هل يكون يوسف رجّي وجه العهد اللبناني القبيح؟
ليس يوسف رجّي سوى الوجه القبيح للعهد الحالي. ولا يمكن لرئيس الجمهورية جوزاف عون أن يختبئ وراء هذا المهرّج غير اللطيف في وزارة الخارجية اللبنانية، حيث الأبواب مقفلة على كلّ المسارات التجديدية، ومفتوحة على تأجيج الصراعات وافتعالها في الإقليم والعالم – إن كان لصوت لبنان في هذه الفترة المظلمة أن يبلغ مدى بعيداً!
أما رئيس حكومة العهد الافتتاحية نواف سلام فلا يمكن الحديث معه عن اختباء (لا يعني ذلك أن سلام صنديد المواجهة)، لكنه كان مباشراً جداً حين أعلن أنه أسقط “حظر التفاوض مع إسرائيل”، وهو يعلم أنه يخون الدستور، ويخالف القانون، ويبدي عزمه الجرميّ على الاتصال بالعدو الصهيوني. أمر نواف سلام التطبيعي بيّنٌ جداً، ولا تأويل لمواقفه الانهزامية. تصريحه الأخير ليس إلا دليلاً على أنه أتى من أجل فتح المسارات التطبيعية بين لبنان والكيان الصهيوني.
إذن، ما زال يوسف رجّي، الذي أشبه ما يكون بمسؤول قسم في ميليشيا يمينية لبنانية، يمارس توتره العميق في ممارساته الدبلوماسية، ويسحب ذلك على دولة بكاملها، في الوقت الذي أحوج ما تكون فيه الدولة إلى إبداع دبلوماسي يحقق لها المصالح ويُجنّبها المفاسد والعداوات. وفي الأثناء، يدير رئيس الجمهورية “الإدن الطرشا”، ويمتنع عن “توجيه ملاحظة”، أو “انتقاد أداء”، أو “طرح الثقة” بسفيه الخارجية، بالرغم من زعم عون أن الرجّي تجاوز البيان الرئاسي، والبيان الحكومي، مما يعني أن وزير خارجيتنا يعبّر عن مواقف شخصيّة لا عن مواقف وطنية.
كان يمكن لإيحاءات الرئيس، وتسريباته، وتصريحاته بشأن إلغاء اعتماد السفير الإيراني، أن تبدّد الموقف الملتبس من إجراء الرجّي الأرعن، لولا أن الأداء العام للسلطة في العهد العوني الثاني يستمر متسقاً مع السياسة الأمريكية المتحالفة مع سياسة الكيان الصهيوني، بل يبدي غراماً بالجزء المطبّع من الأنظمة العربية – وتكاد تكون كلها مطبِّعة – قبل أن يذهب أخيراً إلى تبرّعه بالجلوس على طاولة الاستسلام أمام الصهيوني متجرّداً من أيّ سلاح أو ميزة تفاوضيّة، بل عارياً إلا من صفته اللبنانية المطلوبة من أنظمة التطبيع والقوى الغربية.
واللطيف أن السلطة الحالية التي صمتت على تفجير منازل القرى الحدودية، واغتيال المئات من شباب الجنوب ولبنان، ولم تقدّم أي دعوة أو استنكار أمام المراجع الدولية التقليدية، ونكثت بعهدها الذي قدّمته بخصوص استراتيجيا الأمن الوطني، ارتدّت على الحريات، واحتجزت الإعلامي علي برو بسبب انتقاده تخاذل السلطة، كما احتجزت مغنّي الراب جعفر الطفّار، بسبب بيتين من الشعر النقديّ. وهذه السلطة، التي أتت انقلاباً على عهد الرئيس ميشال عون، وتوجّه المشرقي، ووعدت برعاية قدر من التحديث السياسي والاقتصادي والمالي، كانت سمتها الخيبة.
ثم أتت بادرة الرجّي الأخيرة بإبلاغ الخارجية اللبنانية سفيرَ الجمهوريةِ الإسلاميةِ محمد رضا شيباني بإلغاء اعتماده، الذي تولاه دستورياً رئيس الجمهورية، لتطرح قضية دبلوماسية وسياسية حسّاسة، بين لبنان وإيران، وبين العهد والطائفة الشيعية، وبين السلطة والأحزاب الوطنية والمقاوِمة، في الوقت الذي يواصل فيه العدو الصهيوني انتهاك كرامة الوطن، ويحتلّ أرضه الجنوبية، ويقتل أبناء الشعب من دون كلمة إدانه من رأس السلطة وفريق عمله.
أفلا تكون مستغربة هذه اللامبالاة الرئاسية، ثم زعم البعض أن الرئيس لم يوافق على قرار الخارجية، وأن الوزير الرجّي تجاوز صلاحياته، ثمّ التسريبات أن الرئيس غاضب من إجراء الرجّي!
قد يقول البعض من المغرمين بصلاحيات الرئاسة، وحصانة الرئيس الماروني، إن قرار الرجّي يجب تنفيذه، ويناقشون في التفاصيل المحيطة ليحققوا هدفاً سياسية، وليتخففوا من المسؤولية الأخلاقية تجاه أبناء الوطن. والجواب إنه ليس عجيباً أن تطلب الدولة إلى أي سفير المغادرة عند مخالفته الأصول الدبلوماسية، لكن المستغرب أن الرجّي لم يتقدّم باحتجاج، ولم يطلب مغادرة أي شخص في البعثة، بل انتقل مباشرة لإلغاء اعتماد السفير شيباني، في إطار سياسية انتقائية تمنع أيّ ملاحظة على أداء السفير الأمريكي، الذي يجول على مرافق الدولة ويُدلي بتوجيهاته، فيما السفير البريطاني والفرنسي وسواهم من سفراء الخماسية يديرون السياسية اللبنانية عبر مجلسهم الأعلى.
نادرة يوسف رجّي، وسياسة رئيس العهد، ومراهقة رئيس الحكومة، ستؤدي إن قيّض لها أن تكون ذات فاعلية سياسية في المستقبل القريب إلى ما لا تحمد عقباه، خصوصاً أن الاحتقان الشعبي يزداد، والبُعد الإنساني والاجتماعي لا يمكنه التعمية على الأداء السياسي الحاقد، فتصل المسارات إلى التصادم وإلى سيادة الانتصارية في الحياة السياسية اللبنانية والوطنية.
أخيراً، ينبغي للعقلاء، الذين يمكن أن يكون لأصواتهم أثر في البيئات المتغرّبة والمتناغمة مع السياسة الصهيونية، خصوصاً الأحزاب والكنائس، أن يتداركوا الأمور قبل فواتها، فكل صراع في هذا الشرق سيكون ضرره شديداً على الجماعة المسيحية بسبب قلّة العدد، وانتظار المدد من الغرب المنافق، الذي خذلهم في محطات كثيرة، من ديار بكر وماردين إلى حلب والشام ثم جبل لبنان وفلسطين…أما نينوى والعراق فليست منّا ببعيد.
طارق قبلان
26-03-2026
The post هل يكون يوسف رجّي وجه العهد اللبناني القبيح؟ appeared first on Beirut News Center.





