حصار «هرمز»: ورقة ضغط أم عبء استراتيجي؟
ترجمة بتصرّف لمقال نشر بالصينية في موقع غوانتشا نيوز في 14 نيسان 2026.
بعد أيّام فقط على انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية دون نتيجة تذكر، أعلنت الولايات المتحدة عزمها إغلاق مضيق هرمز، وهي خطوة أشبه بأن تكون أمامك دراجة هوائية مقفلة بقفل مضاد للسرقة، ليأتي ترامب ويقول: «لا يمكنني فتح هذا القفل؟ حسنًا، سأضيف قفلًا آخر ولن يستخدمها أحد».
اتضحت صورة هذا الإغلاق مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية أنها ستفرض حصارًا على السفن المتجهة من الموانئ الإيرانية وإليها، مع السماح للسفن المتجهة إلى وجهات غير إيرانية بمواصلة عبور المضيق. وبعبارة أخرى، تم تحويل مفهوم «إغلاق المضيق»، والذي يُفهم منه عمومًا على أنه منع أي سفينة من الدخول أو الخروج، إلى حصار بحري موجّه ضد إيران تحديدًا، حيث ستخضع السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها للتفتيش والاعتراض والمنع، بينما لن تتأثر السفن الأخرى. كما أعلنت الولايات المتحدة أنها ستنفذ عملية إزالة للألغام الموجودة في مضيق هرمز.
من جانبها، ردت إيران بقوة، بما في ذلك نشر فيديو يُظهر إجبارها مدمّرة أمريكية حاولت الدخول إلى المضيق على التراجع، مصحوبًا بتسجيلات صوتية لتحذيرات البحرية الإيرانيّة والردود الأمريكية عليها.
حصار بحري انتقائي
من الناحية التكتيكية والعملياتية، تبدو الخطّة الأمريكية قابلة للتنفيذ. فعلى المدى القصير، يمكن للولايات المتحدة الاستفادة من انتشار قواتها البحرية والجوية في منطقة الخليج لفرض السيطرة وممارسة الضغط على حركة الشحن البحري الإيرانية، مما قد يخلق أثرًا محدودًا. ولكن إن إريد لتلك الإجراءات أن تصبح طويلة الأمد ومؤسسية وروتينية، أو أن تتصاعد لتصبح سيطرة أحادية الجانب ومستمرّة على مضيق هرمز بأكمله، فإن الولايات المتحدة ستواجه مشاكل عدة، أبرزها نقص القوات العسكرية، وقصور في قدرات مكافحة الألغام البحرية، كما ستعاني من أزمة ثقة من قبل شركات الشحن الكبرى، مع تصاعد للمخاطر في الإقليم، فضلًا عن ردود الفعل الدولية الرافضة لهذا الإجراء.
أي أنه سيكون بمقدور الولايات المتحدة بدء هذه العملية، لكن استمراريّتها ستكون مسألة صعبة. ورغم أنها قادرة على توظيف هذا التحرك لفرض ضغوط هائلة على طهران، على غرار لجوئها إلى الاغتيالات الموجهة أو الضربات الجوية الدقيقة والمكثفة، إلا أن المأزق الحقيقي سيكمن في كيفية إنهاء هذا التصعيد بسلاسة واستعادة الاستقرار.
تبدو هذه العملية وكأنها استخدام للردع العسكري لخلق ضغط تفاوضي وسياسي، أكثر من كونها محاولة حقيقية لتحقيق سيطرة أحادية على المضيق على أساس ثابت وطويل الأمد.
لكن من المهم هنا أن نتذكر أنه وحتى قبل الحرب على إيران، كانت الولايات المتحدة تمارس شكلًا من أشكال السيطرة على المضيق، مستترة بحق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، وكانت تجمع الرسوم من السفن العابرة للمضيق بالفعل ولكن بشكل غير مباشر عبر «رسوم سك العملة» الخاصة بالدولار الأمريكي.
إن الضمانات الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط تجعل الدول تبدو وكأنها تتمتع بحرية الملاحة ونقل النفط والسلع الأخرى عبر مضيق هرمز، وتُسعّر معظم المعاملات بالدولار الأمريكي وتُسوّى بالدولار. في ظل هذه الظروف، تكون الولايات المتحدة قد جَنت بالفعل ضرائب كبيرة على سك العملة من خلال الدولار. هذه آلية رسوم خفية وتلقائية، وهي آلية قائمة على الإدراك لميزة الهيمنة العسكرية الأمريكية. لكن الآن لم تعد هذه الآلية موجودة.
ويمكن إجمال أهداف الولايات المتحدة من وراء فرض هذا الحصار في الرغبة في الضغط على إيران بهدف دفعها نحو تقديم تنازلات في المفاوضات و«استعادة النظام الإقليمي». كما يسعى ترامب لممارسة الاستعراض السياسي عبر إعادة بناء الإحساس بالسيطرة على الوضع في الشرق الأوسط ، ودفع الأمريكيين للإيمان بأنه يسيطر على المشهد في مسعى لتحقيق منافع محلية من خلال الظهور بصورة الحاكم القوي. وأخيرًا يريد ترامب الفوز بسردية الحرب، أي تشكيل تصوّر بأن الولايات المتحدة نجحت في استعادة حرية الملاحة في الخليج، وأنها لا زالت قوة مهيمنة قادرة.
بكلمات أخرى، تسعى الولايات المتحدة من وراء حصار هرمز إلى تحقيق أهداف عدة بينها الضغط على إيران، وتقديم إجابات مقنعة للحلفاء، واستعادة ثقة الأسواق، وتجنب تسبب حالة الذعر في مزيد من الضرر للولايات المتحدة.
من الناحية العملياتية، أمام الولايات المتحدة ثلاثة خيارات لتحقيق هذا الحصار، أولها الاعتراض الانتقائي للملاحة، أي التعرف على السفن الداخلة للموانئ الإيرانية وعلى السفن الخارجة منها، ومن ثم تتبعها وتفتيشها وطردها، أو حتى احتجازها عند المداخل الخارجية لمضيق هرمز وخليج عُمان. أمّا الخيار الثاني فهو تقديم خدمة المرافقة للسفن العابرة للمضيق بالتزامن مع الإبقاء على حصار الموانئ الإيرانية، وذلك في مسعىً لاكتساب ثقة السوق من جديد. أمّا الخيار الأخير فهو «السيطرة الشاملة على المضيق»: أي السيطرة على ما فوق المياه وما تحتها، والسيطرة كذلك على الجو وعلى الحرب الإلكترونية في المنطقة.
لكن أيًا يكن الخيار الذي ستذهب نحوه الولايات المتحدة من المهم الالتفات إلى أن الفارق بين «إغلاق مضيق هرمز» و«الحصار الشامل لمضيق هرمز»، كبير للغاية من ناحية الطبيعة القانونية والعواقب، إذ يعني الأول ممارسة ضغط لتحقيق أهداف واضحة، أمّا المسار الثاني فيعني سيطرة أحادية شبه مستمرة على شريان الطاقة العالمي.
تدرك الولايات المتحدة تمامًا أن صعوبة السيطرة الشاملة على مضيق هرمز تفوق بكثير مدى الصرامة التي تظهرها التصريحات الأمريكية. وكما نقلت وسائل الإعلام عن خبراء عسكريين، فإن مجرد محاولة فرض حصار بحري يستهدف النقل في الموانئ الإيرانية يمثل في حد ذاته عملية عسكرية كبرى، تتطلب دعمًا هائلًا من السفن الحربية والقوات الجوية، والكثير من الموارد اللوجستية، وكاسحات الألغام. ولا يمكن الحفاظ على هذا الشكل من الحصار على المدى الطويل بالاعتماد على بضع مدمرات فقط.
فمثلًا، لو أرادت الولايات المتحدة إجراء اعتراض انتقائي للملاحة، وهو السيناريو الأبسط، فإنها ستحتاج إلى قوة سيطرة بحرية سطحية تتطلّب تناوب 6 إلى 8 سفن قتالية سطحية كبيرة، لضمان وجود 3 إلى 4 سفن في خط السيطرة الأمامي في جميع الأوقات. كما ستحتاج لقوة دعم جوّي للحفاظ على الرقابة والوعي الظرفي الجوي والبحري، وهذا يتطلب مجموعة حاملة طائرات لتوفير الدعم الكامل، أو أن توفر القوات الجوية من القواعد في المنطقة كفاءة مماثلة. كما تتطلب العملية كاسحات ألغام، ودعمًا لوجستيٍّا كبيرًا، ويشمل ذلك سفن إمداد ومروحيات إخلاء طبي، وفرق إنزال، وكلّها تشكل أسطولًا مخصصًا معززًا للخطوط الأمامية البحرية. ولتحقيق المزيد من الاستقرار، يلزم إضافة غواصة نووية هجومية أو اثنتين.
تنتشر اليوم في المنطقة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب، رفقة عدّة مدمّرات. وفي البحر الأبيض المتوسّط تتواجد حاملة الطائرات «جيرالد فورد»، وفي اتجاه البحر الأحمر تتواجد سفن مثل «بينبريدج» و«توماس هودنر»، ويبدو أن حاملة الطائرات «جورج بوش الأب» في الطريق للمنطقة. تشكل هذه المجموعات الثلاثة طوقًا استراتيجيًا حول إيران من ثلاثة اتجاهات، لكن القوة الحقيقية التي يمكن الاستعانة بها في اتجاه حصار المضيق هي مجموعة حاملة الطائرات لينكولن.
هذه التشكيلات في الاتجاهات الثلاثة مخصصة في الواقع للتعامل مع الوضع الأمني في الشرق الأوسط بأكمله، وليس مضيق هرمز فقط. لذلك، فإن السمة المميزة للقوات الأمريكية الحالية هي أنه يمكنها بدء العملية، لكنها قد لا تكون قادرة على التعامل معها بمرونة واستدامة على المدى الطويل. فبمجرد إطالة أمد الصراع، ستتفاقم الضغوط المتعلقة بصيانة السفن، وإرهاق الأفراد، ونقص الذخيرة والإمدادات.
وفي الوقت نفسه، هناك قصور فعلي في قدرات الولايات المتحدة على مكافحة الألغام: فقد أُحيلت سفن مكافحة الألغام الأربعة من فئة «أفنجر» (Avenger) التي كانت متمركزة لفترة طويلة في المنطقة إلى التقاعد بحلول عام 2025، في حين لا تزال فعالية سفن القتال الساحلية في تنفيذ مهام مكافحة الألغام موضع شك. بشكل عام، وفي ممرّ ملاحي ضيق وعالي القيمة مثل هرمز، فإن مدى نضج وموثوقية واستدامة قدرات مكافحة الألغام ستحدد بشكل مباشر ما إذا كانت «عملية الحصار» مجرد استعراض عسكري، أم أنها يمكن أن تتحول إلى سيطرة مستقرة.
يمكن القول إن هذه العملية تواجه مجموعة من الصعوبات، على رأسها صعوبات عسكرية، إذ من السهل على الولايات المتحدة رفع عتبة الضغط ولكن الحفاظ على استقرار نسبي على المدى الطويل أمرٌ صعب، خاصة في ظلّ ما يتمتع به مضيق هرمز من خصوصية، حيث يمكن لإيران أن تدافع عنه بطرق مختلفة تتوزع ما بين نيران المدفعية الساحلية والمسيّرات وغيرها من الوسائل منخفضة التكلفة.
كما تواجه العملية أزمة هشاشة الثقة التجارية النموذجية. إذ لا يعتمد المرور عبر مضيق هرمز فقط على إعلان دولة ما أو الجيش الإيراني السماح بالمرور، بل يعتمد كذلك على ما إذا كانت شركات التأمين ومالكو السفن وتجار الطاقة في الموانئ قد توصلوا معًا إلى إجماع على أن «المرور آمن». وبمجرد حصول حادث ما، لأي سبب، ستتواصل الرغبة بتجنب المخاطر. بعبارة أخرى، يمكن للولايات المتحدة أن تسيطر عسكريًا بشكل جزئي على الوضع في المنطقة، لكن من الصعب عليها أن تعتمد على القوة العسكرية لاستعادة الثقة النظامية في التجارة البحرية.
وعلى المستوى الأوسع لا تستند الإجراءات الأمريكية إلى دعم دولي وإذا لم تتمكن الولايات المتحدة من إجراء تنسيق دولي فعال، ستضطر إلى تحمّل التكاليف السياسية والعسكرية الرئيسة بمفردها. وعلى الصعيد الاستراتيجي، تواجه الولايات المتحدة خطر اتساع رقعة الأزمة؛ فخريطة انتشار قواتها في المنطقة مترابطة، بحيث يمكن أن يؤدي أي تحرك محدود إلى ارتدادات تؤثر على المنظومة بأكملها. وبالنسبة لواشنطن، فإن انزلاق الحصار في مضيق هرمز من مجرد كونه أداة للضغط التكتيكي قصير الأمد إلى بؤرة استنزاف عسكري يمتد لآجال متوسطة أو طويلة، سيترك تداعيات سلبية عميقة على استراتيجيتها البحرية العالمية، ليتحول من ورقة قوة إلى عبء استراتيجي يثقل كاهلها.
خلاصة القول إن ترامب لا يمتلك عصًا سحرية، ورغم أن الأمريكيين يحبون الحديث من منطلق «سياسة القوة»، فإن المأزق الحالي الذي تواجهه الولايات المتحدة يكمن تحديدًا في النقص النسبي في هذه القوة. ربما لا يمر انتشار القوة الأمريكية في الشرق الأوسط بمرحلة تراجع مطلق، لكن هذه القوة تبدو غير كافية بالمقارنة مع الهدف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، وهو الحفاظ على هيمنتها العالمية.
بالنسبة للولايات المتحدة، وضمن التفكير الواقعي، ينبغي أن يظل المسار القابل للتطبيق هو: استخدام الحصار المحدود للمضيق ورقة تفاوض وأداة للضغط الإعلامي، بدلًا من السعي الجديّ للسيطرة الأحادية طويلة الأمد على مضيق هرمز بأكمله.
على المدى القصير، يمكن للولايات المتحدة أن تُضخّم تأثير الحصار على إيران من خلال الاستعراض العسكري والاعتراض الموضعيّ للسفن بالإضافة إلى الدعاية الإعلامية. ولكن إذا اتخذت إيران إجراءات مضادة غير متكافئة واضحة للغاية، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى الدخول في مسار استنزاف أكثر تكلفة وأصعب في التراجع عنه، وهنا من المتوقع أن تتحول الأوضاع برمتها إلى مستنقع.





