حتى بابا الفاتيكان لم يسلم من وقاحة ترامب وسوقية خطابه الصدامِي
من الناس من لا يجيد إلا التفوه بالشتائم والسباب والتشكيك رغم إنها لغة الضعفاء والمهزومين وهذا نهج الرئيس الامريكي دونالد ترامب الابستيني الذي يستخدم في تغريداته وتصريحاته وبياناته المستفزة ألفاظا بذيئة ساقطة ولغة سوقية رخيصة وان تطاوله مؤخرا على بابا الفاتيكان بطريقة وقحة لم يكن من قبيل الصدفة وانما جاء متعمدا للفت الانتباه إليه كنوع من التنفيس عن الذات والكيد للخصم أو إظهار شجاعة زائفة عبر ممارسة العنف اللفظي الممجوج
البذاءة التلقائية العارية والطاقة اللغوية والكلامية الوقحة التي يعتمد عليها ترامب لن تكون قادرة على تعويض خسارته وعبوره المحنة والامتلاء بوهم القوة ومواجهة مشاعر الغطرسة التي تجتاح عقله وسلوكه حيث لا يجد سبيل لمواجهتها سوى الشتم وفحش اللسان وسوء الأدب ونقص الحياء وقد تجاوز بعباراته المسيئة والخارجة كل حدود الكلام والفعل والأعراف السياسية والدبلوماسية ومنطق النقاش الموضوعي والحوار البناء حتى تفوق على فرعون وهتلر وموسوليني وغيرهم بما وصل اليه من اعلى درجات الوقاحة والانحطاط
في زمن تتداخل فيه السياسة مع الخطاب الديني وتتشابك فيه المصالح مع القيم الأخلاقية يبرز اسم البابا لاوون الرابع عشر بوصفه أحد أبرز الأصوات الروحية في العالم المعاصر حيث يمثل مرجعية دينية ذات ثقل معنوي تتجاوز موقعة التصل إلى الضمير الإنساني العالمي بما يحمله من رسائل سلام ودعوات لوقف الحروب وحماية الأبرياء
الفاتيكان ليس دولة سياسية بالمعنى التقليدي بل هو كيان روحي يقوم على رسالة دينية وأخلاقية تهدف إلى تعزيز السلام والدفاع عن كرامة الإنسان ولذلك فإن مخاطبة رأس الكنيسة الكاثوليكية لا تتم بمنطق الخصومة السياسية بل بقواعد الاحترام الذي يليق بمقامه الروحي والتاريخي باعتباره رمزا دينيا يتجاوز الانقسام السياسي ويقف في منطقة أعلى من الصراع على السلطة والنفوذ
البابا لاوون الرابع عشر أكد في مواقفه الأخيرة أن تهديد شعب كامل كما حدث في التصعيد تجاه إيران أمر غير مقبول من الناحية الأخلاقية والقانونية داعيا إلى العودة إلى الحوار والتفاوض ومكررا رفضه لمنطق الحرب الذي لا يجلب سوى مزيد من الكراهية والدمار وهذه المواقف البابوية المشرفة تعكس جوهر الرسالة الفاتيكانية القائمة على حماية الإنسان أيا كان موقعه أو دينه أو انتماؤه
الرئيس ترامب في العديد من المناسبات اظهر خطابا محملا بنبرة تصعيدية حادة تجاه خصومه السياسيين وبعض الدول الأخرى وفي منشور له قبل ايام على موقع تروث سوشيال اتهم بابا الفاتيكان بأنه يتخذ موقفاً ضعيفاً في مكافحة الجريمة ويتبنى نهجاً كارثياً في السياسة الخارجية وأنه متساهل بشأن الأسلحة النووية الايرانية كما صرّح للصحفيين بأنه ليس من محبيه وهو ما يثير جدلا واسعا عندما يمتد مثل هذا الخطاب ليطال شخصية دينية بحجم بابا الفاتيكان حيث لا يمكن فصل الرمزية الروحية عن مكانتها في الوعي العالمي باعتبارها تمثل صوتا أخلاقيا في مواجهة العنف والتطرف وان البابا من أشد منتقدي الحرب الامريكية الاسرائيلية على إيران وقد وصف تهديد ترامب بتدمير الحضارة الإيرانية بأنه غير مقبول ودعاه الى إيجاد مخرج عقلاني لإنهاء الصراع
في المقابل رد البابا على افتراءات ترامب وهو في طريقه إلى الجزائر بأنه لا يرغب في الدخول في جدال معه وانه سيواصل الترويج للسلام بكل ثقة وقوة وإنه لا يخشى إدارته وسيواصل معارضته للحرب الدائرة واي حرب اخرى ظالمة كما شدد على أن استهداف البنية التحتية المدنية للدول أو التهديد الشامل لشعب بأكمله يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وانحدارا أخلاقيا خطيرا يهدد مستقبل التعايش بين الشعوب وأن العالم بحاجة إلى شجاعة السلام لا إلى مغامرات وطيش القوة وأن الإنسانية لا يمكن أن تبنى على خطاب الكراهية أو الاستعلاء السياسي رغم انه من النادر أن يعلّق البابا بشكل مباشر على تصريحات قادة العالم
الفاتيكان حين يتحدث لا يتحدث باسم دولة تبحث عن مصالح سياسية بل باسم مؤسسة دينية تسعى إلى حماية القيم الإنسانية وفي هذا السياق يمكن قراءة الموقف الفاتيكاني باعتباره محاولة صادقة لإعادة ضبط ميزان الخطاب العالمي بين سلطة القوة وسلطة الضمير حيث لم يعد ممكنا تجاهل الدور الذي تلعبه المرجعيات الدينية في تهذيب السلوك السياسي العالمي المتوحش خصوصا في ظل تصاعد النزاعات التي تهدد الاستقرار الدولي وتضع البشرية أمام احتمالات مفتوحة على الفوضى والدمار
اللافت هنا ان التوتر اللفظي بين خطاب سياسي أمريكي متشدد وخطاب بابوي يقوم على التهدئة كشف عن فجوة متزايدة بين منطق السياسة المعاصرة ومنطق المرجعيات الأخلاقية حيث تبدو القيم الإنسانية في اختبار صعب أمام موجات التصعيد والمواجهة وما جري لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تبادل مواقف عابرة بل مؤشراً على مرحلة أكثر حساسية في العلاقة بين السلطة السياسية العالمية والمرجعية الدينية حيث باتت بعض القوى تميل إلى تغليب منطق الردع والتهديد في حين يتمسك الفاتيكان بمنطق الحوار والتوازن وهو ما يعكس اختلافا جذريا في فهم معنى الأمن العالمي وحدود استخدام القوة
لم يكن متوقعاً أن يصل مستوى البذاءة اللفظية في الخطاب السياسي الترامبي إلى درجة يُستهدف فيها رأس الكنيسة الكاثوليكية بهذه النبرة المرفوضة ما فتح باب التساؤلات حول حدود اللياقة السياسية ومكانة الفاتيكان بوصفه مرجعية روحية تتجاوز الاعتبارات الجيوسياسية خاصة وانه يوجد في الولايات المتحدة أكثر من 70 مليون كاثوليكي أي ما يقارب 20 في المئة من السكان من بينهم نائب الرئيس ترامب جيه دي فانس
ربما ليس من نافل القول التأكيد على أن ترامب في خطابه السياسي حين يتوجه إلى شخصية بحجم رأس الكنيسة الكاثوليكية كان يجب أن يلتزم أعلى درجات اللياقة والاحترام والدقة لأن الأمر لا يتعلق بشخص عادي بل بمرجعية روحية تمثل ملايين المؤمنين حول العالم ومن هنا يتوجب على ترامب أن يعود إلى تعلم أصول الأدب السياسي والدبلوماسي وأن يضبط لسانه و كلماته وأفكاره بما يليق بمقام الحوار الدولي بعيدا عن لغة الانفعال والاستفزاز والتهديد التي قد تناسب ساحات المنافسة في ملاعب البيسبول وعوالم نوادي القمار واعمال الترفيه الاباحي لكنها لا تليق ابدا بمخاطبة القيادة الروحية الاولى في العالم لأن الكلمة في السياسة ليست مجرد رأي بل مسؤولية أخلاقية اما ان تصنع السلام أو تفتح أبواب الحرب الشاملة التي تقوض مصير دول وشعوب بأكملها
ختاما : تذكروا جيدا أنه كما يوجد تشبيح عسكري فإن هناك تشبيح سياسي وتشبيح أخلاقي وتشبيح فكري فكيف يكون الحال سوءا عندما تجتمع كل أنواع التشبيح في شخص واحد اسمه دونالد ترامب يعيش حياة غير مسؤولة تنضح بكل أشكال البذاءات والوقاحات





