حرب الصفقة بين الصمود الاستراتيجي والقوة العسكرية
تتجلى معضلة الحرب الراهنة في كونها لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّلت إلى أداة تفاوضية تُدار بقدر كبير من الحسابات السياسية والاستراتيجية. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز سعي دونالد ترامب المبكر إلى فرض “صفقة” سريعة تخدم أجندته، في محاولة لتحقيق إنجاز سياسي يمكن تسويقه داخليًا وخارجيًا. غير أن هذا التوجه يصطدم بطبيعة الصراعات المعقدة، حيث لا يمكن اختزالها في اتفاق سريع أو نتيجة فورية.
تدرك إيران هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك تتبنى استراتيجية تقوم على إضعاف فرص نجاح هذا المسار، ليس عبر المواجهة المباشرة فقط، بل من خلال إطالة أمد الصراع واستنزاف خصومها. فبالنسبة لطهران، لا تكمن الخسارة الكبرى في استمرار الحرب، بقدر ما تكمن في القبول بشروط قد تُقوّض نفوذها الإقليمي وتعيد تشكيل موقعها في موازين القوى.
في المقابل، تساهم التصريحات المتضاربة الصادرة عن واشنطن في خلق حالة من الغموض الاستراتيجي. هذا التذبذب لا يقتصر تأثيره على الرأي العام، بل يمتد ليؤثر في حسابات الخصوم، الذين قد يرون فيه مؤشرًا على غياب الحسم أو ضعف الإرادة السياسية. وهنا، يصبح الصمود بحد ذاته مكسبًا، حتى لو لم يتحقق نصر ميداني واضح.
أما إسرائيل، وخصوصًا التيار اليميني بقيادة بنيامين نتنياهو، فتبدو من أكثر الأطراف استفادة من إطالة أمد الحرب. فالحروب الطويلة تمنح هذا التيار فرصة لتعزيز خطابه الأمني، وترسيخ شرعيته السياسية، إلى جانب تحقيق مكاسب ميدانية تدريجية قد يصعب انتزاعها في تسوية سريعة.
ورغم أن إيران تتحمل العبء الأكبر على المدى القريب—من حيث الاستنزاف العسكري والاقتصادي والضغط على بنيتها الداخلية—إلا أنها تراهن على أن هذه الكلفة، مهما ارتفعت، تظل أقل من كلفة التراجع الاستراتيجي. وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة حقيقية: فإما تحقيق إنجاز سريع يعزز صورتها الدولية، أو الانزلاق في حرب طويلة قد تُضعف مكانتها وتُقوّض مصداقيتها.
في ضوء ذلك، تبدو الحرب وكأنها تدور “من أجل الصفقة”، لكن paradoxically، كلما طال أمدها، ابتعدت فرص الوصول إلى تلك الصفقة. وهكذا، تتحول المعركة من صراع على الأرض إلى صراع على الزمن، حيث يحاول كل طرف توظيف عامل الوقت بما يخدم مصالحه، في انتظار لحظة التوازن التي قد تفرض في النهاية شكل وحدود هذه الصفقة!




