هل يكون مضيق هرمز المحفز الجيوسياسي لنظام التعددية النقدية؟
بقلم / عبد الفتاح الشريف
العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956 بقيادة بريطانيا (العظمى) ردًّا على قرار الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس الذي ألحق الضرر بالمصالح السياسية والاقتصادية لكلٍّ من بريطانيا وفرنسا التي يرى بعض المؤرخين أن قرارها بالانضمام إلى الحملة العسكرية البريطانية قد جاء ردًّا على دعم مصر للثورة الجزائرية، ولم تكن المدافع التي دوت في السويس مجرد إعلان عن حرب إقليمية، بل كانت “نعيًا” رسميًّا لحقبة الإمبراطورية البريطانية وعملتها “الجنيه الإسترليني” كقائد للنظام المالي العالمي.
حيث عجل انسحاب القوات البريطانية دون تحقيقها نصرًا حاسمًا بقرار واشنطن باستخدام سلاح “الثقة والديون” للضغط على لندن بسقوط الإسترليني، معلنةً انتقال مركز الثقل من “حي المال” في لندن إلى “وول ستريت” في نيويورك.
إن تصاعد التوترات الجيوسياسية في الخليج يعيد إلى الأذهان ما فعلته قناة السويس بالإسترليني وتطرح سؤالًا مهمًّا عن قدرة مضيق هرمز على أن يفعل بالدولار ما فعلته قناة السويس بالإسترليني؟
يرى المحللون أن المقارنة بين السويس وهرمز تتجاوز الجغرافيا، فمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20٪ من استهلاك النفط العالمي يمثل شريان الحياة للطاقة العالمية، وإن اهتزاز الثقة في قدرة الولايات المتحدة على تأمين الملاحة البحرية وعبور السفن في المضيق قد ينتج عنه اهتزاز الثقة في الدولار الذي يستمد بعضًا من قوته من قوة الإمبراطورية العسكرية، التي نجحت الولايات المتحدة في تأسيسها بعد أن أنفقت التريليونات على بناء ستة أساطيل تجوب البحار والمحيطات وعلى إقامة عشرات القواعد العسكرية في معظم القارات، وإن صمود إيران وعدم نجاح أمريكا في تحقيق نصر حاسم قد يكون بمثابة القشة التي تسهم في قصم قوة الدولار.
ولعله من المهم تناول الأهمية التاريخية (للبترودولار) في تعزيز قوة الدولار في أعقاب تفاهم “البترودولار” الذي تم بين أمريكا والمملكة السعودية والذي التزمت من خلاله المملكة أثناء زيارة هنري كيسنجر سنة 1974 ببيع نفطها بالدولار الأمريكي ما يضمن طلبًا عالميًّا مستمرًّا على العملة الأمريكية.
ولا يختلف خبراء الاقتصاد على أن قوة الدولار تستند على كونه الملاذ الآمن والعمود الفقري لأضخم سوق سندات في العالم. أي إن “لحظة سويس” الأمريكية لن تبدأ من غرق ناقلة نفط، بل من لحظة اهتزاز الثقة في قدرة الولايات المتحدة على إدارة نظامها المالي بمعزل عن الصراعات السياسية.
إن تآكل هيمنة العملة لا يحدث فجأة، بل يظهر عبر إشارات اقتصادية متزامنة، منها ما يُعرف بـ “فقدان صفة الملاذ الآمن”. إن استمرَّ التوتر في مضيق هرمز فسيؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط وتراجع في قيمة الدولار وضعف في الإقبال على السندات، وسيضع العالم أمام تحول هيكلي، لأن هذا التناقض يعني أن العالم لم يعد يرى في واشنطن “الملجأ الأخير”، بل يراها جزءًا من المشكلة.
كما تعتمد هيمنة الدولار على ركيزة “الاستقلالية المؤسسية” للاحتياطي الفيدرالي التي تحاول إدارة ترامب الحد منها، وذلك بالضغط على الاحتياطي الفيدرالي على اتخاذ سياسات نقدية مخالفة لتوجهات الفيدرالي، ومن خلال محاولات عزل رئيس وبعض أعضاء مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي.
إن إقبال الأسواق العالمية على شراء الدولار لثقتها بأن قرارات الفائدة تُتخذ لمكافحة التضخم، لا لتمويل العجز المالي أو لخدمة دورات انتخابية إلا أن “تسييس” السياسة النقدية، أو الضغط على البنك المركزي لتمويل الديون الضخمة التي تجاوزت 34 تريليون دولار، هو ما قد يعجل بلحظة السويس الأمريكية، فالمستثمر الأجنبي لن يقبل بالبقاء في نظام تُستخدم فيه العملة كأداة للعقوبات السياسية أو كأداة لامتصاص التضخم المحلي على حساب المدخرات العالمية.
إن الفارق الجوهري بين عام 1956 واليوم هو غياب “البديل الجاهز”. عندما سقط الإسترليني، كان الدولار ينتظر في الرواق بذهب وفير واقتصاد صناعي لا يُشق له غبار. اليوم، لا يبدو اليوان الصيني أو اليورو قادرين بمفردهما على ملء الفراغ بسبب غياب الأسواق المالية العميقة أو الاستقرار السياسي الشامل.
ومع ذلك، فإن العالم يتجه نحو “التعددية القطبية النقدية” فتحركات دول “بريكس” للبحث عن بدائل، واتجاه بعض الدول لتسعير الطاقة بعملات محلية، هي إرهاصات لنظام جديد. مضيق هرمز قد يكون هو “المحفز” الجيوسياسي الذي يكشف الستار عن واقع جديد: عالم لا تسيطر عليه عملة واحدة، بل تتوزع فيه القوة بين أقطاب متعددة، وأصول صلبة مثل الذهب، وربما عملات رقمية مركزية.
وخلاصة القول إن مضيق هرمز وحده لن ينهي حقبة الدولار، فالولايات المتحدة لا تزال تملك أعمق الأسواق المالية وأكثرها سيولة. ولكن، إذا ترافقت أزمة في المضيق مع تآكل داخلي في استقلالية السياسة النقدية الأمريكية، واستمرار الارتفاع غير المنضبط للديون، فإن هرمز سيكون بالفعل “القشة” التي تكشف للعالم أن مركز الثقل العالمي قد بدأ يبتعد عن واشنطن، وإن ساحات المعارك قد تعجل بسقوط العملات الإمبراطورية خاصة عندما يبدأ العالم يشك في أن “الضامن العالمي” لم يعد قادرًا أو راغبًا في الوفاء بوعوده المالية.
إن النظام المالي الذي نعرفه قد لا ينهار في يوم وليلة، لكنه يواجه حاليًا اختبار “السويس” الخاص به في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تم سردها أعلاه.
The post هل يكون مضيق هرمز المحفز الجيوسياسي لنظام التعددية النقدية؟ appeared first on الموقف الليبي.


