... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
181345 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9262 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

هل تُرك الخليج العربي وحيداً؟ من تآكل الحماية إلى ضرورة إنتاج الردع في مواجهة التحديات الإيرانية

العالم
النهار العربي
2026/04/15 - 01:37 501 مشاهدة

 نزيه الخياط*


لم تكن الساعات الأولى من الهجوم الإيراني مجرد اختبار لقدرات الدفاع، بل كانت اختباراً لرهانٍ أعمق: رهانٍ على أن الصدمة ستُنتج ارتباكاً، وأن الضغط سيفكك الموقف، وأن الخوف سيفتح الطريق أمام فرض معادلة جديدة في الإقليم.

لكن ما حدث في دول الخليج العربي جاء على النقيض تماماً. فبدل أن يتسلل الإحباط إلى الداخل، برز تماسك لافت في الموقف السياسي، وتمايز واضح في الخطاب العام، واستجابة مؤسسية عكست قدرة على امتصاص الصدمة وتحويلها إلى لحظة إعادة تموضع. لم تتحقق فرضية الانهيار النفسي، بل سقطت سريعاً أمام واقع مختلف: تماسك داخلي، وانضباط سياسي، وإرادة واعية بعدم الانجرار إلى ردود فعل غير محسوبة.

في تلك اللحظة، لم يكن السؤال كيف ينجو الخليج العربي من الضربة، بل كيف يحوّلها إلى نقطة انطلاق لإعادة تعريف قواعد الردع.

ما شهده الخليج العربي لم يكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة التحولات العميقة التي تصيب بنية الأمن الإقليمي. فالهجوم لم يستهدف فقط البنية المادية، بل راهن على إحداث اختلال في التوازن النفسي والسياسي، باعتباره المدخل الأهم لإعادة فرض معادلات جديدة.

غير أن التفاعل الخليجي مع هذه اللحظة كشف مساراً مغايراً؛ إذ لم يؤدِّ الضغط إلى تفكك المواقف، بل أسهم في تعزيز مستوى التنسيق، ورفع درجة الوعي الاستراتيجي، وتكريس قناعة متزايدة بأن الأمن في الخليج العربي لم يعد يُدار كملف خارجي، بل كأولوية سيادية داخلية تتطلب إعادة بناء مستمرة.


في هذا السياق، يكتسب السؤال المركزي بعداً أعمق: هل تُرك الخليج العربي وحيداً؟ ليس بوصفه توصيفاً حرفياً، بل مدخلاً لفهم تحوّل بنيوي: انتقال تدريجي من الاعتماد على الحماية إلى بناء القدرة على إنتاج الردع.

أولًا: تفكك نموذج التحالفات الصلبة – من الضمان إلى إدارة التوازن

على مدى عقود، ارتكز أمن الخليج العربي إلى معادلة واضحة: تحالفات قوية مقابل استقرار مضمون. غير أن التحولات الأخيرة كشفت أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالصيغة نفسها.

لم تعد القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تمارس دور الضامن المطلق، بل باتت تميل إلى إدارة التوازنات ومنع الانفجار من دون الانخراط الكامل في كل مواجهة. ويعكس هذا التحول انتقالاً من منطق “الالتزام الثابت” إلى منطق “الحسابات المتغيرة”.

أما القوى الدولية الأخرى، فتتحرك ضمن أطر أكثر حذراً، ما يعمّق الفجوة بين التوقعات الخليجية التاريخية وواقع الاستجابة الدولية.

وهكذا، يجد الخليج العربي نفسه أمام معادلة جديدة:

 

تحالفات قائمة، ولكن من دون يقين مطلق بفاعليتها في لحظة الاختبار.

ثانيًا: إعادة تشكيل الوعي – إيران كخطر داهم وإعادة ترتيب أولويات التهديد

لم يكن التحول في الخليج العربي عسكرياً فقط، بل كان في جوهره تحوّلاً في الإدراك الاستراتيجي. فقد أسهمت التجربة الأخيرة في إعادة تشكيل نظرة النخب والرأي العام إلى طبيعة التهديدات.

برزت إيران في هذا السياق كخطر داهم ومباشر ووجودي، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية، بل أيضاً بسبب نمط تدخلها وتأثيرها في توازنات الدول والمجتمعات.

في المقابل، طرأ تعديل ملحوظ في بعض الأوساط التحليلية الخليجية تجاه إسرائيل، حيث بات يُنظر إليها بوصفها خطراً مؤجلاً يخضع لحسابات ردع مختلفة، ولا يشكل التهديد المباشر ذاته الذي تمثله إيران في المرحلة الراهنة.

هذا التحول لا يعكس تغييراً في الثوابت، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب هرمية المخاطر وفق معيار القرب والتأثير الفعلي.

ثالثًا: البنية الديموغرافية–الاقتصادية – قوة مفتوحة على احتمالات الهشاشة

يقوم النموذج الاقتصادي في الخليج العربي على انفتاح واسع واعتماد كبير على العمالة الوافدة التي تشكل النسبة الأكبر من القوى العاملة.

وقد أتاح هذا النموذج تحقيق قفزات تنموية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته خلق بنية مترابطة مع الخارج بشكل عميق، ما يجعلها عرضة للتأثر بأي اضطراب إقليمي.

فالتحويلات المالية الضخمة، وتشابك الأسواق، والاعتماد على سلاسل الإمداد العالمية، كلها عناصر تعزز القوة الاقتصادية، لكنها تضيف في المقابل طبقة من الحساسية الاستراتيجية.

وبذلك، يصبح أمن الخليج العربي مفهوماً مركباً يتداخل فيه:
البعد الاقتصادي.
والبعد الاجتماعي.
والبعد الاستراتيجي.
ضمن معادلة واحدة.

رابعاً: أزمة الردع التقليدي في مواجهة السلوك الإيراني – حينما تنهار قواعد اللعبة

تكشف المواجهة مع إيران عن أزمة أعمق من مجرد خلل في التوازن العسكري؛ إنها أزمة في منطق الردع ذاته.

فالمنظومات الدفاعية والاتفاقيات الأمنية تقوم على افتراضات واضحة حول سلوك الخصم وحدود التصعيد وقواعد الاشتباك. لكن إيران لا تعمل ضمن هذه القواعد، بل تعتمد استراتيجية تقوم على إدارة التوتر بدل حسمه. تتحرك ضمن:
تصعيد محسوب.
ضغط مستمر.
 من دون الوصول إلى نقطة الانفجار. وهنا تتكسر قواعد الردع التقليدي، لأن:
الخصم لا يسعى إلى الحرب… بل إلى إبقائها ممكنة دائماً.

هذه المفارقة تفرض على الخليج العربي إعادة تعريف الردع، ليس كقدرة على الرد فقط، بل كقدرة على منع خصم غير تقليدي من فرض إيقاع الصراع.

خامساً: من إنتاج الأمن إلى سيادة الطاقة – بناء منظومة ردع متعددة الأبعاد

في مواجهة هذا التحدي، يتجه الخليج العربي نحو مرحلة جديدة عنوانها: إنتاج الأمن بدل استهلاكه.

ويتجلى هذا التحول في:
تطوير القدرات الدفاعية المحلية.
تنويع الشراكات.
بناء استقلالية استراتيجية تدريجية.

غير أن هذا المسار لا ينفصل عن أحد أهم عناصر القوة: الطاقة.
فالخليج العربي، بوصفه أحد أهم مراكز الطاقة في العالم، يواجه تحدياً مزدوجاً:
حماية تدفق الطاقة.
ومنع استخدامها ورقة ضغط.

ومع بقاء مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية، تصبح الجغرافيا جزءاً من معادلة الردع، لا مجرد إطار لها.

سادساً: الخليج العربي في النظام الدولي – من منطقة نفوذ إلى محور توازن

يقف الخليج العربي اليوم في قلب نظام دولي يتجه نحو تعددية غير مستقرة، حيث تتداخل مصالح القوى الكبرى من دون أن تتكامل.

فالولايات المتحدة تدير التوازن من دون التزام كامل، والصين تستفيد من الاستقرار من دون أن تتحمل كلفة حمايته، بينما تبقى القوى الأخرى ضمن أدوار محدودة.

في هذا السياق، لا يبدو أن الحل يكمن في استنساخ تحالفات صلبة، بل في بناء شبكة أمنية مرنة قادرة على التكيف.

تقوم هذه الشبكة على:
التكامل التدريجي.
التنسيق العملي.
تقاطعات المصالح.

وهي تعكس انتقال الخليج العربي من موقع التلقي إلى موقع الفعل داخل النظام الدولي.

الخاتمة: من سؤال “من يحمينا” إلى سؤال “كيف ننتج أمننا”

تكشف هذه المرحلة أن الخليج العربي لم يعد أمام خيار الاكتفاء بالرهان على الخارج، بل بات مطالباً بإعادة تعريف موقعه في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

لقد سقط رهان الإحباط، وتلاشى وهم الانكشاف الكامل، وبرز بدلًا منه واقع أكثر تعقيداً، لكنه أكثر نضجاً: تماسك داخلي، ووعي استراتيجي متقدم، واستعداد لإعادة بناء معادلة الردع.

إن التحول الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك القوة، بل في القدرة على توظيفها ضمن رؤية متكاملة، تجعل من الأمن عملية مستمرة، لا حالة ثابتة.

في هذا الإطار، لم يعد السؤال: من يضمن أمن الخليج العربي, بل: كيف يستطيع الخليج العربي أن يفرض معادلة أمنه في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك القدرة على إعادة إنتاج التوازن؟

 

*أكاديمي- باحث في الشؤون الجيوسياسية

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤