حرب “لا سلم ولا حرب”: كيف يدير ترامب الأزمة بالوهم والحرب النفسية
#سواليف
حرب “لا سلم ولا حرب”: كيف يدير ترامب الأزمة بالوهم والحرب النفسية
فخ “اليأس الاستراتيجي”: هل تدفع الضربات الأمريكية إيران نحو خيار شمشون
عدنان الروسان
في منطق التاريخ، لا تُقاس المعارك بعدد الصواريخ التي سقطت ليلة أمس، بل بالعمق الحضاري الذي يستوعب الصدمة. حين تواجه حضارة الخمسة آلاف عام عقلية الـ ‘بزنس’ اللحظية الناشئة قبل قرنين ونصف، يتحول القصف العسكري إلى تفصيل هامشي أمام ‘صراع النفس الطويل’. نحن لا نشهد مجرد جولة قصف متبادل في الشرق الأوسط، بل نشهد صداماً بين عقلية تدير الأزمات بنظام ‘المياومة’ وساعة بساعة، ودولة تحيك استراتيجيتها كالسجاد العجمي، عقدة تلو عقدة، متأرجحة بين الصبر الاستراتيجي وخطر اليأس الإقليمي الحارق.
من ناحية، نفذ ترامب تهديده وقام بقصف الأراضي الإيرانية في أكثر من منطقة الليلة الماضية، وفي المقابل جاء الرد الإيراني ضعيفاً إلى حد كبير. طبعاً، لا أحد يعرف على وجه الدقة مجريات التفكير الإيراني في الرد، ولا كواليس الفعل الأمريكي في الضرب؛ فترامب يضرب وهو غير مطمئن للنتائج، لذلك يبدو حذراً جداً في انتقاء أهدافه، لأنه لا يريد الدخول في حرب مفتوحة.
لكن ترامب يقول إنه سيضرب الليلة أيضاً، أي أنه يصر على استمرار القصف حتى توافق إيران على الشروط الأمريكية. قد ينقلب هذا السيناريو إلى نسق عمليات دائم (لا سلم ولا حرب)، يحاول ترامب من خلاله إنهاك إيران، واستنزاف الالتفاف الشعبي حول الحكومة، مما قد يمهد لخلق ثورة شعبية تقلب النظام من الداخل وفق التفكير الأمريكي.
سلاح “الاتصال المزعوم” والحرب النفسية
طبعاً، ترامب صرنا نعرفه تماماً.. فهو يمهد لإيجاد عذر لوقف القصف عندما يرى أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة (كأن تقوم إيران بضرب إسرائيل ضربات قوية تشل الحياة في الكيان كما حدث سابقاً، أو أن يقوم الحوثيون بإغلاق مضيق عدن والبحر الأحمر).
لذلك صرّح اليوم بأن قيادات إيرانية اتصلت به ليلة أمس في غرفة العمليات وطلبوا منه وقف القصف على بلادهم وأبدوا رغبتهم في التعاون معه! وهنا يتوجب علينا الحذر كثيراً في التحليل:
أولاً: الذين يعرفون أرقام الاتصال المباشر بالرئيس الأمريكي وغرفة العمليات يجب أن يكونوا من قادة الصف الأول في القيادة الإيرانية (المرشد، رئيس الجمهورية، قائد الحرس الثوري، أو وزير الخارجية). هؤلاء هم فقط من يملكون قنوات اتصال كهذه، وعلى مستوى التحليل السياسي والأمني، من المستحيل أن يتواصلوا مع ترامب عبر قنوات خلفية في ليلة قصف.
إذن، من الذي اتصل بترامب؟
لا أحد..
هو يقول ذلك ليحقق أمرين:
إحداث شرخ داخل القيادة الإيرانية وبث الشكوك والريبة بينهم.
إيجاد مخرج وعذر لوقف القصف والحرب مستقبلاً، محتجاً بالنزول عند رغبة “أصدقائه” في القيادة الإيرانية.
طبعاً، إيران ليست دولة وليدة كأمريكا؛ فعمر أمريكا لم يتجاوز مائتين وخمسين عاماً (تتمها في الرابع من تموز المقبل)، بينما إيران يمتد عمرها لخمسة آلاف سنة كقومية وألف وخمسمائة سنة كحضارة إسلامية، وبالتالي فإننا أمام “مشهد طفولي” يعكس السلوك الارتجالي للرئيس الأمريكي.
الواقعية السياسية وحالة الاستعصاء
في الواقعية السياسية، علينا أن ننظر إلى المشهد بعيداً عن العواطف والشخصنة. المشهد يشي بأن الأمريكيين وصلوا إلى حالة “استعصاء سياسي وعسكري”، ولذلك عادوا إلى حرب دون إعلان رسمي، وإلى ضربات محسوبة بدقة للحفاظ على هدوء إيران ومنعها من الوصول إلى حالة “اليأس الاستراتيجي”، والتي قد تدفعها لضربات عشوائية في كل اتجاه، مما يدخل المنطقة في حالة شديدة الخطورة فعلياً.
ترامب غير مهتم بكأس العالم، ولا بالانتخابات النصفية، ولا بهزيمة الحزب الجمهوري؛ ترامب مهتم بـ “ترامب” فقط! وتصرفاته في المنطقة ومع الزعماء وحلفائه في أوروبا والناتو تؤكد أن العالم أمام رجل مستعد للإقدام على أفعال غير عقلانية. لا يهمه أن يُدمر الخليج أو يتوقف النفط، أو أن يرتفع غالون البنزين على المواطن الأمريكي إلى خمسة دولارات.
لقد تقطعت السبل بالرئيس الأمريكي وهو جالس في البيت الأبيض، محاطاً بمجموعة من الوزراء غير المهنيين الذين يفتقرون للخبرة السياسية والعسكرية، ويديرون الأزمة يوماً بيوم وساعة بساعة.
خيار “قلب الطاولة”
إيران وضعها ليس مريحاً بالتأكيد، لكنها لا تملك خيارات كثيرة؛ وهي بحاجة ماسة اليوم إلى امتلاك الشجاعة ومحاولة قلب الطاولة على الجميع ولو كان الثمن غالياً، وإلا فسينتهي بها المطاف في سيناريوهات شبيهة بالفلسطينيين أو الألمان أو فنزويلا.
الموقف شديد التعقيد، لكن على إيران أن تأخذ بعين الاعتبار أن الوقت بقدر ما هو في صالحها، قد ينقلب ضدها في لحظة ما إذا لم تقم بعملية خلط أوراق كبرى عبر ضرب إسرائيل بقوة. إنه الخيار الوحيد والمجرب الذي يمكن أن يشكل ضغطاً حقيقياً لوقف الحرب وسحب القوات من المنطقة.
هل تعتقدون أن المنظومة الأمنية الأمريكية (البنتاغون والمخابرات) ستسمح لترامب بالاستمرار في هذا المسار “الارتجالي” إذا بدأت المصالح النفطية الكبرى بالاحتراق فعلياً؟
هذا المحتوى حرب “لا سلم ولا حرب”: كيف يدير ترامب الأزمة بالوهم والحرب النفسية ظهر أولاً في سواليف.



