هل يمكن توحيد عالم يتجه نحو الانقسام؟ قراءة عبر علامة منتدى أنطاليا الدبلوماسي

تورغاي يرلي قايا - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
عند النظر إلى المقاربات الرئيسية المتعلقة بكيفية تغيّر النظام العالمي، يُلاحظ أنه يتم تتبّع مسارات وسلاسل أحداث معينة. فالنظام الذي يُعاد تشكيله تدريجيًا عبر الأزمات الاقتصادية والحروب والتغيرات التكنولوجية، لا يتغير عبر قطيعات جذرية بقدر ما يتغير بشكل تراكمي. وعند دراسة التاريخ القريب، يتضح بشكل جلي كيف تغيّرت مواقع القوى الكبرى، ومدى تأثير هذه المتغيرات في هذا التحول.
إن النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يُعدّ أيضًا سببًا للأزمات الحالية، يتجه—وفق المؤشرات الراهنة—نحو مرحلة تُطرح فيها هيمنة الولايات المتحدة موضع تساؤل، وتُصبح فيها انتقالات القوة ممكنة. وبشكل خاص، فإن صعود فاعلين مثل الصين والهند بوصفهما قوتين اقتصاديتين وعسكريتين يعزّز هذه النقاشات، ويُنظر إليهما كفرصة لقيام عالم متعدد الأقطاب، كما يتم تفسير التشكّلات الجديدة باعتبارها ترجمة عملية لهذا الطرح.
وفي الفترة الأخيرة، تُفسَّر السياسات العدوانية التي تنتهجها الولايات المتحدة، ولا سيما النهج الجديد في الحروب التجارية عبر الرسوم الجمركية، على أنها دليل على مواجهة النظام لتحديات جدية واحتمال تغيّره. كما يرى بعضهم أن تدخلات الولايات المتحدة في فنزويلا وإيران تمثل مواجهات غير مباشرة مع الصين، وهو ما يفتح بدوره باب النقاش حول تحولات النظام العالمي.
ورغم أن تأثير تركيا في هذا التحول لا يزال محدودًا، فإن قدرتها على التكيّف مع الظروف المتغيرة وبناء مجالات خطاب جديدة، وتطوير سياسات تملأ هذا الخطاب تدريجيًا، تُعد مسألة بالغة الأهمية. فدولة مثل تركيا، التي خضعت لسنوات طويلة لأنماط من العلاقات التبعية والوصاية في العديد من المجالات، باتت خطواتها الأخيرة تضيف زخمًا جديدًا لنقاشات النظام العالمي، وتعزّز الإيمان بإمكانية تغيّره. وفي هذا السياق، تُعدّ دعوات إصلاح الأمم المتحدة ومناقشات التعددية القطبية التي يؤكد عليها الرئيس أردوغان باستمرار من أبرز موضوعات المرحلة. وبهذا المعنى، فإن تركيا، التي فتحت لنفسها مجالًا مستقلًا وخاصًا عبر سياساتها الاستباقية في النزاعات الإقليمية والدولية، قد اتخذت خطوات عملية عديدة. فقد ظهرت آليات الوساطة الناجحة التي بدأت مع الحرب الروسية-الأوكرانية في أزمات مثل أذربيجان-أرمينيا، والصومال-إثيوبيا، وليبيا، وأسفرت عن نتائج ناجحة. ومن هذا المنظور، ينبغي مناقشة بروز تركيا كعلامة (ماركة) وقدرتها على الوقوف على قدميها ضمن توازنات متغيرة، بوصفه نموذجًا ناجحًا، كما ينبغي أن تُظهر تركيا إمكانية تطبيق هذا النموذج في مجالات متعددة.
وفي هذا الإطار، فإن منتدى أنطاليا الدبلوماسي، بوصفه أحد المكونات المهمة للعلامة التركية على الساحة الدولية، فتح نقاشات حول قضايا راهنة وساخنة تتعلق باتجاه النظام العالمي. ففي المنتدى الذي افتُتح تحت عنوان «تبنّي الدبلوماسية في عالمٍ يتجه نحو الانقسام»، تم التأكيد على أهمية الدبلوماسية في مجالات متعددة. كما أن إصرار تركيا المستمر على ترسيخ الثقة بالدبلوماسية يُعد شرطًا أساسيًا لإخراج النظام من حالة الانسداد وإجراء إصلاح شامل.
ومن أبرز ما طُرح في المنتدى مسألة عدم حصر تركيا نفسها ضمن تحالف أو ارتباط واحد ومطلق، بل ما توفره لها تعددية حضورها في مجالات مختلفة من مرونة استراتيجية. كما أن قيام العديد من المؤسسات، التي تُعد مكونات للاستراتيجية الكبرى لتركيا، بفتح أجنحة لها في المنتدى وعرض إسهاماتها في تعزيز العلامة التركية، يُعد أمرًا مهمًا. فإلى جانب أدوات الدبلوماسية التعليمية والإنسانية، تلعب مكاتب التمثيل الخارجي لوسائل الإعلام العامة دورًا في نقل الحاجة إلى تدفق معلومات أكثر عدالة إلى العالم، فضلًا عن الدور المهم للمنظمات الإنسانية التي تساهم في تعزيز العلامة التركية دون انتظار مقابل. وهذا كله يُظهر أن تركيا لا تكتفي بانتقاد النظام على مستوى الخطاب، بل تسهم عمليًا عبر خطوات مؤسسية ملموسة في ترسيخ هذه الانتقادات.
وقد سعى منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الذي انعقد لأول مرة عام 2020 بشكل افتراضي بسبب الجائحة ثم تواصل حضوريًا، إلى أن يصبح منصة مرجعية. ويُعد المنتدى منصة مهمة لنقل أطروحات تركيا إلى العالم. ومن خلال هذه المنصات، تشجّع تركيا على إقامة شراكات جديدة، وتسعى لإظهار أن بناء عالم أكثر ازدهارًا أمر ممكن. ومع مرور الوقت، يمتلك المنتدى إمكانات التحول إلى علامة عالمية، ما يجعله عنصرًا مهمًا في تعزيز العلامة التركية. ورغم أنه لا يزال كيانًا حديثًا مقارنة بنظائره الدولية، فإن منتدى أنطاليا الدبلوماسي سيصبح مع الوقت أكثر شمولًا واتساعًا في التمثيل، وسيغدو منصة تُتخذ فيها قرارات يُتوقع أن يمتد تأثيرها لسنوات طويلة.




