يتجه ملف حصر السلاح في العراق نحو مرحلة أكثر حساسية، مع اقتراب المهلة المحددة لنهاية أيلول 2026 لإنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة، بالتزامن مع استكمال انسحاب قوات التحالف الدولي.
وبينما تؤكد الحكومة تمسكها بمبدأ حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، تبدو طريقة التنفيذ وتوقيتها جزءا أساسيا من النقاش السياسي، في ظل الحاجة إلى تحقيق الهدف من دون الانزلاق إلى صدام داخلي.
ولا يبدو أن المسألة تقتصر على قرار أمني أو إجراء إداري، بل تتصل بصورة الدولة وقدرتها على فرض القانون وترسيخ مفهوم السيادة فوجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية يمثل تحديا مباشرا لسلطة الدولة، إلا أن معالجة هذا الملف في البيئة العراقية المعقدة تحتاج إلى مسار تدريجي يقوم على التفاهم السياسي والقانوني، وليس على المواجهة وحدها.
وفي المقابل، تبرز ضرورة التعامل مع ملف الفصائل المسلحة ضمن رؤية أوسع لا تتجاهل تاريخها وتضحياتها، خصوصا أن جزءا من هذه التشكيلات بات مرتبطا بمؤسسات رسمية، وفي مقدمتها هيئة الحشد الشعبي. ومن هنا تأتي أهمية استكمال الأطر القانونية التي تنظم عمل المؤسسة وتحدد حقوق منتسبيها وواجباتهم، بما يعزز موقعها داخل الدولة ويمنع بقاء أي مساحة رمادية بين المؤسسة الأمنية الرسمية والتشكيلات المسلحة خارجها.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى الإسراع بتشريع قانون الحشد الشعبي وقانون التقاعد، بوصفهما مدخلا لتنظيم المؤسسة وضمان الحقوق القانونية والمهنية لمنتسبيها، فضلا عن معالجة ملفات الشهداء وذويهم وتأمين حقوقهم ومستقبل عائلاتهم.
فحصر السلاح لا يعني تجاهل التضحيات التي قدمها المقاتلون في مواجهة الإرهاب، بل يفترض أن تكون الدولة هي الجهة التي تحفظ تلك التضحيات وتمنح أصحابها حقوقهم ضمن أطر قانونية واضحة.
وتبدو المفاوضات السياسية في هذا الملف عاملا حاسما، خصوصا أن الوصول إلى نتيجة مستقرة يتطلب توافقا بين القوى السياسية، إلى جانب تفاهم مع الأطراف المعنية مباشرة بالملف الأمني.
فالمطلوب ليس مجرد إعلان موعد للتنفيذ، وإنما بناء آلية قابلة للتطبيق تضمن انتقالا منظما نحو احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، مع الحفاظ على الاستقرار ومنع استغلال الملف لإنتاج انقسامات جديدة.
كما أن استكمال انسحاب قوات التحالف الدولي يضيف بعدا آخر إلى القضية، إذ يضع العراق أمام مسؤولية أكبر في إدارة أمنه الوطني وتحديد شكل منظومته الدفاعية بعيدا عن أي ترتيبات مؤقتة ومن ثم فإن حصر السلاح يصبح جزءا من عملية أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، وترسيخ مركزية القرار الأمني.
في النهاية، يقف العراق أمام اختبار دقيق: كيف يفرض هيبة الدولة وسيادة القانون، وفي الوقت نفسه يحفظ حقوق من قاتلوا دفاعا عن البلاد؟ الإجابة لن تكون في التصعيد، ولا في تأجيل الملف إلى أجل غير مسمى، وإنما في تشريعات واضحة، وتفاهمات سياسية مسؤولة، وآليات تنفيذ تدريجية تجعل الدولة الإطار الجامع للسلاح والقرار والحقوق معا.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهونا بقدرة القوى السياسية على تحويل مبدأ حصر السلاح من عنوان للخلاف إلى مشروع وطني تتشارك في إنجازه، بما يعزز سلطة الدولة ويحمي استقرار العراق ويغلق نهائيا ملف السلاح خارج مؤسساتها.



