حمار قبرصي
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
في زمنٍ كان فيه الطريق إلى ألمانيا يبدأ بحلم سيارة وينتهي بباخرةٍ ترسو في ميناء العقبة، لم يكن أحدٌ يتخيّل أن تدور الأيام حتى يصبح الحمار خيارًا اقتصاديًا يُطرح على طاولة النقاش! فقد انقلبت المعادلة؛ فبعد أن كنّا نفاخر بعدد الأحصنة تحت غطاء المحرك، صرنا نحسب حساب الحمار نفسه، لا لندرته، بل لغلائه.
كان الحمار يومًا عماد الحياة اليومية؛ يحمل الماء والحاجيات، ويقود أصحابه عبر طرقٍ وعرة لا تعرف الرحمة. أمّا اليوم، فقد أصبح ذكره يأتي في سياق النوادر أو الأزمات، خصوصًا مع ارتفاع أسعار البنزين، حين يبدأ العقل، في لحظة صدقٍ اقتصادي، بالتفكير في استيراد حمارٍ من قبرص.
وفي زمنٍ مضى، وقبل انتشار وكالات السيارات، كان من يريد شراء سيارة يشدّ الرحال إلى ألمانيا برفقة سمسار، وهناك يختار الطراز واللون، ويفاوض البائع بخبرة، لتصل السيارة إلى الأردن وكأنها عروس تُزفّ عبر الحدود والبحار.
وكان الشحن يتم بطريقتين رئيسيتين:
الأولى: الشحن البري (قيادة السيارة)، عبر مسار يمر بألمانيا والنمسا والمجر وصربيا وبلغاريا وتركيا، ثم سوريا، وصولًا إلى الأردن.
الثانية: الشحن البحري، وهو الأكثر استخدامًا، حيث تُنقل السيارة إلى أحد الموانئ الألمانية، مثل هامبورغ أو بريمرهافن، ثم تُشحن بحرًا إلى ميناء العقبة.
وقبل ذلك بسنواتٍ أطول، كان لكل بيتٍ حمار، لا بحكم الرفاهية بل الحاجة؛ وسيلةَ نقلٍ أساسية، ورفيقًا للرعاة في طرقٍ لم تعرف الإسفلت، وشريكًا صامتًا في تنقّل العائلات بين المدن شتاءً والبطنان صيفًا.
لكن الزمن تغيّر، واختفت هذه العادة إلى حدٍ كبير، ولم يعد الحمار يُستخدم إلا لدى فئةٍ محدودة، بل أصبح الحديث عن تراجع أعداده في الأردن أمرًا لافتًا.
ومع ارتفاع أسعار البنزين، خطرت لي فكرة، لا أدري أهي ذكية أم يائسة، أن أشتري حمارًا قبرصيًا. فسألت أحد الأصدقاء كثيري السفر عن التكلفة، فجاء الرد ساخرًا:
إن أسعار الحمير في قبرص مرتفعة جدًا؛ فالحمار القبرصي يشتهر بقوته وذكائه العالي وقدرته الفائقة على التكيّف، كما أن صورته حاضرة في كل مكان؛ في الشوارع، وعلى الهدايا التذكارية، ويحظى بمكانة خاصة ومعاملة مميزة.
وينحدر من سلالتين؛ الأولى أوروبية الأصل، وهي حمير ضخمة وداكنة اللون تتميز بشحوبٍ في منطقة البطن. أما السلالة الثانية فأفريقية الأصل، وهي حمير صغيرة الحجم ورمادية اللون.
ونصحني صديقي بالبقاء على سيارتي، وتنظيم المشاوير، أو حتى المشي لما فيه من صحةٍ وتوفير، محذرًا من أن تربية الحمار نفسها ليست بلا كلفة؛ من شعيرٍ وتبنٍ وعلاجٍ بيطري.
وهكذا وجدت نفسي أمام مفارقةٍ ليست في الحمار ولا في السيارة، بل في واقعٍ جعل أبسط وسائل العيش مشروعًا مكلفًا. وحين يصبح التفكير في «العودة إلى الوراء» خيارًا اقتصاديًا، فإن ذلك لا يعكس حنينًا إلى الماضي بقدر ما يكشف خللًا عميقًا في الحاضر. وهكذا طويتُ فكرة الحمار القبرصي، ليس اقتناعًا بالسيارة، بل لأن الحمار نفسه أصبح بحاجة إلى موازنةٍ خاصة. ويبدو أن الزمن الذي كان فيه الحمار وسيلةً للفقراء قد ولى وانتهى.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





