حسن الدعجة : الأردن بين واقعية الدولة وبراغماتية الأحزاب.. قراءة في لحظة التحول
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخبارنا
2026/04/23 - 00:07
501 مشاهدة
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بصلابة مواقفها الظاهرية بقدر
ما تُقاس بقدرتها على إعادة تشكيل قواعد اللعبة دون أن تخسر جوهرها. ومن
هذا المنطلق، يمكن قراءة ما جرى في الأردن، في سياق التكيف السياسي للحزب
بوصفه انعكاسًا مباشرًا لرؤية أردنية استشرافية، تضع مصلحة الوطن فوق أي
اعتبارات أيديولوجية أو تنظيمية ضيقة، وتُعيد تعريف العلاقة بين الدولة
والأحزاب ضمن معادلة الاستقرار الديناميكي.
لقد أثبتت الدولة الأردنية، عبر إدارتها لهذا الملف، أنها لا تتحرك بمنطق
رد الفعل، بل وفق رؤية استراتيجية تستبق التحولات وتحتويها. فبدل الانجرار
إلى خيارات حادة كالحظر أو الإقصاء، تم توجيه المسار نحو إعادة الهيكلة
القانونية والسياسية، بما يضمن بقاء الفعل الحزبي ضمن الإطار الوطني، ويمنع
في الوقت ذاته انزلاقه نحو صدامات داخلية أو ضغوط خارجية غير محسوبة. هذا
النمط من الإدارة يعكس فلسفة سياسية عميقة قوامها "الاحتواء الذكي” بدل
"الإقصاء المكلف”.
في المقابل، لا يمكن فهم قرار الحزب بمعزل عن هذا السياق؛ إذ يكشف عن إدراك متقدم لطبيعة التحولات الإقليمية والدولية، حيث لم يعد الخطاب الأيديولوجي الصلب قادرًا على الصمود أمام متطلبات الدولة الحديثة. إن التكيف الذي أبداه الحزب- سواء في تغيير الاسم أو في الاستجابة لمتطلبات قانون الأحزاب- لا يمثل تراجعًا بقدر ما هو انتقال من مرحلة "الهوية المغلقة” إلى "الهوية السياسية المرنة”، التي تسعى للاندماج في النظام السياسي دون فقدان كامل لمرجعيتها.
وهنا تبرز نقطة تحليلية أعمق تتجاوز القراءة السطحية للحدث: ما جرى ليس مجرد امتثال قانوني تقني، بل هو إعادة تموضع واعٍ داخل معادلة الشرعية السياسية. فالحزب، عبر هذه الخطوة، لا يغير شكله فحسب، بل يعيد تعريف مصدر شرعيته، منتقلًا من الانتماء الأيديولوجي العابر للحدود إلى الانتماء الوطني المؤسس على الدستور وسيادة القانون. وهذا التحول يحمل في طياته إعادة صياغة للعلاقة بين الحزب والدولة، بحيث يصبح جزءًا من بنية النظام السياسي لا خارجًا عنه. وإذا ما اكتمل هذا المسار، فإنه يعني انتقال الحزب من فاعل "عقائدي” مغلق إلى فاعل "سياسي مؤسسي” منفتح، قادر على التفاعل مع قواعد التعددية، وهو ما ينسجم مع متطلبات الدولة الوطنية الحديثة واستحقاقات الاستقرار طويل الأمد.
لكن الأهم من ذلك، أن هذه اللحظة تكشف عن التقاء نادر بين إرادة الدولة ومصلحة الحزب في نقطة وسط تُعيد تعريف قواعد التفاعل السياسي. فالدولة لا تبحث فقط عن الامتثال الشكلي، بل عن بناء نموذج حزبي مدني قادر على إنتاج الاستقرار وتعزيز الشرعية المؤسسية، في حين يدرك الحزب أن الاستمرار والتأثير لم يعودا ممكنين خارج هذا الإطار. هذا التقاطع يتجاوز البراغماتية الظرفية ليعكس تحولًا بنيويًا في وعي الطرفين؛ حيث تنتقل الدولة من إدارة التعددية إلى هندستها، بينما ينتقل الحزب من المعارضة التقليدية إلى الشراكة المشروطة. وفي هذا السياق، تتبلور معادلة جديدة تقوم على التكيف المتبادل، لا الصراع، وهو ما يمنح التجربة الأردنية خصوصيتها ويؤسس لنموذج أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للتحولات الإقليمية والدولية.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الأردن قدّم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الحركات ذات الخلفية الأيديولوجية، بعيدًا عن ثنائية "الاحتواء الكامل” أو "الإقصاء التام” التي سادت في المنطقة. لقد اختار مسارًا ثالثًا يقوم على "إعادة الضبط التدريجي”، حيث يتم إدماج الفاعلين السياسيين ضمن قواعد اللعبة الوطنية، مع فرض شروط واضحة تتعلق بالاستقلالية التنظيمية، ومدنية الخطاب، والالتزام بالقانون. وهذا المسار، رغم تعقيداته، لا يقتصر على إدارة التوازن، بل يؤسس لإعادة إنتاج المشهد الحزبي على أسس أكثر واقعية. فهو يمنح الأحزاب فرصة التكيف دون كسرها، ويُبقي الدولة في موقع الضابط لا الخصم، بما يعزز الاستقرار ويحد من احتمالات الاستقطاب الحاد.
أما على مستوى الرؤية الأردنية الأشمل، فإن ما حدث يعكس إدراكًا عميقًا بأن التحديات لم تعد داخلية فقط، بل هي نتاج تفاعل معقد بين ضغوط إقليمية وتحولات دولية. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية استراتيجية تتقدم على أي اعتبارات أخرى. ومن هنا، فإن إدارة هذا الملف لم تكن مجرد قرار سياسي، بل كانت جزءًا من هندسة أوسع تهدف إلى تحصين الدولة في بيئة إقليمية مضطربة.
في ضوء ذلك، يمكن فهم التكيف الحزبي ليس كاستجابة ظرفية، بل كجزء من مسار طويل نحو إعادة تعريف العمل السياسي في الأردن. فالحزب، عبر هذه الخطوة، يبعث برسالة مفادها أنه مستعد للتحول إلى فاعل وطني يتقاطع مع الدولة في حماية المصالح العليا، دون أن يتخلى عن دوره التمثيلي. وهذا بحد ذاته يعزز فكرة أن الأحزاب في الأردن بدأت تدرك أن الشرعية السياسية لم تعد تُبنى على الشعارات، بل على القدرة على التكيف والمساهمة في استقرار الدولة.
وأخيرا فإن ما جرى يتجاوز كونه تعديلًا شكليًا أو استجابة قانونية؛ إنه يعكس لحظة نضج سياسي تتقاطع فيها رؤية الدولة مع براغماتية الحزب، في إطار معادلة دقيقة توازن بين الثبات والتغيير. لقد أثبتت الرؤية الأردنية أنها قادرة على استشراف المستقبل عبر إدارة الحاضر بذكاء، فيما أثبت الحزب أنه قادر على إعادة تموضعه بما يخدم مصلحة الوطن. وبين هذا وذاك، تتشكل ملامح نموذج سياسي عربي مختلف، قوامه التكيف الواعي، والاستقرار المرن، وتقديم المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
*أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
في المقابل، لا يمكن فهم قرار الحزب بمعزل عن هذا السياق؛ إذ يكشف عن إدراك متقدم لطبيعة التحولات الإقليمية والدولية، حيث لم يعد الخطاب الأيديولوجي الصلب قادرًا على الصمود أمام متطلبات الدولة الحديثة. إن التكيف الذي أبداه الحزب- سواء في تغيير الاسم أو في الاستجابة لمتطلبات قانون الأحزاب- لا يمثل تراجعًا بقدر ما هو انتقال من مرحلة "الهوية المغلقة” إلى "الهوية السياسية المرنة”، التي تسعى للاندماج في النظام السياسي دون فقدان كامل لمرجعيتها.
وهنا تبرز نقطة تحليلية أعمق تتجاوز القراءة السطحية للحدث: ما جرى ليس مجرد امتثال قانوني تقني، بل هو إعادة تموضع واعٍ داخل معادلة الشرعية السياسية. فالحزب، عبر هذه الخطوة، لا يغير شكله فحسب، بل يعيد تعريف مصدر شرعيته، منتقلًا من الانتماء الأيديولوجي العابر للحدود إلى الانتماء الوطني المؤسس على الدستور وسيادة القانون. وهذا التحول يحمل في طياته إعادة صياغة للعلاقة بين الحزب والدولة، بحيث يصبح جزءًا من بنية النظام السياسي لا خارجًا عنه. وإذا ما اكتمل هذا المسار، فإنه يعني انتقال الحزب من فاعل "عقائدي” مغلق إلى فاعل "سياسي مؤسسي” منفتح، قادر على التفاعل مع قواعد التعددية، وهو ما ينسجم مع متطلبات الدولة الوطنية الحديثة واستحقاقات الاستقرار طويل الأمد.
لكن الأهم من ذلك، أن هذه اللحظة تكشف عن التقاء نادر بين إرادة الدولة ومصلحة الحزب في نقطة وسط تُعيد تعريف قواعد التفاعل السياسي. فالدولة لا تبحث فقط عن الامتثال الشكلي، بل عن بناء نموذج حزبي مدني قادر على إنتاج الاستقرار وتعزيز الشرعية المؤسسية، في حين يدرك الحزب أن الاستمرار والتأثير لم يعودا ممكنين خارج هذا الإطار. هذا التقاطع يتجاوز البراغماتية الظرفية ليعكس تحولًا بنيويًا في وعي الطرفين؛ حيث تنتقل الدولة من إدارة التعددية إلى هندستها، بينما ينتقل الحزب من المعارضة التقليدية إلى الشراكة المشروطة. وفي هذا السياق، تتبلور معادلة جديدة تقوم على التكيف المتبادل، لا الصراع، وهو ما يمنح التجربة الأردنية خصوصيتها ويؤسس لنموذج أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للتحولات الإقليمية والدولية.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الأردن قدّم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الحركات ذات الخلفية الأيديولوجية، بعيدًا عن ثنائية "الاحتواء الكامل” أو "الإقصاء التام” التي سادت في المنطقة. لقد اختار مسارًا ثالثًا يقوم على "إعادة الضبط التدريجي”، حيث يتم إدماج الفاعلين السياسيين ضمن قواعد اللعبة الوطنية، مع فرض شروط واضحة تتعلق بالاستقلالية التنظيمية، ومدنية الخطاب، والالتزام بالقانون. وهذا المسار، رغم تعقيداته، لا يقتصر على إدارة التوازن، بل يؤسس لإعادة إنتاج المشهد الحزبي على أسس أكثر واقعية. فهو يمنح الأحزاب فرصة التكيف دون كسرها، ويُبقي الدولة في موقع الضابط لا الخصم، بما يعزز الاستقرار ويحد من احتمالات الاستقطاب الحاد.
أما على مستوى الرؤية الأردنية الأشمل، فإن ما حدث يعكس إدراكًا عميقًا بأن التحديات لم تعد داخلية فقط، بل هي نتاج تفاعل معقد بين ضغوط إقليمية وتحولات دولية. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية استراتيجية تتقدم على أي اعتبارات أخرى. ومن هنا، فإن إدارة هذا الملف لم تكن مجرد قرار سياسي، بل كانت جزءًا من هندسة أوسع تهدف إلى تحصين الدولة في بيئة إقليمية مضطربة.
في ضوء ذلك، يمكن فهم التكيف الحزبي ليس كاستجابة ظرفية، بل كجزء من مسار طويل نحو إعادة تعريف العمل السياسي في الأردن. فالحزب، عبر هذه الخطوة، يبعث برسالة مفادها أنه مستعد للتحول إلى فاعل وطني يتقاطع مع الدولة في حماية المصالح العليا، دون أن يتخلى عن دوره التمثيلي. وهذا بحد ذاته يعزز فكرة أن الأحزاب في الأردن بدأت تدرك أن الشرعية السياسية لم تعد تُبنى على الشعارات، بل على القدرة على التكيف والمساهمة في استقرار الدولة.
وأخيرا فإن ما جرى يتجاوز كونه تعديلًا شكليًا أو استجابة قانونية؛ إنه يعكس لحظة نضج سياسي تتقاطع فيها رؤية الدولة مع براغماتية الحزب، في إطار معادلة دقيقة توازن بين الثبات والتغيير. لقد أثبتت الرؤية الأردنية أنها قادرة على استشراف المستقبل عبر إدارة الحاضر بذكاء، فيما أثبت الحزب أنه قادر على إعادة تموضعه بما يخدم مصلحة الوطن. وبين هذا وذاك، تتشكل ملامح نموذج سياسي عربي مختلف، قوامه التكيف الواعي، والاستقرار المرن، وتقديم المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
*أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ــ الغد





