حلمي الأسمر يكتب: قصة عالم يطارد شبحاً ويعانق قنبلة!
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب - حلمي الأسمر
"عن القنبلة التي لا يراها أحد:العالم يطارد شبحاً إيرانياً وينام فوق ترسانة نووية إسرائيلية؛ ويشرف في تسمين مخزون هائل من قنابل يوم القيامة"...؟ثمة شيء مريض في هذا العالم. شيء أعمق من السياسة وأخطر من النفاق وأقرب إلى الجنون الجماعي. فبينما تُحرَّك الأساطيل، وتُهدَّد الشعوب، وتُدفع المنطقة كلها نحو حافة حرب قد تحرق الملايين وتغرق الاقتصاد العالمي وتفتح أبواب الفوضى من مضيق هرمز إلى البحر المتوسط، يُقال لنا إن كل هذا يحدث خوفاً من الخطر النووي. أي خطر نووي؟ قنبلة لم تولد بعد. مشروع ما يزال في دائرة الشكوك والتقديرات والتكهنات. احتمالٌ يُعامل كأنه حقيقة مطلقة. شبحٌ يُستدعى لتبرير كل شيء؛ العقوبات والحصار والتهديدات والحشود العسكرية والاستعداد لحرب قد تبتلع المنطقة بأسرها.
لكن وسط هذا الضجيج الهائل يختفي السؤال الذي لا يريد أحد أن يسمعه: إذا كان العالم يخاف فعلاً من السلاح النووي، فلماذا يبدو مطمئناً إلى كل الأسلحة النووية الموجودة بالفعل؟
كيف يمكن لعالم يرتجف من احتمال ظهور قنبلة جديدة أن يتعايش بهدوء مع ترسانات قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية مرات ومرات؟ وكيف يمكن للسياسيين أنفسهم الذين يتحدثون كل يوم عن الأمن العالمي أن يقودوا في الوقت نفسه أكبر موجة إعادة تسلح نووي منذ نهاية الحرب الباردة؟
في عام واحد فقط، أنفقت الدول النووية ما يقارب مئة وتسعة عشر مليار دولار على أسلحتها النووية. مئة وتسعة عشر مليار دولار. رقم يكفي وحده لفضح الكذبة كلها. الولايات المتحدة وحدها أنفقت أكثر من تسعة وستين مليار دولار لتحديث ترسانتها النووية وتطويرها. الصين تسرّع أكبر توسع نووي في تاريخها الحديث. روسيا تطور أنظمة ردع جديدة. فرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية تواصل تحديث مخزوناتها وبرامجها. العالم لا يتجه نحو نزع السلاح النووي؛ العالم يعيد اكتشاف شغفه القديم بالقنبلة. العالم لا يهدم مسرح يوم القيامة؛ العالم يوسع المسرح ويضيف إليه أضواءً جديدة ومؤثرات أكثر تطوراً.
ومع ذلك يطلبون منا أن نصدق أنهم خائفون.
خائفون ممن؟
من إيران؟
من قنبلة ما تزال في رحم الاحتمالات؟
من مشروع لم يثبت أنه أنتج سلاحاً نووياً؟
بينما يجلس الجميع فوق مخازن القنابل الحقيقية؟
هنا يظهر اسم مردخاي فعنونو، لا باعتباره بطلاً فردياً أو مجرد مسرب أسرار، بل باعتباره الرجل الذي مزق الستارة للحظة قصيرة فرأى العالم ما كان يحاول تجاهله. كان فنياً يعمل داخل ديمونا، داخل المكان الذي طالما أحاطته إسرائيل بالغموض والسرية. رأى بعينيه ما يجري هناك، وحمل صوره ووثائقه إلى الصحافة البريطانية، ليقول للعالم إن القوة النووية التي يتظاهر الجميع بعدم رؤيتها موجودة بالفعل. لم يكشف فعنونو مجرد منشأة. لم يكشف مجرد برنامج. لقد كشف التناقض الأخلاقي الأكبر في الشرق الأوسط والعالم.
وماذا كان الرد؟
هل اندفع العالم للتحقيق في ما كشفه؟
هل فُرضت عقوبات على إسرائيل؟
هل تحرك مجلس الأمن؟
هل امتلأت الشاشات بخبراء يتحدثون ليل نهار عن الخطر النووي الإسرائيلي؟
هل أبحرت حاملات الطائرات نحو ديمونا؟
هل فُرض حصار اقتصادي؟
هل جرى الحديث عن تهديد وجودي للسلام العالمي؟
لم يحدث شيء من ذلك.
الذي حدث أن الموساد استدرجه إلى روما، واختطفه، ونقله سراً إلى إسرائيل. والذي حدث أن إسرائيل حاكمته خلف أبواب مغلقة. والذي حدث أن إسرائيل سجنته ثمانية عشر عاماً كاملة، أكثر من أحد عشر عاماً منها في العزل الانفرادي. والذي حدث أن الرجل الذي كشف القنبلة أصبح هو المجرم، بينما بقيت القنبلة نفسها خارج الاتهام. كأن المشكلة لم تكن في السلاح النووي، بل في الشخص الذي تجرأ على الحديث عنه.
ومنذ ذلك اليوم لم يتغير شيء سوى ازدياد حجم المفارقة.
العالم الذي يطارد اليوم الشبح النووي الإيراني هو نفسه العالم الذي تعايش لعقود مع الترسانة النووية الإسرائيلية. والعالم الذي يتحدث عن منع الانتشار النووي هو نفسه العالم الذي ينفق مئة وتسعة عشر مليار دولار سنوياً على تطوير أسلحة نووية جديدة. والعالم الذي يطالب الآخرين بالخضوع للرقابة والتفتيش هو نفسه العالم الذي تعلم كيف ينظر بعيداً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
وهنا تتكشف الحقيقة العارية التي حاول فعنونو أن يصرخ بها قبل أربعين عاماً: المشكلة لم تكن يوماً في القنبلة نفسها. لو كانت المشكلة في القنبلة لكانت كل القنابل متساوية. ولو كانت المشكلة في السلاح النووي لكانت كل الترسانات النووية موضع خوف وإدانة ومساءلة. ولو كانت المشكلة في الأمن العالمي لما أنفقت الدول النووية ثروات هائلة على تطوير أدوات الفناء الجماعي. لكن المشكلة الحقيقية كانت دائماً في هوية من يملك القنبلة. هناك قنبلة تُعتبر تهديداً قبل أن توجد، وهناك قنبلة موجودة بالفعل يُطلب من العالم ألا يراها. هناك دول تُحاصر بسبب ما قد تفعله غداً، ودول تُحمى سياسياً رغم ما تملكه اليوم. وهناك رجل كشف الحقيقة فعوقب، بينما بقيت الحقيقة نفسها محصنة خلف جدران القوة والنفوذ.
لعل أكثر ما يدعو إلى الرعب ليس وجود القنبلة، بل اعتياد العالم عليها. ليس امتلاك السلاح النووي، بل قبول امتلاكه عندما يكون في الأيدي المناسبة سياسياً. وليس الحديث عن يوم القيامة، بل الاستعداد له بميزانيات مفتوحة وجيوش متأهبة وخبراء يطوّرون كل عام طرقاً أكثر كفاءة لإنهاء الحياة على الأرض.
ربما ظن فعنونو أن كشف الحقيقة سيوقظ الضمير العالمي. لكنه اكتشف ما هو أكثر فظاعة. اكتشف أن الضمير كان مستيقظاً منذ البداية. كان يعرف. كان يرى. كان يحصي الرؤوس النووية ويعرف مواقعها وقدراتها. ثم قرر أن يصمت.
ولهذا لا تبدو المأساة اليوم في أن العالم يخاف من قنبلة إيرانية محتملة، بل في أنه لا يخاف بالقدر نفسه من القنابل الموجودة فعلاً. ولا تبدو الفضيحة في أن السياسيين يتحدثون عن الأمن العالمي، بل في أنهم يفعلون ذلك بينما ينفقون مئات المليارات على صناعة الفناء. ولا تكمن الكذبة في الحديث عن منع الانتشار النووي، بل في الادعاء أن القاعدة تطبق على الجميع.
إنها قصة عالم يطارد شبحاً ويعانق قنبلة.
عالم يسجن من يكشف الحقيقة ويكافئ من يحتكرها.
عالم يتحدث عن منع يوم القيامة بينما ينفق ثروة كاملة للاستعداد له. وعالم لا يخشى القنبلة بقدر ما يخشى أن يمتلكها الشخص الذي يراه أنه هو الشخص الخطأ.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



