حرب المضائق بين النظرية والتطبيق
إياد مهدي عباس
لم يكن التفوق العسكري والتكنولوجي وحده كافياً لحسم المعارك البحرية وتحقيق النصر فيها، بل لعبت الجغرافية -وخاصةً المضائق والممرات البحرية- دوراً حاسماً في رسم معادلات القوة في الصراع الدولي، فهذه الممرات الضيقة التي تبدو صغيرة على الخريطة تتحول في أوقات الأزمات إلى نقاط اختناق تتحكم بمصير التجارة العالمية وأمن الطاقة.
وربما تستطيع دولة أو قوة إقليمية معينة، بحكم موقعها الجغرافي على المضيق، أن تؤثر بشكل مباشر في حركة التجارة الدولية أو تُحدث أزمة اقتصادية وسياسية عالمية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية شاملة، فمنذ أن تعلّم الإنسان ركوب البحار واستثمارها اقتصادياً وعسكرياً، عملت المضائق والممرات كشرايين تجارية وعسكرية شكلت نقاط تحكم في حركة السفن والإمدادات التجارية والاقتصادية في مختلف مناطق العالم، مما أدى إلى نشوء نزاعات دولية مستمرة من أجل السيطرة عليها.
ففي فترة ما قبل التاريخ، شهدت بعض هذه المضائق والممرات البحرية سلسلة من الحروب، من أشهرها الحروب (البونيقية)، وهي حروب كبرى دارت بين قوتين عظيمتين في العالم القديم: روما وقرطاج، وكان مضيق صقلية الذي يفصل بين صقلية وشمال أفريقيا مسرحاً لتلك الحروب الطويلة التي أدت إلى صعود روما كقوة عظمى في البحر المتوسط، وانهيار قرطاج وتراجعها بعد أن أحكمت روما قبضتها على المضيق الذي كان يمثل نقطة الصراع بين القوتين، فهذه الحروب تُعد من أهم الصراعات في التاريخ القديم إذ شكّلت بداية الهيمنة الرومانية على البحر المتوسط، كاشفةً عن أهمية المضائق في حسم الصراعات البحرية. وفي نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، برزت نظريات عدة بيَّنت أهمية السيطرة على هذه المنافذ البحرية ودورها في التحكم بالملاحة العالمية، فكان الأدميرال ألفريد ماهان أبرز من كتب عن هذا الموضوع في كتابه (تأثير القوة البحرية على التاريخ)، إذ رأى أن السيطرة على البحار تمثل مفتاح الهيمنة العالمية، وأن القوة البحرية لا تُبنى فقط على الأساطيل والسفن بل على التحكم بالمواقع الجغرافية البحرية، معتبراً تلك المواقع عناصر هامة في تأسيس قوة بحرية فاعلة.
لذلك شكلت آراء ألفريد ماهان دافعاً قوياً في رسم سياسات الدول الكبرى ومن ثم توسيع نفوذها البحري، وبما أن ماهان كان ضابطاً بارزاً في البحرية الأمريكية ومؤرخاً استراتيجياً فيها، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أول من تبنت أفكاره واتخذتها منطلقاً في تطوير أسطولها البحري، وعملت على بناء قوة بحرية ضخمة تمكنت من خلالها من توسيع نفوذها وبسط سيطرتها على جزر عالمية مهمة ذات موقع استراتيجي مميز، كجزيرة هاواي وجزر أخرى في المحيطين الهادي والأطلسي جعلت منها قواعد عسكرية ومقرات لأسطولها فيما بعد.
كما تبنت دول أخرى مفاهيم ماهان وجعلت من نظريته دليلاً لبناء وترسيخ قوتها البحرية، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان. وبحسب هذه النظرية، فإن هذه النقاط الاستراتيجية البحرية تمثل “مفاتيح البحار”، ومن يسيطر عليها يمتلك القدرة على خنق خصومه اقتصادياً وعسكرياً.
ومن خلال الواقع الفعلي والتطبيقي لهذه النظرية، نجد أن المضائق البحرية كانت وما زالت تمثل محور الصراع العالمي، فعلى سبيل المثال يشهد الشرق الأوسط اليوم صراعاً مسلحاً في منطقة الخليج العربي ومضيقي هرمز وباب المندب، إذ كان لهذين المضيقين الدور المحوري في هذا الصراع الدائر بين أمريكا وحلفائها من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفائها من جهةٍ أخرى، وقد تطور هذا الصراع بشكل متسارع خصوصاً بعد الاعتداء الإسرائيلي الأمريكي الأخير على إيران، مما دفع الإيرانيين إلى اتخاذ قرار بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وإيقاف تصدير النفط والبضائع من خلاله، وبهذه الخطوة تمكنت إيران من تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط اقتصادية وسياسية ضد خصومها، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً نتيجة توقف إمدادات النفط عن التدفق إلى دول العالم وخاصةً الدول الصناعية، مما شكل عامل ضغط كبير على الإدارة الأمريكية وحلفائها، الأمر الذي دفعها إلى إيقاف التصعيد والتوجه نحو التفاوض.
لذلك فإن أي صراع عسكري يدور حول المضائق العالمية لا يقتصر تأثيره على رقعة الصراع الجغرافية فحسب، إنما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي برمته، فيخلق أزمة كبيرة تهدد اقتصاديات الدول وأمن شعوبها، فالنفط ومشتقاته ومصادر الطاقة الأخرى تقف في مقدمة قائمة الاحتياجات اليومية للدول الصناعية، لذا من مصلحة هذه الدول استمرار تدفق هذه المادة الحيوية التي تمثل عصب الصناعة العالمية، بالإضافة إلى تنامي قدرات إيران العسكرية وسيطرتها المحكمة على مضيق هرمز ونجاحها في تحويل المضيق من مجرد ممر مائي دولي إلى ورقة ضغط استراتيجية مؤثرة، وبالتالي فإن كل تلك العوامل مجتمعةً أسهمت في خلق نوع من التوازن في ميزان القوى وهو ما عده بعض المراقبين نصراً واضحاً لها.
خلاصة القول إن تاريخ الصراع العالمي أثبت أن المضائق البحرية والممرات المائية ليست مجرد منافذ لعبور البواخر المختلفة، بل تمثل نقاط اختناق استراتيجية تتحكم في تدفق الطاقة والتجارة الدولية، وتُعد أدوات ضغط جيوسياسية تستخدمها الدول لتعزيز نفوذها أو فرض إرادتها على الآخرين.





