعاً من داخله.
لقد تغيّر العالم من حول المنطقة.
فالولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع الشرق الأوسط بالطريقة التي كانت عليها بعد نهاية الحرب الباردة، وأولويات القوى الكبرى أصبحت موزعة بين ملفات دولية أكثر اتساعاً. في المقابل، شهد الإقليم خلال السنوات الماضية تحولات عميقة؛ من الحرب في غزة، إلى التوترات في البحر الأحمر، مروراً بساحات الصراع في سوريا والعراق واليمن ولبنان، وصولاً إلى تصاعد المواجهة بين إيران وخصومها.
وسط هذا المشهد المضطرب، ظهر سؤال استراتيجي جديد:
هل تستطيع دول المنطقة أن تبني منظومة أمنية تحمي مصالحها بنفسها ؟
يبدو أن السعودية وتركيا وباكستان قررت أن تقدم إجابة مختلفة.
فهذه الدول الثلاث لا تجتمع فقط بحكم العلاقات السياسية، بل لأنها تمتلك عناصر قوة متكاملة. فالسعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وسياسياً ودينياً كبيراً، وتمتلك قدرة على التأثير في القرار الإقليمي والدولي. وتركيا تمتلك جيشاً كبيراً، وصناعة دفاعية متطورة، وخبرة عسكرية واسعة. أما باكستان فتضيف بعداً استراتيجياً مهماً بما تمتلكه من قدرات عسكرية رادعة وخبرة أمنية.
وبالتالي، فإن أهمية هذا التقارب لا تكمن فقط في حجم الدول الثلاث، بل في اجتماع عناصر القوة المختلفة في إطار واحد: الاقتصاد، والموقع الجغرافي، والقدرة العسكرية، والخبرة السياسية.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا اجتمعت هذه الدول ؟
بل : ما الرسائل التي يحملها هذا الاتفاق إلى الآخرين ؟
إيران… الرسالة التي وصلت قبل أن يجف الحبر ؛
قد تحاول الأطراف التأكيد أن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها، لكن السياسة لا تُقرأ دائماً من خلال البيانات الرسمية، بل من خلال موازين القوى والتحولات الاستراتيجية.
ولا شك أن طهران ستكون من أكثر العواصم التي تراقب هذا التطور.
فإيران بنت خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من نفوذها الإقليمي على استثمار الفراغات الأمنية، وتوسيع شبكة تحالفاتها في عدد من الساحات العربية. وأي تقارب بين قوى إقليمية كبرى يمتلك القدرة على تغيير معادلات الردع سيكون موضع دراسة دقيقة داخل دوائر القرار الإيرانية.
لكن الرسالة الأساسية ليست بالضرورة رسالة مواجهة، بل رسالة توازن.
فالردع لا يعني الحرب، وإنما يعني جعل كلفة التصعيد أعلى من كلفة الحوار، ومنع أي طرف من الاعتقاد بأنه يستطيع فرض إرادته منفرداً.
إسرائيل… القلق من تغير البيئة الاستراتيجية ؛
قد لا يكون الاتفاق موجهاً ضد إسرائيل بشكل مباشر، لكنه بلا شك يضيف عاملاً جديداً إلى حساباتها الأمنية.
فإسرائيل استفادت خلال سنوات طويلة من حالة الانقسام الإقليمي، ومن غياب منظومات أمنية إقليمية قادرة على التنسيق والعمل المشترك.
أما ظهور تقارب بين ثلاث قوى تمتلك هذا الحجم من التأثير، فإنه يخلق واقعاً جديداً يحتاج إلى قراءة مختلفة.
فموازين القوى لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات، بل بقدرة الدول على بناء الشراكات، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتبادل المعلومات، وتنسيق المواقف السياسية.
ولهذا فإن القلق الإسرائيلي المحتمل لا يأتي من إعلان عداء، بل من احتمال تشكل بيئة إقليمية أكثر تماسكاً وقدرة على إنتاج التوازن.
مصر… الغائب الحاضر في أي معادلة إقليمية ؛
أما مصر، فإن غيابها عن هذا الترتيب يفتح باباً واسعاً للنقاش.
فلا يمكن لأي نظام أمني عربي أو إسلامي طويل الأمد أن يتجاهل القاهرة، بما تمتلكه من وزن تاريخي، وثقل عسكري، وموقع جغرافي، ودور سياسي مركزي.
قد تكون مصر خارج هذا الإطار في مرحلته الأولى، لكن السؤال الحقيقي هو :
هل ستبقى هذه المنظومة محدودة بثلاث دول، أم أنها ستتوسع مستقبلاً لتصبح إطاراً أوسع يضم قوى عربية وإسلامية أخرى ؟
فأي مشروع لإعادة تشكيل أمن المنطقة سيحتاج في النهاية إلى مشاركة الدول التي تمتلك القدرة والتأثير، ومصر واحدة من أهم هذه الدول.
من تحالف ظرفي إلى نظام إقليمي جديد ؟
ربما يكون من المبكر القول إن هذا الاتفاق يمثل ولادة حلف جديد يشبه التحالفات الكبرى في التاريخ، لكن من الخطأ أيضاً التعامل معه كحدث عابر.
فالشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية؛ مرحلة تتراجع فيها بعض المسلمات القديمة، وتظهر فيها محاولات جديدة لإعادة تعريف مفهوم الأمن ، السيادة و الردع .
لقد أدركت دول كثيرة أن الاعتماد الكامل على المظلات الخارجية لم يعد كافياً، وأن حماية المصالح الوطنية تحتاج إلى بناء شراكات حقيقية بين دول المنطقة نفسها.
لكن نجاح أي مشروع أمني لن يقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل بقدرته على أن يكون مشروع استقرار لا مشروع صراع، ومشروع توازن لا مشروع هيمنة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس : هل وُلد تحالف جديد ؟
بل :
هل بدأ الشرق الأوسط ينتقل من مرحلة انتظار الآخرين لصناعة أمنه… إلى مرحلة صناعة أمنه بنفسه ؟
فالتاريخ يخبرنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً بالحروب، بل احياناً تبدأ بلحظة تدرك فيها الأمم أن أمنها وسيادتها لا يمكن أن يبقيا رهينة قرارات الآخرين.
وربما بعد سنوات، لن يتذكر المؤرخون تفاصيل البيان المشترك، لكنهم قد يتذكرون أن اجتماعاً ثلاثياً في لحظة إقليمية حساسة كان بداية البحث عن توازن جديد في
الشرق الأوسط وربما شرق اوسط جديد بمفهوم آخر .