حقيبة صفراء كُتبت عليها شارة “غلوفو” (Glovo)، تجرها دراجة نارية من الصنف المُعدَّل ميكانيكيا والذي يسير بسرعة جانحة؛ ذاك نذيرُ شؤم يَدفع مُستخدمي الطريق المغاربة إلى ترديد “دُعاء السفر” وقراءة اللطيف، فمنذ تفشت هذه الظاهرة في شوارع المملكة عادت “حرب الطرق” للاشتعال، وانفجرت مؤشرات حوادث السير والوفيات، وسط تقارير رسمية تسلط الضوء على أرقامٍ مُقلقة في صفوف سائقي الدراجات النارية على وجه الخصوص.
وتشير أحدث المعطيات المتوفرة بخصوص حوادث السير بالمغرب إلى تسجيل ارتفاع في عدد القتلى بلغ نسبة 25.5% خلال سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، ليصل عدد الوفيات إلى أكثر من 4500 شخص. كما تجاوزت الحوادث الجسمانية حاجز 16 ألف حادثة سنوية بزيادة تفوق 12%؛ تشكل الفئات الهشة، كالراجلين ومستعملي الدراجات النارية (ثنائية وثلاثية العجلات)، أكثر من 70 في المئة من مجموع وفياتها.
وبشكل أدق؛ تمثل الحوادث المتعلقة بالدراجات النارية ما بين 43 في المئة إلى 45 في المئة من مجموع قتلى حوادث السير في المغرب، فيما تقفز هذه النسبة لتتجاوز 60 في المئة من إجمالي الوفيات داخل المجال الحضري. كما سجلت قفزة زمنية مقلقة، إذ ارتفعت النسبة الإجمالية لوفيات هذه الفئة من 28.2 في المئة سنة 2015 إلى حوالي 45 في المئة في 2025.
معطيات تتزامن مع تزايد لجوء المستهلكين المغاربة لخدمات التوصيل، ولا سيما تلك التي تقترحها شركة “غلوفو”، والتي ظلت تحتل، منذ وصولها إلى المغرب في سنة 2018، مكانة مهيمنة ونافذة في السوق دفعت مجلس المنافسة للتدخل وفرض اتفاق تسوية معها لإلغاء شروط الحصرية المفروضة من طرفها على المطاعم.
وفي هذا السياق، أكد ناصر الكتاني، رئيس لجنة الرقمنة والابتكار بـ”نادي المسيرين بالمغرب”، أنه قام بحذف تطبيق “Glovo” احتجاجاً على المخاطر التي باتت تتسبب فيها خدماتها على الطريق، مضيفاً أنه “لم يتخذ هذا القرار باستخفاف، فأنا زبون وفي لـGlovo، وقد استخدمت خدماتها لسنوات، بل كنت مشتركًا أيضا في خدمة Prime، لكنني اليوم ألغيت اشتراكي وحذفت التطبيق”.
وأوضح الخبير في الاقتصاد الرقمي السبب وراء قراره؛ “في مدينة الدار البيضاء يتصرف بعض سائقي الدراجات النارية التابعين لـ”غلوفو” وكأن قانون السير لا يعنيهم؛ قطع إشارات المرور الحمراء، السير في الاتجاه المعاكس، تجاهل علامات «قف»، واستخدام الأرصفة كممرات للمرور، مع تجاوزات جنونية، زتغيير الاتجاه دون أدنى اعتبار لبقية مستعملي الطريق”.
وحذر الكتاني من أن يتحول الأمر إلى واقع مقبول ومُتعايشٍ معه؛ “الأخطر من ذلك أننا اعتدنا في النهاية على هذا الأمر، فأنا شخصيا كدت الشهر الماضي أن أصطدم بثلاثة منهم، ليس لأنني كنت أقود بسرعة، بل لأن ثلاثة سائقين، في ثلاث مناسبات مختلفة، ظهروا فجأة في مواقف لم يكن من الممكن منطقيا أن أتوقع فيها سلوكهم، وفي كل مرة، فكرت في أنه لم تكن تفصلنا سوى ثوانٍ قليلة أو بضعة سنتيمترات عن تعرض شخص لإصابة خطيرة أو حتى فقدان حياته”.
وتابع بأن المسألة لم تعد مجرد قضية تتعلق بانعدام اللياقة أو احترام الآخرين، لقد أصبحت مشكلة تتعلق بالسلامة العامة؛ “صحيح أنه ليس كل سائقي التوصيل يقودون بهذه الطريقة، كما أعلم أن عملهم صعب وأنهم يواجهون ضغوطًا وإكراهات كبيرة، لكن ذلك لا يمكن أن يكون عذرًا”، مضيفاً: “عندما تجعل شركة آلاف الأشخاص يتنقلون يوميا داخل مدينة، فإن عليها أيضا مسؤولية بشأن الطريقة التي يُمارس بها نشاطها”.
وطالب الفاعل المدني الشركة بالتعامل مع هذا الموضوع بما يستحقه من جدية، وبما يتناسب مع خطورته، “لأن توصيل طلب لا تتجاوز قيمته بضعة عشرات من الدراهم، لا ينبغي أبدًا أن يكون ثمنه حياة سائق توصيل أو أحد الراجلين أو أحد سائقي السيارات”.
ظهرت المقالة حوادث الدراجات النارية.. هل أشعلت “غلوفو” حرب الطرق بالمغرب مُجدداً؟ أولاً على مدار21.





