
من حقّ كلّ عامل أو ربّة بيت أو طالب علم، أن يرتاح بعد عام من العمل والجدّ والتّعب. ومن حقّ كلّ “مسلم” أن يجمّ فؤاده ويسلّي روحه في حدود المُتاح المباح؛ فأصحاب النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنّهار، لكنّ ذلك لم يمنعهم من أن تكون لهم أوقات يروّحون فيها عن أنفسهم، يقول التابعيّ بكر بن عبد الله المزني -رحمه الله-: “كان أصحابُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يتبادَحون بالبِطِّيخِ (أي: يرمي بعضهم بعضا بقشور البطّيخ)، فإذا كانت الحقائقُ كانوا هم الرجال”.
تسلية النّفس حقّ، والاستفادة من عطلة سنوية مطلب ملحّ؛ لكنّ مشكلتنا في هذا الزّمان أنّنا لا نفهم من “العطلة” إلا العطالة الكاملة وتعطيل كلّ شيء وتجميد كلّ البرامج والانطلاق من دون أهداف ولا حدود ولا ممهّلات.. كثير من المسلمين أصبحت العطلة بالنسبة إليهم مرادفة لتعطيل كلّ الأعمال بما في ذلك الواجبات الدينيّة، وتعني أن يقضي العبد 3 أشهر كاملة من دون برنامج ولا هدف؛ سهرات وجولات وشواطئ ومآكل ومشارب وتخفُّف من اللباس من دون حدود أو ضوابط.. وهكذا حتى ينتصف شهر سبتمبر، فيجد العبد نفسه لم يجن من عطلته شيئا، غير ضيق شديد في داخله بسبب الأموال الكثيرة التي أنفقها والصلوات التي ضيّعها والأعمال الضرورية التي أجّلها وربّما الآثام التي جمعها!
هذه الحال لا تليق بعبد مؤمن يعيش وسط أمّة قوية عزيزة؛ كيف بمن يعيش وسط أمّة تعاني شتى صنوف الذلّ والهوان؟ كيف يصحّ لعبد أن يحرق ما يقرب من 100 يوم كاملة في الغفلة والتقصير وإهدار الأموال، وإخوانه في غزّة وتركستان والسّودان يعيشون صيفا كلّه مآس وآلام وجوع وتشريد وخيام؟
الراحة بعد عام من العمل مطلوبة، ولكنّ الراحة لا تعني أبدا إضاعة الصلوات وهجر القرآن والجمعة والجماعات، ولا تستلزم السّهر إلى ثلث الليل الأخير في حفلات الأعراس أو في متابعة المباريات، ولا التخلي عن الأخلاق والتحلّي بخوارم المروءة وكشف الأفخاذ والعورات على الشواطئ أو أمام بيوت الجيران.
الترويح عن النفس مطلوب، لكنّ العبد المؤمن يحرص على لزوم حدود دينه، ويحافظ على صبغة ربّه؛ فهو أينما كان وحيثما حلّ يستحضر رقابة خالقه، ويتجمّل بالحياء من مولاه. يستمتع بالتجوال والاستجمام مع أسرته، لكنّه لا يسمح للشّيطان بأن يسوّل له كشف فخذيه أو التخلي عن حجاب زوجته وبناته؛ فهو مسلم يلزم حدود ربّه على الشّاطئ كما يلزمها في البيت وفي الشارع وفي المسجد.. يوسّع لأبنائه بعد عام من الجدّ والاجتهاد، لكنّه لا يسمح لهم بأن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة فيسبحوا في أماكن خطرة أو في أوقات تكون السباحة فيها ممنوعة أو خطرة.. ربّما يسهر بعض الوقت مع زوجته وأبنائه، لكنّه لا يتمادى في السّهر حتّى يضيّع صلاة الفجر.. قد يجلس مع بعض أصدقائه وجيرانه في الشارع، لكنّه لا يقابل نوافذ الجيران وأبوابهم ولا يكشف عاتقيه ولا فخذيه أمام بيوت إخوانه المسلمين، لأنّه يحفظ حديث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “والله لا يؤمن (3 مرّات)؛ من لا يأمن جاره بوائقه”، والجلوس أمام أبواب الجيران ونوافذهم –خاصّة في وقت الحرّ- من الشرور، كيف إذا زاد على ذلك كشف العاتقين والفخذين؟! ووضع القمامة والأوساخ أمام البيوت شرّ وأذى، وإلقاء الحبل على الغارب للأبناء ليسهروا أمام البيوت ويملؤوا الشوارع ضجيجا وكلاما بذيئا، من أعظم الشّرور…
العبد المؤمن وهو في عطلته؛ مصحفُه في جيبه أو في هاتفه، وأذكاره على لسانه، وأخلاقه معه في كلّ مكان؛ لا يؤذي النّاس بلباس أو هيئة أو كلمة أو تصرّف، لا يتلفّظ بالكلام الساقط ولا يرفع صوته بالقهقهة والضحك.. يحترم عائلات المسلمين كما يحبّ أن تحترم عائلته.. لا يرمي الأوساخ في الشارع ولا في الطّريق، ويحرص على أن يترك المكان الذي يجلس فيه مع أسرته خيرا ممّا وجده.. يحذر أشدّ الحذر من أن يكون سببا في نشوب حريق، فلا يشعل النّار في الغابات والأماكن التي يمكن أن تنتشر فيها النّار. ويحذر أشدّ الحذر من أن يكون سببا في إغلاق الطّريق عن عباد الله المسلمين بسيارته أو يكون سببا في تعطيل حركة السير، فربّما يركن سيارته في مكان غير مناسب فيكون سببا في تأخّر وصول سيارة الإسعاف إلى مريض أو مصاب، فيموت ذلك المصاب أو المريض، ويبوء العبد المستهتر بإثم عظيم عند الله، ويكتب في سجل سيئاته أنّه كان سببا في إزهاق روح مسلمة!
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post حتى لا تكون العطلة وبالا علينا! appeared first on الشروق أونلاين.



