حرب إيران تفقد الذهب بريقه.. ما سر تراجع الطلب العالمي رغم اشتعال المنطقة؟
تابع المقالة حرب إيران تفقد الذهب بريقه.. ما سر تراجع الطلب العالمي رغم اشتعال المنطقة؟ على الحل نت.
في مفارقة لافتة قلبت المعادلات التقليدية للأسواق المالية، لم تنجح الحرب الدائرة في إيران في تعزيز الإقبال على شراء الذهب باعتباره الملاذ الآمن الأول، بل أسفرت، بشكل غير مسبوق، عن كسر “شهية” الشراء العالمية للمعدن الأصفر، وذلك في واحدة من أكثر النتائج العكسية للصراعات الجيوسياسية في العقود الأخيرة.
فمنذ تصاعد العمليات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من ناقلات النفط، لم تشهد الأسواق ارتفاعاً مضطرداً في أسعار الذهب كما كان متوقعاً، بل سجلت الأونصة تراجعاً حاداً ومستمراً.
هبوط حاد يكسر التوقعات
وفقاً لبيانات منصة “بلومبرغ” و”مجلس الذهب العالمي” الصادرة في 25 آذار/ مارس الجاري، انخفض سعر الذهب الفوري من أعلى مستوى له هذا العام عند 5,595 دولاراً للأونصة، مسجلاً 4,420 دولاراً في تعاملات 28 آذار، أي بتراجع نسبته 21 بالمئة خلال خمسة أسابيع فقط، وهو أكبر انخفاض ربع سنوي منذ العام 2021.

ولم يكن هذا التراجع مجرد تصحيح فني، بل انعكاساً لتحول جذري في سلوك كل من المستثمرين المؤسسيين والبنوك المركزية، الذين اضطروا إلى تسييل حيازاتهم من الذهب لتوفير سيولة عاجلة جراء تداعيات الحرب.
وكسرت حرب إيران شهية الشراء العالمية على نحو غير مباشر؛ فكلما ارتفع الذهب أكثر، تراجع طلب المستهلكين، وازداد حذر المستثمرين الكبار، وخصوصاً عندما تصبح الأسعار نفسها حاجزاً أمام مزيد من الدخول إلى السوق، فقد تراجعت مشتريات المشغولات الذهبية 18بالمئة تحت ضغط الأسعار المرتفعة، وانهارت في الصين 24 بالمئة إلى أدنى مستوى منذ 2009.
البنوك المركزية بين الشراء والتسييل
أظهرت البيانات خلال السنوات الأخيرة أن نحو 95 بالمئة من البنوك المركزية كانت تتجه نحو زيادة احتياطياتها من الذهب، في إطار استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز الاستقرار المالي.
فرضت الحرب في إيران استثناءات جزئية على هذا المسار، خصوصاً بالنسبة للدول التي تواجه ضغوطاً نقدية حادة أو نقصاً في العملات الأجنبية، ما قد يدفعها إلى تسييل جزء محدود من احتياطياتها لتغطية احتياجات عاجلة، مثل تمويل واردات الطاقة أو دعم العملات المحلية.
في هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن تداعيات الحرب في إيران أعادت تشكيل أولويات الأسواق العالمية بصورة لافتة، مؤكداً أن هذه التطورات الجيوسياسية دفعت المستثمرين وصناع القرار النقدي إلى إعادة تقييم أدوات التحوط التقليدية، وفي مقدمتها الذهب الذي استعاد موقعه كأحد أبرز ملاذات الأمان في أوقات الاضطراب وعدم اليقين.
الذهب.. خط الدفاع الأخير
أوضح عمر أن البنوك المركزية، رغم لجوئها في بعض الحالات الاستثنائية إلى بيع جزء محدود من احتياطياتها لتأمين سيولة عاجلة، فإنها تتعامل مع هذه الخطوة بحذر شديد، نظراً لكون الذهب يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على القيمة على المدى الطويل، إلى جانب دوره المحوري في التحوط من التضخم والمخاطر الاقتصادية المتصاعدة.

وأضاف أن الذهب يُعد بمثابة خط الدفاع الأخير للسياسات النقدية، إذ يحتفظ بقدرته على الصمود حتى في ظل تراجع الثقة في الأسواق أو اضطراب العملات، وهو ما يمنحه صفة الأداة السيادية التي يصعب التفريط بها، مشيراً إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية يدفع البنوك المركزية غالباً إلى التمسك باحتياطياتها من الذهب أو زيادتها، بدلاً من الاتجاه إلى بيعها، لأن أي تخفيض كبير في هذه الاحتياطيات قد يُفسر كإشارة ضعف، بما ينعكس سلباً على ثقة الأسواق ويزيد من حدة التقلبات المالية.
وبيّن أن الاتجاه السائد خلال السنوات الأخيرة كان يميل بوضوح نحو تعزيز حيازات الذهب، حيث أظهرت تقديرات أن نحو 95 بالمئة من البنوك المركزية كانت تتوقع زيادة احتياطياتها ضمن استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز الاستقرار المالي.
بيع محسوب تحت ضغط الأزمة
غير أن الحرب في إيران فرضت واقعاً أكثر تعقيداً، إذ دفعت بعض الدول، لا سيما تلك التي تواجه ضغوطاً نقدية حادة أو نقصاً في العملات الأجنبية، إلى تسييل جزء محدود من احتياطياتها لتغطية احتياجات عاجلة، مثل تمويل واردات الطاقة أو دعم العملات المحلية.
عمليات البيع في هذه الحالة لا تتم بشكل عشوائي، بل تخضع لحسابات دقيقة وتُنفذ تدريجياً وعلى مراحل، بهدف تجنب إحداث صدمات في الأسواق أو التسبب في تراجع حاد للأسعار، مستشهداً بتجربة تركيا التي باعت نحو 60 طناً من الذهب لدعم عملتها وتعزيز السيولة.
الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر
وأشار إلى أن هذه العمليات قد تؤدي إلى زيادة المعروض في الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس أحياناً في صورة تراجعات مؤقتة في الأسعار، مختتماً بالتأكيد على أن بيع الذهب في مثل هذه الظروف لا يعكس تحولاً استراتيجياً بقدر ما يمثل إجراءً تكتيكياً قصير الأجل لإدارة الأزمات، مشدداً على أن المعدن الأصفر سيظل أداة مالية سيادية تحتفظ بأهميتها في حماية الاقتصادات من الصدمات الكبرى، مع توقع عودة البنوك المركزية إلى تعزيز احتياطياتها منه بمجرد انحسار الضغوط واستعادة قدر من الاستقرار في الأسواق العالمية.
نزيف الصناديق وتحوّل السيولة
إلى جانب تحركات البنوك المركزية، تأتي بيانات صناديق المؤشرات المتداولة للذهب (ETFs) لتؤكد هذا الاتجاه غير المسبوق، فوفقاً لتقرير صادر عن “رويترز”، سجلت الصناديق العالمية تدفقات خارجة بلغت نحو 48 طناً خلال الأسبوعين الأخيرين وحدهما، وهو أعلى مستوى للبيع منذ بداية الحرب في أوكرانيا.

وكانت أكبر عمليات التصفية في صناديق أميركا الشمالية وأوروبا، حيث فضّل المستثمرون الاحتفاظ بالنقد أو اللجوء إلى سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل التي أصبحت تدر عوائد حقيقية إيجابية للمرة الأولى منذ سنوات، فهذا التحول في الطلب، إلى جانب الإعلان عن اكتشاف منجم ذهب جديد في الصين يُقدر احتياطيه بنحو 328 طناً، وفق ما نقلته وكالة “شينخوا” آذار/ مارس الجاري، زاد من الضغوط الهيكلية على الأسعار.
وفي خلاصة هذا المشهد، يمكن القول إن حرب إيران لم تقتل “شهية” شراء الذهب فحسب، بل كشفت عن هشاشة الفرضية القائلة بأن الملاذات الآمنة تظل مطلوبة دائماً في أوقات الخطر، فالحرب نفسها، بارتفاع تكاليفها النفطية والمالية، قد تصبح السبب في تجفيف السيولة المتاحة للشراء، وتحويل الذهب نفسه من ملاذ إلى مصدر تمويل اضطرارى.
- حرب إيران تفقد الذهب بريقه.. ما سر تراجع الطلب العالمي رغم اشتعال المنطقة؟
- مسيرات من العراق تستهدف قواعد شرق سوريا.. هل تُدفع دمشق إلى صراع إقليمي؟
- خلاف إيراني حاد بين الرئيس والحرس الثوري.. وتحذيرات من انهيار اقتصادي وشيك
- قادمة من إيران.. إحباط تهريب مواد كيميائية مموهة كغذاء في اليمن
- ثمن الحرب.. خسائر “حزب الله” تتصاعد ومعاناة اللبنانيين تتفاقم
تابع المقالة حرب إيران تفقد الذهب بريقه.. ما سر تراجع الطلب العالمي رغم اشتعال المنطقة؟ على الحل نت.





