مع اقامة مشاريع السكك الحديدية، يقف الاردن امام فرصة لاعادة تعريف دوره الاقتصادي، ليكون حلقة وصل بين الموانئ والاسواق الاقليمية وممرات التجارة العالمية في عالم تتجه فيه الاقتصادات الى الاعتماد على النقل بالسكك الحديد باعتباره الاكثر كفاءة والاقل كلفة والاقدر على خدمة سلاسل الامداد الحديثة وتقصيرها مسافة ووقتا، بحيث يصبح الاستثمار في هذا القطاع استثمارا في مستقبل الاقتصاد الوطني لا مجرد مشروع نقل. لذلك وامام هذه النقلة اللوجستية الاقتصادية، يصبح التشريع جوهريا في الانتقال من مرحلة الى خرى، حيث تنجح المشروعات الاقتصادية، عندما يشعر المجتمع بان القانون يحمي حقوقه بقدر ما يحمي المصلحة العامة، وتفشل، عندما يتحمل عدد محدود من المواطنين كلفة منفعة تعود على الجميع وبالاخص عند المساواة القانونية بين الطريق والسكة، رغم اختلافهما الجوهري في الطبيعة والاثر الاقتصادي. فالسكة الحديد مشروع اقتصادي واستثماري واستراتيجي له خصائصه المختلفة، واضافته الى قانون الملكية العقارية باعتباره مجرد طريق في قانون وضع في زمن كانت فيه الطرق البرية هي الوسيلة الرئيسة للنقل، وكانت الفرضية الاقتصادية واحكام الاستملاك التي بنيت عليها تقوم على ان الطريق العام يضيف قيمة الى الاراضي المجاورة، ليس دقيقا. فالعالم يعيش اليوم عصر الاقتصاد اللوجستي، وسلاسل الامداد العالمية، والممرات التجارية العابرة للحدود، حيث اصبحت السكك الحديد تمثل العمود الفقري لهذه المنظومة الجديدة، ومع تغير العصر الاقتصادي تتطور الفلسفة التشريعية ذات الصلة، لان التشريع الذي واكب مشاريع اقتصاد الامس يصبح عاجزا عن تنظيم ومواكبة مشاريع اقتصاد اليوم والغد . ومن المهم ادراك الفرق بين قيمة مضافة للعقار تولدها الطريق بطبيعتها وبين سكة الحديد تخفض في اغلب الحالات تلك القيمة بطبيعتها باعتبارها ممرا مغلقا تحكمه اعتبارات السلامة والتشغيل، بل ان وجودها يؤدي الى شطر العقار، وتقييد الوصول الى اجزائه، ويفرض حرمات تمنع البناء او الاستثمار، ويولد ضوضاء واهتزازات تقلل من جاذبية العقار وقيمته السوقية، ولذلك فان افتراض المنفعة الذي يبرر بعض قواعد الاستملاك في الطرق لا يصلح بالضرورة في مشاريع السكك الحديد. وعليه، ومن منظور تشريعي، فان تطبيق قواعد استملاك واحدة على حالتين مختلفتين اقتصاديا يفضي الى نتيجة غير عادلة اجتماعيا واستثماريا وتنمويا، لان العدالة لا تتحقق بالمساواة بين المختلفين، بل بمعاملة كل حالة وفق طبيعتها الحقيقية. فسكك الحديد، اصل اقتصادي استراتيجي، وممر لوجستي، يحقق ايرادات مستمرة، ويربط الاقتصاد الوطني بالاسواق الاقليمية والدولية، ويؤدي وظيفة تختلف جذريا عن وظيفة الطريق العام، ومن الطبيعي ان يقود هذا الاختلاف الى قواعد قانونية مختلفة في الاستملاك والتعويض يستدعي بناء اطار قانوني مستقل لغايات سكك الحديد، بدلا من اخضاعها لاحكام وضعت اساسا لمشروعات الطرق. لذلك، ولان القانون ينبغي ان يواكب طبيعة المشروع، لا ان يجبر المشروع على الخضوع لقواعد لا تعكس واقعه الاقتصادي، يمكن النظر في تبني نماذج اكثر ابتكارا وعدالة للتعويض، كاعتبار خط السكة الحديد ممرا اقتصاديا دوليا للنقل (الترانزيت) يدر ايرادات للحكومة، وبالتالي تعويض مالك الارض التي انخفضت قيمتها نتيجة مرور السكة فيها، بمنحه نسبة محددة من الإيرادات المتحققة من نشاط الترانزيت، أو تعويض نقدي مقطوع من عائد الترانزيت لفترة زمنية محددة، ريثما يستعيد نسبة محددة من القيمة المفقودة ، اي تعويض للأثر الاقتصادي الذي لحق بالمالك نتيجة تنفيذ المشروع، مع مراعاة المنفعة العامة التي يحققها. كما يمكن دراسة نظام الارتفاق، الذي ربما يعد اكثر كفاءة من نقل الملكية الكاملة- اي الاستملاك- لانه يحقق الغاية العامة مع المحافظة على الملكية الخاصة، ويعوض المالك عن القيود التي فرضت على ارضه. ويمكن الذهاب الى نموذج اكثر ابتكارا يقوم على استلهام فلسفة التاجير التمويلي في تنفيذ مشاريع السكك الحديد، فبدلا من انتقال ملكية الارض الى الدولة منذ البداية، يمكن للحكومة استئجار ما يساوي قيمة الانخفاض في سعر الارض وصولا الى التملك الكامل لها بعد فترة محددة تكون قد عوضت المالك ولو من القيمة الضائعة. بذلك تتحقق عدة مزايا اقتصادية في الوقت نفسه، بمنح المالك دخلا تعويضيا عن الاثر الاقتصادي السلبي الذي لحق بعقاره، و تخفيف العبء الرأسمالي المباشر عن الحكومة من خلال توزيع التعويض للمالك على عدة سنوات، وجعل العلاقة بين الدولة وصاحب الارض اقرب الى الشراكة الاقتصادية منها الى الاستملاك التقليدي. الاقتصاد يعلمنا، ان المشروعات الكبرى، لا تقاس فقط بكلفتها المالية المباشرة، بل بعائدها الاجتماعي ومستوى قبول المجتمع لها، وكلما ارتفعت درجة العدالة في توزيع المنافع والاعباء، انخفضت كلف النزاعات، وتسارعت وتيرة التنفيذ، وازدادت ثقة المستثمرين باستقرار البيئة التشريعية. الاردن يدخل مرحلة جديدة سيكون فيها النقل بالسكك الحديد احد اهم محركات النمو الاقتصادي، وسيصبح موقعه الجغرافي اكثر قيمة مما كان عليه في اي وقت مضى، وهذا التحول يفرض ان تنتقل التشريعات من منطق ادارة الطرق الى منطق ادارة الممرات الاقتصادية. ــ الدستور

