يبدو أن هشام جيراندو دخل مرحلة جديدة من الارتباك، بعدما لم يعد الصراخ كافياً لإخفاء التناقضات التي تحيط بخطابه، فالرجل الذي اعتاد الظهور بمظهر صاحب الأسرار الخطيرة وجد نفسه، وفق ما تضمنته المواد المتداولة، أمام سيل من التسريبات والاتهامات المضادة، فلم يجد أفضل من أسلوبه المعتاد “الهجوم، التخوين، واستدعاء نظرية المؤامرة..” إنها ببساطة سياسة الهروب إلى الأمام.
فبدل مواجهة ما ينشر حوله بهدوء ووثائق مضادة، يتحول كل ظهور جديد إلى مهرجان من الاتهامات، وكأن رفع منسوب الضجيج قادر على إسكات مضمون التسريبات. لكن الضجيج لا يصنع الحقيقة، والصراخ لا يتحول إلى دليل لمجرد أن صاحبه يكرره عشرات المرات.
الأكثر إحراجاً في المشهد هو التناقض الذي رافق روايته بشأن التسجيلات، ففي مرحلة جرى تقديمها باعتبارها مواد مفبركة بالذكاء الاصطناعي، ثم برز حديث عن اختراق الهاتف وإخضاعه للفحص، هذا الانتقال السريع بين الروايات لا يمنح الانطباع بالقوة، بل يعكس ارتباكاً واضحاً في إدارة الأزمة.
جيراندو يريد أن يظهر باعتباره مطارداً من الجميع، لكن المشكلة أن هذه الصورة التي يحاول تسويقها أصبحت سلاحاً مستهلكاً، فكلما ظهرت مادة جديدة، ظهرت معها مؤامرة جديدة؛ وكلما اشتدت الانتقادات، اتسعت قائمة المتهمين باستهدافه، مرة مؤسسات الدولة، ومرة جهات أمنية، ومرة مجموعات إلكترونية، ومرة مخابرات أجنبية.
وبهذه الطريقة يتحول صاحب الخطاب نفسه إلى مركز الكون في روايته الخاصة، حيث الجميع يتآمر عليه، والجميع يطارده، والجميع يخشاه، بينما هو وحده يحتكر الحقيقة، إنها حبكة تصلح لمقطع مثير على مواقع التواصل، لكنها لا تكفي لصناعة المصداقية.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الجهات التي دخلت في صراع مباشر معه، وفق المواد المتداولة، بدأت تنشر بدورها وثائق ومحادثات وتوجيه اتهامات ثقيلة إليه، وهنا يبدو المشهد وكأنه انقلب على صاحبه.. الأدوات التي استخدمها طويلاً ضد خصومه عادت لتطارده من الجهة الأخرى.
لقد بنى جيراندو جزءاً كبيراً من حضوره الرقمي على الإثارة والتشهير والتصعيد، ولذلك ليس مستغرباً أن يجد نفسه اليوم داخل الدائرة نفسها التي ساهم في توسيعها. من يعيش على فضائح الآخرين لا يستطيع أن يتفاجأ عندما تتحول حياته الرقمية إلى فضيحة مفتوحة على كل الاحتمالات.
والأسوأ من ذلك أن خطاب الرجل يبدو وكأنه فقد شيئاً من تأثيره السابق، فالصراخ المستمر يفقد بريقه، والاتهامات المتكررة تفقد قدرتها على الإقناع، والمتابع الذي يسمع الرواية نفسها عشرات المرات دون أن يرى دليلاً حاسماً يبدأ، بشكل طبيعي، في التعامل معها بقدر أكبر من الشك. وهنا تحديداً يظهر مأزق جيراندو الحقيقي “لم يعد يكفي أن يرفع صوته حتى يصدقه الناس”.
لقد استهلك ورقة المؤامرة، وأفرط في استخدام خطاب الاستهداف، وحوّل كل خصومة إلى معركة كونية، وكل انتقاد إلى دليل على وجود مخطط ضده. والنتيجة أن الخطاب نفسه بدأ يستهلك صاحبه.
إن ما نشهده اليوم ليس صورة معارض قوي يحاصر الجميع، بقدر ما هو صورة شخص يحاول النجاة من تبعات خطاب تصعيدي بناه بنفسه، وكلما ضاقت المساحة أمامه، حاول توسيع المعركة، وكلما تراجع الاهتمام بما يقوله، رفع سقف الاتهامات، وكأنه يحاول تعويض تراجع التأثير بمزيد من الاستفزاز.
لكن هذه الحيلة لها حدود.. فالناس قد تنجذب إلى الصدمة مرة، وإلى الفضائح مرتين، وإلى الخطاب الناري لفترة، لكنها في النهاية تبحث عن شيء أبسط بكثير، وهو المصداقية.
ومن هذه الزاوية، فإن جيراندو يواجه مأزقاً حقيقياً، فالصورة التي حاول بناءها حول نفسه باعتباره الرجل الذي يعرف كل شيء ويكشف كل شيء بدأت تصطدم بصورة أخرى أكثر فوضوية، عنوانها التناقض والتصعيد والاتهامات المتبادلة.
لقد أراد أن يجعل نفسه مطارداً كي يبدو بطلاً، لكنه يخاطر بأن يتحول هذا الدور إلى عبء ثقيل.
وحين يصبح الهروب إلى الأمام هو الاستراتيجية الوحيدة، فذلك يعني أن صاحبها لم يعد يملك الكثير ليقوله في المكان الذي بدأت منه الحكاية.
باختصار المشكلة في جيراندو لم تعد في خصومه فقط، بل في الرواية التي بناها حول نفسه، والتي بدأت تتآكل كلما حاول إنقاذها بمزيد من الصراخ.



