هل يطالب زيلينسكي المنطقة بالشراكة أم باستيراد صراعاته؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
طرحت زيارة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي إلى عمّان، قبل أسابيع، الكثير من الأسئلة في الأوساط البحثية ولدى أجهزة الاستخبارات. فاللقاء الذي جمعه بالملك عبد الله الثاني في 29 آذار (مارس) الفائت، جاء في لحظة إقليمية حساسة، في خضمّ حرب ضروس بين المحور الغربي وإيران، تسببت بخلط المصالح بين حرب أوكرانيا وتداعيات المواجهة ضد طهران. في تلك الزيارة تقدّمت مقاربة المسيّرات من كونها سلاحًا في ساحة بعيدة، إلى تهديد مباشر للبنى التحتية والقواعد والمنشآت الحيوية في الخليج والأردن. فقد أعلنت الرئاسة الأوكرانية في حينه، أنّ المحادثات تناولت "شراكة محتملة" في القطاع الأمني، وكذلك في الدفاع ضد هجمات المسيّرات والصواريخ، فيما تحدثت تقارير دولية عن إرسال أوكرانيا فرقًا متخصصة إلى الأردن ودول خليجية للمساعدة في اعتراض المسيّرات وتقديم خبرتها القتالية. بهذا المعنى، لم يأت زيلينسكي إلى المنطقة بصفته رئيس دولة تطلب الدعم فقط، بل بصفته ممثلاً لدولة تحاول تسويق تجربتها العسكرية بوصفها "رأسمالاً سياسيًا" قابلاً للتصدير. فكييف التي خاضت حربًا طويلة ضد المسيّرات الإيرانية المستخدمة روسيًا، تريد أن تقول لدول الخليج والأردن إنّها تمتلك خبرة لا توفّرها الأنظمة الغربية الثقيلة والمكلفة وحدها، وهنا تكمن جاذبية العرض الأوكراني. عرض مغرٍ من دفاعات أقل كلفة، وخبرة ميدانية مباشرة، وقدرة على التعامل مع موجات المسيّرات لا مع الصواريخ الباليستية وحدها. إلا أن هذا العرض لم يخلُ من الأثمان السياسية والمحاذير. فالأردن، كما بقية دول الخليج، بنت خلال السنوات الماضية هامشًا دقيقًا بين علاقتها التقليدية بالولايات المتحدة وشراكاتها المتنامية مع قوى أخرى، وفي مقدمتها روسيا. ولذلك فإنّ أيّ تعاون عسكري تقني مع أوكرانيا، إذا تجاوز التدريب أو تبادل الخبرات إلى إنتاج مشترك أو توطين تكنولوجيا دفاعية، لن يُقرأ في موسكو كخطوة تقنية محايدة. بل سوف يُقرأ كتموضع، أو على الأقل كاقتراب من بنية الدعم الغربي لكييف، حتى لو حاولت عمّان تقديمه تحت عنوان حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية. المسألة هنا ليست بحثًا في حق الأردن أو دول الخليج بحماية أمنها من تهديدات المسيّرات، فهذا حقّ بديهي مشروع. لكنّ المسألة تكمن في أنّ كييف تسعى إلى تحويل هذه الحاجة الأمنية إلى شبكة علاقات سياسية وعسكرية طويلة الأمد، تخرج بها من ضيق الاعتماد الكامل على الغرب التقليدي. فمن الرياض إلى أبوظبي والدوحة وعمّان، بدا زيلينسكي وكأنه يفتش عن "جبهة دعم بديلة". عن المال، والتكنولوجيا، والشراكات الدفاعية، وربما أيضًا عن المواقف السياسية القريبة من سرديتها في الحرب مع روسيا. أما في الحالة الأردنية، فتبدو الحسابات أكثر تعقيدًا. عمّان تستضيف وجودًا عسكريًا أميركيًا، وتتعامل مع تهديدات إقليمية مباشرة، وفي الوقت نفسه تحرص على عدم الظهور كطرف في الحرب الروسية ـ الأوكرانية. ولذلك فإنّ أيّ تعاون أوكراني في قاعدة موفق السلطي (الأزرق) أو في ملفّ مكافحة المسيّرات سيطرح سؤالاً حساسًا: هل هو تعاون دفاعي لحماية الأردن، أم جزء من هندسة أميركية أوسع تربط أمن الخليج والأردن بالحرب الدائرة في أوكرانيا؟ من زاوية موسكو، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فروسيا تنظر إلى أيّ توسيع لشبكات الدعم العسكري لكييف، وكأنه جزء من الحرب غير المباشرة ضدها. وعليه، إذا كان الغرب قد استنزف كثيرًا من مخزونه المالي والعسكري في دعم أوكرانيا، فإنّ دخول دول شرق أوسطية على خط الشراكات التقنية أو التمويلية مع كييف قد يُفسَّر روسيًا بأنّه محاولة لتعويض تراجع الزخم الغربي، أو توزيع كلفة الحرب على حلفاء وشركاء جدد، وهذا ما يجعل جولة زيلينسكي الخليجية أبعد من مجرد دبلوماسية دفاعية، وإنما أقرب إلى أن تكون محاولة لإعادة تدوير الحرب الأوكرانية داخل بيئة إقليمية قلقة من إيران، ومحتاجة إلى مظلة من الحماية الجديدة. غير أن الرهان الأوكراني نفسه ليس بلا ثغرات. فخبرة كييف في مواجهة المسيّرات حقيقية، وقد راكمت أوكرانيا أدوات فعالة نسبيًا ضد طائرات "شاهد" الإيرانية وما شابهها. لكن تحويل هذه التجربة إلى نموذج قابل للتصدير، لا يعني تلقائيًا أنّها ستنجح بالفاعلية نفسها في بيئات مختلفة. فطبيعة الجغرافيا، وكثافة الهجمات، وتكامل الرادارات، وطبيعة القرار السياسي والعسكري، كلّها عوامل تجعل نقل التجربة أكثر تعقيدًا من مجرد إرسال خبراء أو توقيع مذكرات تفاهم. كما أنّ الحديث عن توطين إنتاج دفاعي أو إنشاء وحدات قتالية حديثة للمسيّرات، يحتاج إلى تمويل ضخم وإرادة سياسية طويلة النفس، لا إلى ردّ فعل ظرفي على أزمة إقليمية. الأخطر أنّ هذا النوع من الاتفاقات قد يعمّق الاستقطاب داخل المنطقة. فالدول العربية التي حاولت، بدرجات مختلفة، الوقوف على مسافة من الحرب الأوكرانية، قد تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة. فمن ناحية واشنطن تريد من حلفائها أن يساهموا في تخفيف العبء عنها، ومن ناحية أخرى تريد كييف فتح أبواب دعم جديدة، وموسكو تراقب وتعيد تصنيف المواقف. وبين هذه الحسابات، يصبح "الحياد" العربي أكثر هشاشة، ضمن واقع العسكرة على الأرض، وقد يسبق البيانات الدبلوماسية. لذلك، فإنّ زيارة زيلينسكي إلى الأردن ودول الخليج، كشفت تحولاً لافتًا في الحرب الأوكرانية. حيث لم تعد كييف تبحث عمّن يرسل لها السلاح، وإنما عمّن يشتري منها الخبرة أيضًا، وهنا المفارقة الجديدة. ولهذا كلّه، لا يمكن التعامل مع جولة زيلينسكي إلا بوصفها اختبارًا لقدرة دول المنطقة على الفصل بين حاجاتها الأمنية المشروعة، وبين الانجرار إلى اصطفافات الحرب الكبرى. لأنّ تحوّل هذا الاختبار إلى عملية إنتاج عسكري مشترك، وتمويل مباشر لقدرات كييف ضمن إطار التموضع السياسي ضد موسكو، فإن المنطقة ستكون قد فتحت بابًا جديدًا من صراع قد لا تحتاج إلى استيراده.





