كتب - حلمي الأسمر
ثمة مفارقة هائلة في المشهد الأمريكي الراهن: رجل وصل إلى البيت الأبيض عبر صناديق الاقتراع، في الدولة التي قادت العالم قرابة قرن وقدمت نفسها بوصفها الحارس الأكبر للنظام الديمقراطي الدولي، لكنه يتصرف مع مؤسسات بلاده وحلفائها كما لو أن أخطر كلمة يمكن أن يسمعها هي: «لا». هنا لا تكمن المسألة في شخصية دونالد ترامب وحدها، ولا في كونه رئيساً قوياً أو صدامياً؛ المسألة تبدأ عندما يتحول الولاء للرئيس إلى معيار للولاء للدولة، وعندما تصبح المؤسسات التي يفترض أن تقول له «لا» مطالبة بالبحث عن أسباب لقول «نعم».
الديمقراطية لا تُقاس فقط بمن يفوز في الانتخابات. الانتخابات تمنح الرئيس شرعية الوصول، لكنها لا تمنحه ملكية الدولة. جوهر النظام الديمقراطي أن يجد الرئيس أمامه قاضياً يستطيع أن يوقفه، وبرلماناً يستطيع أن يرفض طلبه، وموظفاً يستطيع أن يقول إن القرار مخالف للقانون، وصحافة تستطيع أن تهاجمه، وحتى أعضاء في حزبه يستطيعون أن يختلفوا معه. قوة الرئيس الديمقراطي لا تظهر عندما يطيع الجميع؛ تظهر عندما يستطيع أن يسمع «لا» ويبقى النظام واقفاً.
وهنا يصبح ترامب اختباراً تاريخياً للديمقراطية الأمريكية. فالرجل يميل إلى تحويل الخلاف السياسي إلى مسألة ولاء شخصي، ويضع المؤسسات والحلفاء أمام معادلة قاسية: إما أن تتكيف مع إرادته أو تتحمل كلفة مواجهته. والخطر هنا ليس أن يصبح ترامب «دكتاتوراً» بالمعنى التقليدي؛ فهذا وصف يحتاج إلى دقة لا تسمح بها الوقائع بسهولة. الخطر الأعمق أن تتآكل تدريجياً قدرة النظام على مقاومة الرئيس المنتخب، حتى تبقى المؤسسات موجودة بأسمائها، بينما تفقد استقلالها الفعلي.
انظر الى المستنقع الذي يسبح فيه اليوم في حربه مع إيران، بل لم يعد يسبح فيه وحده، لانه جر العالم كله إلى الغوص في طين هذا المستنقع؛ ومن هنا فإن قصة ترامب لا تتوقف عند حدود أمريكا. هنا تبدأ المفارقة الأخطر: الرجل الذي يريد أن يسمع «نعم» من مؤسسات بلاده يريد الشيء نفسه تقريباً من العالم. والحلفاء الذين تعاملوا طوال عقود مع الولايات المتحدة باعتبارها الركيزة الأكثر ثباتاً للنظام الغربي بدأوا يعيدون حساباتهم. أوروبا تتحدث بجدية أكبر عن بناء قدرات دفاعية مستقلة، وكندا أصبحت أكثر تشككاً في قابلية العلاقة الأمريكية-الكندية لأن تبقى مسلّمة تاريخية، وحلفاء آسيا يوسعون خياراتهم، فيما بدأت دول عديدة تتعامل مع احتمال أن تكون واشنطن أقل قابلية للتنبؤ وأكثر تقلباً من أي وقت مضى.
والأهم أن الحلفاء لم ينفضوا عن أمريكا فعلاً، وهذه نقطة ينبغي ألا نبالغ فيها. التحالفات الأمريكية ما زالت قوية، والمصالح المتبادلة عميقة، والقوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية لا تزال هائلة. لكن شيئاً أخطر بدأ يحدث: الحلفاء يتعلمون كيف يستعدون لاحتمال ألا تكون أمريكا كما عرفوها.
وهذا فرق استراتيجي هائل. فالدولة لا تحتاج إلى مغادرة التحالف حتى تبدأ في تقليل اعتمادها عليه؛ يكفي أن تبدأ ببناء بدائل. عندما تبني أوروبا قدرة دفاعية أكبر، وعندما توسع دول الخليج علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع الصين وروسيا وأوروبا وتركيا، وعندما يتحوط حلفاء آسيا بين واشنطن وبكين، فإنهم لا يعلنون القطيعة مع أمريكا، بل يفعلون شيئاً أكثر براغماتية: ينقلون أنفسهم من الاعتماد على حليف واحد إلى توزيع المخاطر بين عدة قوى.
وهنا يمكن فهم التحول الخليجي بصورة خاصة. دول الخليج التي عاشت عقوداً تحت المظلة الأمنية الأمريكية لا تتخلى عن واشنطن؛ فهي تعرف وزنها العسكري والتكنولوجي والمالي. لكنها لم تعد تريد أن يكون أمنها ومستقبلها معلقين بالكامل بإرادة رئيس أمريكي واحد. لذلك توسع شراكاتها وتفتح قنواتها مع القوى الأخرى وتبني شبكة أوسع من العلاقات. إنها لا تبحث بالضرورة عن «بديل لأمريكا»؛ إنها تبحث عن تأمين ضد احتمال تقلب أمريكا.
وقد تختصر الحكمة الشعبية القاسية هذا التحول كله: «اللي متغطّي بأمريكا بردان!»
ربما تبدو العبارة ساخرة، لكنها تحمل معنى استراتيجياً بالغ العمق. فالمظلة الأمريكية كانت لعقود مصدر طمأنينة: تستطيع الدولة أن تبني حساباتها وهي تفترض أن القوة الأمريكية موجودة، وأن الالتزام الأمريكي سيستمر، وأن قواعد اللعبة لن تتغير جذرياً مع كل رئيس. أما إذا بدأ الحلفاء يشكون في استمرار المظلة، فإنهم لا ينتظرون سقوطها حتى يبحثوا عن غطاء آخر؛ يبدأون ببناء مظلات إضافية وهم ما زالوا تحتها.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الهيمنة الأمريكية لم تُبنَ على حاملات الطائرات والدولار وحدهما. لقد قامت أيضاً على الثقة. ثقة الحليف بأن واشنطن ستبقى حليفاً، وثقة الأسواق بأن القواعد الأساسية لن تتغير كل صباح، وثقة الخصوم بأن هناك نظاماً يمكن فهم قواعده، وثقة العالم بأن الولايات المتحدة، مهما اختلفت إداراتها، ستظل مرتبطة بالنظام الدولي الذي ساهمت هي نفسها في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية.
لذلك فإن الضرر الاستراتيجي المحتمل من ترامب لا يقاس فقط بالاتفاقات التي ينسحب منها، أو الرسوم التي يفرضها، أو الصراعات التي يدخلها. الضرر الأعمق هو تآكل قابلية العالم للاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها الخيار الذي لا بديل عنه.
وقد يقول المدافعون عن ترامب إن ما يفعله هو العكس تماماً: إنه يجبر الحلفاء على دفع مزيد من المال للدفاع عن أنفسهم، ويطالبهم بتحمل نصيب أكبر من أعباء التحالف، ويعيد توزيع المسؤوليات التي تحملتها واشنطن لعقود. وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن المفارقة الاستراتيجية أن النجاح في دفع الحلفاء إلى أن يصبحوا أقوى يمكن أن يتحول، على المدى الطويل، إلى نجاح في جعلهم أقل اعتماداً على أمريكا.
وهنا يظهر الخطر غير المقصود: إذا أجبرت واشنطن أوروبا على بناء قدرات دفاعية مستقلة، وأقنعت الخليج بضرورة تنويع شراكاته، ودَفعت حلفاء آسيا إلى بناء هوامش مناورة بين واشنطن وبكين، فإنها قد تكون، من حيث لا تريد، تساعد في ولادة العالم الذي لا يحتاج إلى أمريكا بالقدر الذي كان يحتاج إليها من قبل.
وهذا لا يعني أن أمريكا ستنهار. هذه قراءة ساذجة. الولايات المتحدة ما زالت قوة استثنائية، ولا يستطيع رئيس واحد أن يمحو خلال سنوات منظومة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية وتحالفية تراكمت خلال أجيال. كما أن العالم لا يملك حتى الآن بديلاً متكاملاً عن القوة الأمريكية.
لكن التاريخ لا يشترط انهيار القوة العظمى حتى يبدأ تراجعها. أحياناً يبدأ التراجع عندما تفقد القوة العظمى احتكارها لموقع الخيار الذي لا بديل عنه. وعندما تبدأ الدول التي كانت تعتمد عليها في بناء البدائل، لا لأنها تريد إسقاطها، بل لأنها لم تعد واثقة من أنها ستبقى ثابتة.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من ترامب نفسه: هل يستطيع رئيس واحد أن يهدم المكانة الأمريكية التي بُنيت خلال قرن؟ بالتأكيد لا. لكن هل يستطيع أن يطلق عملية تجعل الآخرين يعيدون بناء حساباتهم على أساس أن أمريكا لم تعد ثابتة كما كانت؟ نعم، وهذا أخطر بكثير.
فقد يغادر ترامب البيت الأبيض، وقد يأتي بعده رئيس يعيد ترميم التحالفات، ويطمئن أوروبا، ويعيد بناء الثقة مع كندا، ويهدئ الخليج، ويستعيد بعض الالتزام بالمؤسسات الدولية. لكن إعادة بناء الثقة أصعب بكثير من هدمها. فإذا تعلم العالم أن السياسة الأمريكية يمكن أن تنقلب جذرياً من إدارة إلى أخرى، فسوف يبدأ ببناء تحوطاته على هذا الأساس. وعندها تصبح المسألة إرثاً استراتيجياً يتجاوز ترامب نفسه.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التاريخية الكبرى.
ربما لا يكون ترامب الرجل الذي هدم المعبد. وربما تكون أمريكا أقوى من أن يهدمها رئيس واحد. لكن ترامب قد يكون أول رئيس أمريكي يضرب الفأس علناً في أحد أعمدة المعبد، وهو واقف داخله.
والفأس لا تضرب العمود وحده. صوتها يصل إلى كل من يعيش تحت سقف المعبد: الحليف الأوروبي الذي يبدأ بتقوية سقفه، والدولة الخليجية التي تبحث عن غطاء أكثر دفئاً، والحليف الآسيوي الذي يبني مخارج متعددة، والخصم الذي يرى في اهتزاز الثقة فرصة تاريخية.
وعندها لا يكون السؤال: هل انهار المعبد؟
السؤال الأخطر هو:
كم ممن كانوا يعيشون تحته بدأوا يستعدون للحظة التي قد يسقط فيها؟
وربما هنا سيكتشف «الديمقراطي الذي لا يحتمل كلمة لا» أن أخطر كلمة «لا» لن تأتيه من قاضٍ في واشنطن، ولا من عضو في الكونغرس، ولا من موظف في إدارته.
قد تأتيه من العالم كله.