حين عاد الأبطال.. كيف تحوّل استقبال الأسود إلى ملحمة حب وطنية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
بغداد – واع - آية منصور
بعد رحلة طويلة وشاقة، قطع فيها المنتخب العراقي طريقاً مرهقاً قبل أن يطأ أرض البلاد، حاملاً بطاقة التأهل الى كأس العالم. كان المشهد عند دخوله مختلفاً تماماً عن التعب الذي سبق الوصول. من اللحظة الأولى، تدفقت جموع من العراقيين لاستقباله، وارتفعت الأعلام في الشوارع وعلى جانبي الطريق، فيما كانت بغداد تنتظر لاعبيها بآلاف المحتفلين الذين خرجوا ليحوّلوا عودتهم إلى مشهد وطني واسع، امتزجت فيه فرحة التأهل بفرحة اللقاء، كأن المدينة كانت تسترد أبناءها وسط هتاف واحد وصورة واحدة وعلم واحد.
رحلة شاقة سبقت الوصول
وأُعطي للاحتفال شكله الأوضح صباح أمس السبت، حين خرج المنتخب العراقي في حافلة مكشوفة ذات طابقين جهزتها الشركة العامة لنقل المسافرين والوفود التابعة لوزارة النقل، بعد تزيينها بصور اللاعبين وإعدادها لتكون منصة متحركة وسط الجمهور. انطلقت من ساحة الحرية باتجاه تقاطع جامعة بغداد مروراً بجسر الجادرية وصولاً إلى تقاطع الجادرية الأول، فيما ظهر على متنها اللاعبون ومعهم رئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم، عدنان درجال، وهم يحيون الحشود التي اصطفت على جانبي الطريق ورفعت الأعلام العراقية ورددت الهتافات. وكان هذا المشهد قد جاء بعد استقبال رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني للبعثة فور وصولها إلى بغداد مساء الجمعة، قبل أن يتحول صباح اليوم التالي إلى استقبال شعبي واسع في قلب العاصمة.
وكان دخول المنتخب إلى بغداد خاتمة رحلة شاقة بدأت من مونتيري المكسيكية عقب الفوز على بوليفيا، إذ غادرت البعثة المدينة متجهة إلى برشلونة، ومنها إلى عمّان، قبل أن تدخل الأراضي العراقية عبر منفذ طريبيل وتكمل الطريق براً نحو العاصمة. وفي ظل اضطراب حركة الطيران وتمديد إغلاق الأجواء العراقية في تلك الأيام، صار الطريق نفسه جزءاً من حكاية التأهل، بعدما حمل اللاعبون من نشوة الحسم في المكسيك إلى استقبال رسمي وشعبي انتظرهم في بغداد. وقُدر زمن الرحلة بنحو 18 ساعة.
آلاف العراقيين ينتظرون لحظة مرور المنتخب
وعلى امتداد الطريق، كان المشهد قد بدأ قبل وصول الحافلة بوقت طويل. منذ ساعات الصباح الأولى، اصطف مشجعون في نقاط عدة من بغداد بانتظار مرور المنتخب، رافعين الأعلام العراقية ومرددين الهتافات، فيما تحولت الأرصفة والجسور إلى منصات ترقب جماعي للحظة ظهور اللاعبين على متن الحافلة المكشوفة.
وعلى امتداد الطريق، كان الجمهور قد سبق الحافلة إلى لحظة الاحتفال. منذ ساعات الصباح، توافد مشجعون من مناطق عدة في بغداد، بعضهم جاء مع أصدقائه، وآخرون اصطحبوا أبناءهم، ليحجزوا أماكنهم على الأرصفة والجسور بانتظار مرور المنتخب. وفي أحاديثهم، تكرر المعنى نفسه تقريباً. هذا الاستقبال، كما قال كثيرون، يبقى أقل من حجم ما يستحقه الفريق بعد أن حقق للعراقيين حلماً طال انتظاره. وبين الأعلام المرفوعة والهتافات التي سبقت وصول الحافلة المكشوفة، بدا واضحاً أن الناس لم يخرجوا لرؤية اللاعبين فقط، وإنما ليقولوا لهم إن ما فعلوه صار فرحاً عاماً، وإن ساعات الانتظار والزحام لم تكن سوى تفصيل صغير أمام لحظة أرادها الجمهور كاملة، صاخبة، ومشبعة بالامتنان.
من كل مكان نحو المنتخب
يقول أحمد جبار، وهو أب قدم من بسماية برفقة أطفاله منذ ساعات الصباح الأولى: إن "الوصول إلى بغداد في هذا اليوم لم يكن نزهة عائلية بقدر ما كان محاولة لرد جزء صغير من الفرح إلى اللاعبين الذين أعادوا الفرح إلى الناس". ويضيف لوكالة الأنباء العراقية (واع): "خرجنا باكراً جداً، وحملنا الأعلام معنا، وقلت لأطفالي إنهم سيشاهدون اليوم شيئاً سيبقى يتذكرونه طويلاً. نحن لم نأتِ فقط كي نرى الحافلة أو نلوّح من بعيد، نحن جئنا كي نقول لهذا المنتخب إن ما فعله أكبر من مباراة وأكبر من فوز".
وواصل: " هؤلاء اللاعبون أعادوا إلينا شعوراً افتقدناه منذ سنوات، شعور أن العراق يستطيع أن يجمع الناس حول لحظة واحدة ووجهة واحدة وفرحة واحدة". يقول أحمد: إنهم انتظروا ساعات، والزحام كان شديداً، ومع هذا بقي إحساسهم أن كل ما يفعلوه اليوم قليلاً بحقهم. حين ظهرت الحافلة وبدأت الهتافات ترتفع، شعروا أن التعب كله اختفى. يضيف قائلاً: "نظرت إلى وجوه أطفالي وهم يلوّحون بالأعلام، وفكرت أن هذا هو المعنى الحقيقي لهذه اللحظة. المنتخب لم يصل إلى كأس العالم فقط، هو أوصل أبناءنا إلى ذكرى سيحملونها معهم طويلاً، وأوصلنا نحن إلى حلم كنا نخشى أن يبقى بعيداً".
في لحظة واحدة، يصبح العراقيون عائلة
وتقول سارة محمود، التي كانت تتابع مرور الحافلة بين الحشود: إن أكثر ما شدّها في ذلك الصباح لم يكن ظهور اللاعبين وحده، وإنما ما جرى بين الناس أنفسهم. وتضيف لوكالة الأنباء العراقية (واع) "كنت أنظر حولي فأرى مشهداً يهز القلب. أناس يبكون، وأخريات يزغردن، وأطفال يلوّحون بالأعلام كأنهم يعرفون معنى هذه اللحظة تماماً".
الأجمل أن كثيرين ممن وقفوا جنباً إلى جنب لم يكن بينهم سابق معرفة، ومع هذا بدا الشارع كله كأنه عائلة واحدة. تشرح سارة المشهد وتقول: كان هناك من يفسح مكانه لغيره، ومن يرفع طفلاً كي يرى الحافلة، ومن يشارك الماء والعلم والهتاف مع شخص التقاه للتو. هذا ما يفعله المنتخب حين ينجح. يوقظ في العراقيين أجمل ما فيهم، ويعيد إلى الواجهة صفات نظن أحياناً أنها ابتعدت تحت ثقل الأيام. في تلك اللحظات، شعرت أن الفرح لم يكن كروياً فقط، وإنما كان إنسانياً أيضاً، لأن الفريق حين يصل إلى هذا الحلم، يجمع الناس حول صورة العراق الذي نحب أن نراه.








