مع تصاعد مؤشرات الرغبة في الهجرة نحو أوروبا لدى شباب دول المغرب العربي المؤهل خاصة في ميدان الطب، تظهر تقارير مختلفة حجم معاناة من سبقوهم إلى فرنسا مع العديد من الصعوبات.
في التقرير التالي، الذي جرى تحريره، استنادا إلى تقارير إعلامية فرنسية ومؤسسات رسمية، تتكشف العديد من الحقائق حوّل وهم وردية العمل كطبيب «مغاربي»، في فرنسا.
ولعل هذه 6 حقائق صادمة من بين الكثير ، جعلت العديد الأطباء يوقعون على هجرة معكوسة نحو بلدانهم الأصلية كالمغرب الذي يحتاج إلى 24 ألف كفاءة طبية.
6 حقائق صادمة
1-يعمل الأطباء المغاربيون في المستشفيات الفرنسية بعقود عمل مؤقتة (مع إمكانية الفصل في أي وقت).
2-يشتغلون في أكثر المصالح التي يرفض الأطباء الفرنسيون العمل بها : المستعجلات.
3-في أكثر المناطق النائية التي يرفض الأطباء الفرنسيون العيش فيها (الصحاري الطبية).
4-يتقاضون رواتب أقل 3 مرات من رواتب الأطباء الفرنسيين بسبب عدم الاعتراف بشواهدهم المغاربية.
5- يحتاجون لمعادلة شواهدهم لقضاء تجارب مهنية تمتد لسنين في المستشفيات الفرنسية، والمشاركة في مباريات توظيف (ينجح فيها عدد محدود من المترشحين سنويا).
6-قبل تسوية أوضاعهم، يقضي البعض أزيد من 10 سنوات من الخدمة بعقد عمل مؤقت وراتب أدنى 3 من راتب المواطن الفرنسي نظير نفس العمل (وربما أصعب)…
الرباط – جريدة le12.ma
أطباء مغاربيون في فرنسا.. تعقيدات محبطة

في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من نقص في الأطباء وتواجه مستشفياتها صعوبات متزايدة في تغطية عدد من التخصصات والمناطق، يجد أطباء أجانب، وبينهم عدد كبير من القادمين من بلدان المغرب العربي، أنفسهم أمام مسار مهني وإداري طويل من أجل الاعتراف الكامل بمؤهلاتهم وممارسة المهنة بالشروط نفسها التي يتمتع بها نظراؤهم الحاصلون على شهادات أوروبية.
هؤلاء الأطباء، المعروفون في فرنسا باسم “Padhue”، أي الممارسين الحاصلين على شهادات طبية من خارج الاتحاد الأوروبي، أصبحوا جزءا مهما من المنظومة الصحية الفرنسية. ووفق تقرير حديث لمجلس الشيوخ الفرنسي، بلغ عدد الأطباء الذين سبق لهم المرور بمسار Padhue نحو 17 ألفا و451 طبيبا مطلع يناير 2026، أي ما يعادل 8.5% من مجموع الأطباء النشطين بانتظام في البلاد. كما ترتفع نسبتهم بشكل لافت في عدد من المناطق التي تعاني نقصا حادا في الأطباء.
يعملون حيث تشتد الحاجة إلى الأطباء
وجود هؤلاء الأطباء لا يقتصر على المستشفيات الكبرى في المدن الفرنسية، بل يبرز خصوصا في المناطق التي تعاني ما يعرف بـ”الصحارى الطبية”، حيث يصعب على المؤسسات الصحية استقطاب الأطباء والاحتفاظ بهم.
وتشير بيانات الجمعية الوطنية الفرنسية إلى أن الأطباء الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي يوجدون بنسبة أكبر في المناطق ذات الكثافة الطبية المنخفضة، ما يجعلهم مساهمين أساسيين في استمرار عرض الخدمات الصحية وتغطية حاجيات المستشفيات. وفي عام 2024، كان هناك نحو 17 ألفا و619 طبيبا من فئة Padhue يمارسون في فرنسا، بينهم آلاف الأطباء العامين وأطباء التخدير والإنعاش والأطباء النفسيين.
لكن المفارقة أن هؤلاء الذين يسدون جزءا من الخصاص في المنظومة الصحية لا يحصلون دائما على الاستقرار المهني والاعتراف الكامل بخبراتهم.
سنوات من العمل قبل الاعتراف الكامل
المشكلة الأساسية تبدأ من الشهادة. فالحصول على دبلوم طبي من خارج الاتحاد الأوروبي لا يمنح صاحبه تلقائيا الحق في ممارسة الطب في فرنسا بالشروط نفسها التي تنطبق على الطبيب الحاصل على شهادة أوروبية.
وللوصول إلى ممارسة كاملة ومستقرة، يمر الطبيب الأجنبي بمسار إداري ومهني معقد، يتضمن في حالات عديدة اجتياز اختبارات التحقق من المعارف (EVC) ثم استكمال مرحلة مهنية تهدف إلى تثبيت الكفاءات قبل الحصول على الترخيص النهائي.
وكانت محدودية عدد المناصب المتاحة في هذه الاختبارات إحدى أبرز نقاط الاحتجاج. وبحسب معطيات برلمانية، كان هناك في السابق آلاف الأطباء الذين يعملون في فرنسا لسنوات من دون أن يتمكنوا من اجتياز المسار المؤدي إلى التسوية النهائية.
وهكذا يجد الطبيب نفسه أمام مفارقة: يعمل فعليا في المستشفى ويشارك في علاج المرضى، لكنه يظل، من الناحية الإدارية والمهنية، في وضع مؤقت إلى أن يستكمل مسار الاعتراف بمؤهلاته.
أجر أقل مقابل العمل نفسه
من أكثر الملفات إثارة للجدل قضية الأجور.
ففي السنوات الماضية، اشتكى أطباء Padhue من حصولهم على أجور تقل بشكل كبير عن أجور زملائهم الفرنسيين أو الأوروبيين، رغم قيامهم بمهام طبية مماثلة.
وفي مارس 2025، دخل مئات الأطباء والعاملين الصحيين الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي في إضراب عن الطعام احتجاجا على أوضاعهم. وأفادت تقارير صحفية فرنسية بأن بعضهم كان يتقاضى نحو ثلاثة أضعاف أقل من زملائهم الحاصلين على شهادات أوروبية. كما تحدث أطباء عن عقود لا تتجاوز مدتها بضعة أشهر، بما يجعل الاستقرار المهني والإداري رهنا باستمرار العقد.
في فرنسا مثالا على حجم الفارق الذي يثير احتجاجات هذه الفئة: فقد تحدث عن راتب يقارب ألفي يورو شهريا مقابل نحو خمسة آلاف يورو لزملائه، مع قيامه، بحسب شهادته، بالمهام نفسها وفي إطار دوام كامل.
“لماذا لا يقيمونني على أساس خبرتي؟”
السؤال الذي يتكرر بين هؤلاء الأطباء يتجاوز مسألة الراتب إلى جوهر نظام الاعتراف نفسه: لماذا لا تؤخذ سنوات الخبرة التي اكتسبها الطبيب داخل المستشفى الفرنسي بعين الاعتبار بالشكل الكافي؟
فطبيب قد يصل إلى فرنسا بعد سنوات طويلة من الدراسة والتخصص في بلده الأصلي، ثم يقضي سنوات إضافية في العمل داخل مستشفيات فرنسية، ومع ذلك يبقى مطالبا بإثبات كفاءته عبر اختبارات وإجراءات جديدة.
وفي بعض الحالات، لا يكون النجاح في الاختبار وحده كافيا للوصول إلى الاعتراف النهائي، إذ يتعين على الطبيب أيضا المرور بمرحلة تدريب أو تثبيت للكفاءات.
وقد انتقد أعضاء في مجلس الشيوخ هذا المسار، مشيرين إلى أن بعض الأطباء يعملون لساعات طويلة في المستشفيات بالتوازي مع خوضهم مسار التسوية المهنية.
إصلاحات فرنسية.. ولكن المشكلة لم تنته
وتقول السلطات الفرنسية إن وضع هؤلاء الأطباء شهد إصلاحات خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ 2024، أُدخل نظام الترخيص المؤقت لممارسة المهنة، كما أُنشئت آليات جديدة تهدف إلى تحسين وضع الأطباء الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي. وفي 2025، تم إنشاء مسار داخلي لاختبارات التحقق من المعارف يستهدف، بصورة خاصة، الأطباء الذين راكموا أكثر من سنتين من الممارسة في فرنسا، بما يسمح بإعطاء وزن أكبر لخبرتهم المهنية داخل البلاد.
لكن هذه الإصلاحات لا تعني أن الإشكال انتهى. فتقارير برلمانية فرنسية حديثة ما زالت تشير إلى صعوبات مرتبطة بالأجور، ومسارات الاعتراف، وفترات الانتظار بين مراحل التسوية، فضلا عن استمرار اعتماد عدد من المستشفيات على هؤلاء الأطباء لتأمين خدماتها.
أطباء تحتاجهم فرنسا
تكشف قضية الأطباء المغاربيين وغيرهم من الأطباء الحاصلين على شهادات خارج الاتحاد الأوروبي عن مفارقة واضحة في النظام الصحي الفرنسي: فمن جهة، تحتاج المستشفيات إلى كفاءاتهم لسد النقص في عدد من التخصصات والمناطق؛ ومن جهة أخرى، يواجه جزء منهم مسارا طويلا للحصول على الاعتراف الكامل بشهاداتهم واستقرارهم المهني.
ومع وصول عدد الأطباء الذين مروا بمسار Padhue إلى أكثر من 17 ألفا في فرنسا، وتجاوز نسبتهم 8% من إجمالي الأطباء النشطين بانتظام، لم تعد القضية هامشية أو مرتبطة بحالات فردية، بل أصبحت جزءا من النقاش حول مستقبل الموارد البشرية في قطاع الصحة الفرنسي.
وبين الحاجة إلى أطباء يسدون الخصاص، وضرورة ضمان معايير موحدة لممارسة الطب، يبقى التحدي أمام فرنسا هو إيجاد توازن بين حماية جودة الرعاية الصحية والاعتراف العادل بخبرة آلاف الأطباء الذين اختاروا العمل في مستشفياتها.
فالسؤال الذي يطرحه هؤلاء الأطباء لا يتعلق فقط بالراتب أو بنوع العقد، وإنما بمبدأ أبسط: هل يمكن أن تُحتسب سنوات الخبرة التي اكتسبها الطبيب داخل المستشفى الفرنسي باعتبارها جزءا من مؤهلاته، بدلا من أن يبدأ إثبات كفاءته من جديد.
*هذا التقرير جرى تحريره من، بمساعدة (إي آي) استنادا إلى تقارير إعلامية فرنسية ومؤسسات رسمية.




