حصري- مجسات غاطسة ورادارات جبلية… المخطط الإسرائيلي لامتلاك أفق الساحل الغربي لليمن
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
في وقتٍ تعصف فيه رياح التغيير الجيوسياسي بمياه البحر الأحمر، وبُعيد دخول المواجهة العسكرية المباشرة بين تحالف (واشنطن/ تل أبيب) وطهران أسبوعها الرابع، كشفت تقارير استخباراتية يمنية رفيعة المستوى عن تحركات إسرائيلية “محمومة” تهدف إلى تشييد نفوذ معلوماتي صلب على الساحل الغربي لليمن.
وتسعى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، عبر قنوات اتصال معقدة، إلى تجاوز العوائق الجغرافية والتقنية لرصد تحركات جماعة الحوثي المسلحة وضمان تأمين الملاحة الدولية من منظور أمني استباقي، مستغلةً حالة السيولة العسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية.
البحث عن “موطئ قدم معلوماتي” في جغرافيا معقدة
كشفت مصادر استخباراتية يمنية أطلعت على تقرير أمني رفيع المستوى لـ “يمن مونيتور”، أن جهاز “الموساد” وشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) شرعا في بناء جسور تواصل مع كيانات قبلية وعسكرية في الساحل الغربي لليمن.
وقالت المصادر إن التحركات الإسرائيلية التي رصدها التقرير بدأت بالفعل قبل أسابيع من الحرب الإسرائيلية/الأمريكية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
ووفقاً لهذه المصادر، فإن التحركات الإسرائيلية كانت لجس نبض القيادات الميدانية حول إمكانية نشر أجهزة رصد وتقنيات إنذار مبكر في مناطق التماس المطلة على الممر الدولي في باب المندب، لاسيما في المناطق التي تسيطر عليها القوات التابعة للعميد طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي.
وتشير المصادر إلى أن “اتصالات غير رسمية” جرت عبر وسطاء دوليين (شركات أمنية، وجهات استشارية، ورجل أعمال) مرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة للوصول إلى قيادات عسكرية وميدانية في مناطق المخا والمديريات المجاورة لها وجزر حنيش وزقر وتخضع لسلطة المقاومة الوطنية.

ويرتكز هذا التحرك على قناعة استخباراتية في “تل أبيب” مفادها أن التواجد المعلوماتي “فوق الأرض اليمنية” هو الخيار الوحيد لسد الثغرات التي تفرضها تضاريس المنطقة وانحناء الأرض، والتي تحد من فعالية الرادارات المنصوبة في القواعد البعيدة أو السفن الحربية. فالاستخبارات الإسرائيلية خلصت إلى أن التقنية الإيرانية المستخدمة من قبل الحوثيين باتت تتطلب مراقبة لصيقة من نقاط صفرية لا تتوفر حالياً في القواعد الصومالية أو القواعد التابعة للإمارات والولايات المتحدة في القرن الأفريقي، مما جعل الساحل اليمني الغربي هدفاً استراتيجياً ملحاً-حسبما أفاد التقرير الاستخباري اليمني.
وتهدف هذه الخطوة، بحسب التقرير، إلى تحويل الساحل الغربي إلى ما يشبه “المنصة الرادارية المتقدمة” التي تُدار بالوكالة عبر فصائل محلية. وأوضحت المصادر أن الهدف الجوهري هو “ضمان تدفق بيانات لحظية تفوق في دقتها ما توفره الأقمار الصناعية، وذلك عبر تزويد تشكيلات محلية بمعدات متطورة لا تحمل بصمات الدولة المصنعة، لضمان بقاء العملية في إطار المنطقة الرمادية بعيداً عن التبعات السياسية والقانونية الدولية” والتي يمكن أن تؤثر على أبوظبي وتل أبيب أمام دول الخليج والعالم.
- تحقيق حصري: صندوق عدن الأسود.. كيف سقطت إمبراطورية “أبو سعيد الإماراتي” في قبضة السيبرانية السعودية؟
- حصري- سقطرى.. ماذا وجد الفنيون السعوديون عقب “الطرد المفاجئ للإمارات”؟
- حصري- مناورات تحاكي السابع من أكتوبر.. كيف يستعد الحوثيون لنقل الحرب من البحر إلى البر؟!
أنظمة رادارية “غير سيادية” ومجسات غاطسة
في قلب هذا المخطط الاستخباراتي، تبرز منظومة (ELM-2226 ACSR) التي تنتجها شركة “إلتا” الإسرائيلية كأداة رئيسية للاختراق التقني المنشود. ويمتاز هذا النظام بكونه راداراً ساحلياً مصغراً عالي الدقة، يمكن تمويهه بسهولة فوق شاحنات نقل مدنية أو وضعه داخل أكواخ صيد مهجورة على طول الساحل اليمني الممتد، مما يجعله عصياً على الكشف البصري التقليدي. وتراهن إسرائيل على خاصية (LPI) أو “احتمالية الاعتراض المنخفضة”، وهي تقنية تتيح للرادار العمل دون أن تكتشفه منظومات الحرب الإلكترونية التابعة للحوثيين أو المستشارين الإيرانيين.
ووفقاً للتقرير لا يتوقف الطموح التقني عند الرصد السطحي، بل يمتد إلى ما تحت أعماق المياه الضحلة المحيطة بجزر حنيش وزقر الاستراتيجيتين. حيث كشفت التسريبات عن مساعٍ لزراعة “مجسات غاطسة” مرتبطة بمنصات مستقلة مثل الغواصة المسيرة (Blue Whale)، بهدف رصد أي تحركات بحرية للزوارق السريعة أو الغواصات المسيرة التي قد يحاول الحوثيون استخدامها في عمليات انتحارية ضد الأهداف البحرية. ويسوّق الوسطاء المرتبطين بالإمارات وتل أبيب هذه التقنيات لبعض الفصائل المحلية بوصفها وسيلة “دفاعية” لحماية معسكراتهم ومناطق نفوذهم، بينما هي في الواقع تمثل “أطراف أعصاب” لشبكة الإنذار المبكر الإسرائيلية.
هذه “التفاهمات التقنية” المقترحة كانت تحاول استغلال حاجة بعض القوى المحلية المرتبطة بالإمارات لتعزيز قدراتها الدفاعية، بعيداً عن الرقابة المباشرة للرياض. وتؤكد المصادر أن الاتصالات جرت عبر وسطاء دوليين وشركات أمنية وجهات استشارية، في محاولة لإبرام صفقات توفر لإسرائيل “عيناً غير مرئية” تراقب باب المندب وسواحل شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي على مدار الساعة، وبما يخدم أمنها القومي في ذروة صدامها مع المحور الإيراني.

“الجدار السعودي”: إغلاق النوافذ أمام التغلغل الأجنبي وحماية السيادة
اصطدمت هذه المساعي بواقع سياسي وأمني مغاير تماماً منذ مطلع عام 2026، حيث فرضت المملكة العربية السعودية بروتوكولاً أمنياً صارماً أجهض هذه التحركات في مهدها. ففي ظل التحول الجذري في العلاقة بين الرياض وأبوظبي، والذي انتقل من التنافس الصامت إلى الصدام العلني في ملفات حضرموت والمهرة، سارعت القيادة السعودية إلى تعزيز نفوذ “قوات درع الوطن” في المناطق الحساسة بما في ذلك عدن ومعظم المحافظات الجنوبية اليمنية.
وقد أدى هذا الانتشار العسكري، المدعوم بقرارات حازمة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إلى تقليص هامش المناورة أمام أي تفاهمات “براغماتية” خارج إطار السيادة اليمنية والتحالف الذي تقوده الرياض؛ ومع ذلك، بقيت الشكوك تحوم حول استمرارية الدعم الإماراتي غير المباشر عبر التشكيلات العسكرية المحلية مثل “المقاومة الوطنية” في الساحل الغربي التي تقاوم الدمج في القوات الحكومية، مما خلق حالة من “الجمود المتوتر” في المناطق المحررة، حيث تسعى السعودية لتمكين الحكومة الشرعية من إدارة الموانئ والموارد النفطية بشكل مركزي بعيداً عن التدخلات الجهوية.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي نشر “يمن مونيتور” تحقيقاً يكشف تفكيك أجهزة تجسس إسرائيلية وغاطسات من جزيرة أرخبيل سقطرى بعد خروج القوات الإماراتية، جرى إدخالها كأدوات مدنية إما لمراقبة الحياة البحرية أو لترصد الحياة البرية والتغيّرات المناخية في الأرخبيل.
وقالت مصادر لـ”يمن مونيتور” إن الرياض فرضت بروتوكولاً أمنياً صارماً يمنع أي مسؤول محلي من حيازة “أجهزة اتصال فضائي” غير مسجلة لدى اللجنة العليا التابعة للتحالف بقيادة السعودية جنوبي اليمن، مما جعل أي محاولة تواصل سري بين إسرائيل والإمارات والقوى المحلية عرضة للانكشاف الفوري والملاحقة.
ووفقاً للمصادر، فإن الاستخبارات السعودية واليمنية تعملان حالياً بتنسيق وثيق لقطع الطريق على “العيون الأجنبية”. وتدرك المملكة أن وجود أي أثر لتقنيات إسرائيلية في الساحل الغربي سيمثل “هدية دعائية” مجانية للحوثيين لتبرير تصعيدهم العسكري تحت شعار “مواجهة الصهيونية”؛ كما أن وجود منظومات رصد استخباراتية إسرائيلية وأجنبية في اليمن تهديداً مباشراً لأمنها القومي وللدولة الوطنية اليمنية.
ويأتي هذا التحرك السعودي مكملاً لعمليات سابقة كشف عنها “يمن مونيتور”، حيث تم تفكيك أجهزة تجسس وغاطسات إسرائيلية في أرخبيل سقطرى عقب خروج القوات الإماراتية، وهي أجهزة كانت قد أُدخلت تحت غطاء مدني لمراقبة البيئة والمناخ. اليوم، يبدو أن الرياض قد اتخذت قراراً استراتيجياً نهائياً بمنع تحويل الساحل الغربي أو الجزر اليمنية إلى “غرف تصنت” خلفية لأي طرف إقليمي، مؤكدةً على أن “السيادة المعلوماتية” جزء لا يتجزأ من الأمن القومي للمملكة وللدولة اليمنية المعترف بها دولياً.
المصد الأخير: الدمج العسكري
تؤكد المعطيات الاستخباراتية الراهنة أن استمرار حالة التشرذم العسكري في مناطق الساحل الغربي يمثل “الثغرة الأكبر” التي تراهن عليها القوى الخارجية، وفي مقدمتها إسرائيل، لزراعة نفوذها المعلوماتي بعيداً عن أعين الدولة المركزية. إن بقاء تشكيلات مسلحة خارج الهيكل التنظيمي لوزارة الدفاع اليمنية يخلق ما يعرف بـ “المناطق الرمادية” التي تتيح للاستخبارات الأجنبية عقد تفاهمات تقنية وأمنية مع قادة ميدانيين، وهو ما يفرغ السيادة اليمنية من محتواها ويحول الجغرافيا الوطنية إلى منصة لخدمة أجندات إقليمية لا تخدم بالضرورة المصالح العليا لليمن أو استقرار المنطقة.
وفي هذا السياق، يبرز الحراك السعودي الأخير لدمج قوات “المقاومة الوطنية” وكافة الفصائل الأخرى تحت قيادة موحدة كضرورة استراتيجية قصوى وليس مجرد إجراء إداري؛ فالمؤسسة العسكرية الموحدة هي وحدها الكفيلة بفرض بروتوكولات أمنية صارمة تمنع دخول أي منظومات رصد أو “أجهزة اتصال سيادية” دون رقابة مركزية. إن توطين الملف الأمني في الساحل الغربي تحت مظلة “وزارة الدفاع” يغلق الأبواب أمام محاولات “تل أبيب” أو غيرها لاستغلال الاحتياجات الدفاعية لبعض الفصائل وتحويلها إلى أدوات إنذار مبكر تخدم حروباً إقليمية كبرى، مما يحمي القوى المحلية من الانزلاق في فخ “الارتهان التقني” للأطراف الخارجية.
وبدون الاندماج العسكري الكامل، ستظل السواحل اليمنية عرضة لمحاولات الاختراق، وسيبقى الأمن القومي اليمني والسعودي رهيناً لطموحات قوى إقليمية تسعى لتحويل اليمن إلى “غرفة تصنت” متقدمة في صراعها على نفوذ البحر الأحمر.
The post حصري- مجسات غاطسة ورادارات جبلية… المخطط الإسرائيلي لامتلاك أفق الساحل الغربي لليمن appeared first on يمن مونيتور.


