حسام عايش : الرواتب.. كاستثمار اقتصادي
يفتح قرار الحكومة منح زيادة شهرية 30 دينارا للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين، نقاشا مهما حول دور الاجور والتقاعدات في تحفيز النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة. اذ بينما ينظر البعض الى هذه الزيادة من زاوية الكلفة المالية، يرى غيرهم ان اثرها يصب في تنشيط الطلب المحلي، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، من خلال الفئات المستفيدة منها وهم اصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة، الذين يرتفع ميلهم نحو انفاق معظم الزيادة الجديدة على احتياجاتهم اليومية من الغذاء والنقل والصحة والتعليم والخدمات المختلفة، وهو ما يعرف اقتصاديا بالميل الحدي للاستهلاك- يعد من اهم المفاهيم التي تفسر العلاقة بين الدخل والنمو الاقتصادي- فكلما ارتفع الميل نحو الانفاق ارتفع اثر اي زيادة في الدخل على النشاط الاقتصادي. هنا، واذا افترضنا، ان الميل الحدي للاستهلاك، قد يصل اردنيا الى 90 % وربما اكثر، فمعنى ذلك، ان كل دينار زيادة في الدخل ينفق منه نحو 90 قرشا مباشرة في السوق، اذ بافتراض ان عدد المستفيدين من الزيادة نحو نصف مليون شخص، فان الزيادة السنوية البالغة 360 دينارا للفرد الواحد منهم تعني زيادة اجمالية بنحو 180 مليون دينار اضافية في دخول الاسر الاردنية خلال عام واحد- نحو 20 % من الاسر الاردنية بافتراض ان كل مستفيد يمثل اسرة – ينفق منها مباشرة في السوق نحو 162 مليون دينار. وبالنظر الى ان هذه الفئات تمثل شريحة واسعة من المجتمع، وتعاني بدرجات متفاوتة من ضغوط المعيشة، فمن المتوقع ان يتجه معظم هذه الزيادة نحو الاسواق المحلية على شكل انفاق استهلاكي، وربما يستخدم بعضه كادخار تحوطي لمواجهة متطلبات واحتياجات غير منظورة . الاثر الايجابي المفترض للزيادة، لا يتوقف عند حدود الانفاق الاول للمستفيدين، بل يمتد ليشمل مستفيدين اخرين في السوق عبر ما يعرف بالمضاعف الاقتصادي. فالدينار الاضافي الذي ينفقه الموظف او المتقاعد من الزيادة الجديدة يصبح دخلا لتاجر او مقدم خدمة اخر، والذي يعيد بدوره انفاق جزء منه داخل الاقتصاد على احتياجات اضافية. وبافتراض مضاعف اقتصادي متحفظ يبلغ 1.2- المضاعف مقدار الزيادة الاجمالية في النشاط الاقتصادي او الدخل الوطني الناتجة عن زيادة اولية في الإنفاق او الاستثمار- فان كل دينار انفاق اولي للموظف / المتقاعد من الزيادة الجديدة يولد نشاطا اقتصاديا اجماليا قدره 1.2 دينار في السوق، اي انفاق اجمالي بنحو 162 مليون دينار –حسب مخرجات الميل الحدي للاستهلاك- تولد نشاطا اقتصاديا يقترب من نحو 200 مليون دينار. وعند مقارنة هذا المضاعف بالناتج المحلي الاجمالي الاسمي المقدر للعام 2026 عند 46 مليار دينار، يتبين ان الزيادة وبما تحدثه من حراك اقتصادي يقترب من 200 مليون دينار يمثل قيمة النشاط الاقتصادي المتولد ما يعادل نحو 0.43 % من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، ورغم ان هذه النسبة لا تمثل نموا حقيقيا كاملا بالضرورة بسبب اثر التضخم والتسربات الاقتصادية والواردات، الا انه يعكس بوضوح قدرة تحسين الدخول على دعم النشاط الاقتصادي ورفع مستويات الطلب. من زاوية المالية العامة، فان انفاق 162 مليون دينار مباشرة في السوق، يولد ايرادا مع متوسط ضريبة مبيعات 12% يقدر بنحو 19 مليون دينار، ما يعني ان فترة الاسترداد المالي المباشر للزيادة تقدر بحوالي9.5 سنة. غير ان هذا المقياس لا يعكس الصورة الكاملة، لان زيادة النشاط الاقتصادي وما ينتج عنه من ارتفاع في ارباح الشركات، وزيادة الايرادات الضريبية الاخرى، وتحسن مستويات التشغيل، وارتفاع مساهمات الضمان الاجتماعي، ومن المضاعف الاقتصادي البالغ 200 مليون دينار تقريبا، تسهم جميعها في توليد نشاط اقتصادي سنوي يعادل او يفوق قيمتها المالية ، كأن الزيادة تعيد تدوير ما يقارب قيمتها السنوية داخل الاقتصاد من خلال الطلب المحلي والأثر المضاعف. لذلك، لا ينظر الى تحسين الرواتب والاجور والتقاعدات باعتبارها مجرد نفقات جارية، بل استثمارا اقتصاديا واجتماعيا. فالزيادة تعيد خلال عام واحد توليد نشاط اقتصادي يقترب من قيمتها السنوية، في حين يمتد أثرها الاجتماعي والمعيشي لسنوات من خلال تحسين القدرة الشرائية وتعزيز الاستقرار الاسري ودعم الانفاق على التعليم والصحة ورفع جودة الحياة.





