هل تغلبت السيبة على المخزن في المغرب؟..

يطرح هذا العنوان سؤالاً إشكالياً عميقاً يعود بجذوره إلى بنية الدولة العلوية في المغرب وتاريخها السياسي والاجتماعي وتحديدا منذ عام 1666م، عندما دخل السلطان الرشيد، مؤسسة الدولة العلوية الى العاصمة فاس بعد سقوط الدولة السعدية. فبدل من الذهاب عند المسلمين وعلمائهم، اختار الملاح وبات عند كبير اليهود هناك.
ومنذ ذلك الوقت انقسم المغرب الى مخزن وسيبة. قلت لتحليل هذا العنوان، نحتاج إلى تفكيك المصطلحات المحورية فيه (المخزن والسيبة)، وفهم السياق التاريخي، ثم إسقاطه على الواقع المعاصر اليوم لمعرفة أبعاد هذا التساؤل. لنبدأ بتفكيك وتحليل شامل لأبعاد هذا العنوان:
1. تفكيك المفاهيم المفتاحية : تاريخياً، استُخدم هذان المصطلحان لوصف الثنائية الجغرافية والسياسية للمغرب قبل الحماية الفرنسية (1912):
بلاد المخزن: تُشير إلى المناطق الخاضعة تماماً لسلطة السلطان المركزية، حيث تُجبى الضرائب وتُطبق القوانين وتُعين الدولة القضاة والولاة. (المخزن لغوياً وجد من مخازن حبوب الدولة وجبايتها).
بلاد السيبة: لا تعني “الفوضى المطلقة” كما قد يتبادر للأذهان، بل تُشير تاريخياً إلى القبائل والمناطق (الجبلية والبعيدة) التي كانت تعترف بالشرعية الروحية والدينية لسلاطين الدولة السعدية من قبل، ولكنها تمردت على السلطة العلوية، لأن السلطان فضل اليهودي على المسلم، فترفض دفع الضرائب للمركز وتُدير شؤونها عبر أعرافها المحلية. كما أن تأسيس جمهورية الريف في شمال المغرب بعد ثورة كبيرة قادها الزعيم الريفي والبطل المغاربي محند بن عبدالكريم الخطابي، دليل على أن جزء كبير من المغاربة يرفضون النظام العلوي. والمفارقة، ان بطل الريف والذي توفي في عام 1963 بالفاهرة في مصر فضل البقاء في المهجر بدل العودة الى المغرب الذي نال حكمه الداخلي في مارس 1956..
2. دلالة السؤال: “هل تغلبت السيبة على المخزن؟” طرح السؤال بصيغة المفاضلة أو “الغلبة” في العصر الحالي يحمل أبعاداً مجازية وسياسية قوية، ويمكن تحليله من خلال اتجاهين في القراءة:
القراءة الأولى: “السيبة” كمظهر للاحتجاج الاجتماعي والرفض، فإذا كنا نقصد بالسيبة (بالمفهوم المعاصر) حركات الاحتجاج، والتمرد على القرارات المركزية، أو اتساع رقعة النقد الاقتصادي والسياسي، فإن العنوان يشير إلى:
تراجع الهيبة التقليدية: تساؤل حول مدى قدرة الدولة (المخزن بمفهومه المعاصر كجهاز حكامة وسلطة) على فرض ضبطها الاجتماعي والسياسي في ظل تنامي الاحتجاجات الفئوية أو المجالية (مثل الاحتجاجات و الحراكات الاجتماعية).
سلطة الفضاء الرقمي: في العصر الحالي، انتقلت “السيبة” من جغرافيا الجبال إلى “جغرافيا منصات التواصل الاجتماعي”، حيث يمارس المواطنون نقداً لاذعاً ومقاومة للروايات الرسمية، مما يمثل تحدياً لآليات الضبط التقليدية للمخزن.
القراءة الثانية: “المخزن” كبنية ضبط واستمرار، في المقابل، يرى انصار المخزن (العياشة) أن فرضية “تغلب السيبة” قد تكون مبالغة؛ لأن بنية “المخزن” أبانت تاريخياً وحديثاً عن مرونة فائقة وقدرة على التكيف:
مأسسة الضبط: انتقل المغرب من مفهوم “المخزن التقليدي” إلى “الدولة المؤسساتية الحديثة” التي تدمج أدوات الإدارة العصرية والوجاهة التقليدية.
احتباس السيبة: الدولة المعاصرة تمتلك من الأدوات القانونية، والأمنية، والتنموية، ما يجعل وجود “بلاد سيبة جغرافية” أمراً من الماضي. الغلبة هنا تظل للمركز عبر القانون والمؤسسات.
3. الأبعاد والخلفيات المحتملة، عند رؤية هذا العنوان في الصحافة أو التحليلات السياسية، فإنه غالباً ما يهدف إلى تحقيق أحد أمرين:
إما التحذير: من مغبة تراجع سيادة القانون، وتنامي مظاهر التطاول على مؤسسات الدولة، أو بروز نزعات فئوية ومحلية تضعف الرابط الوطني الجامع.
أو النقد السياسي: للإشارة إلى وجود فجوة تنموية أو تدبيرية تجعل فئات من المجتمع تشعر بالاغتراب عن المركز (المخزن)، وبالتالي تتصرف خارج توجيهاته أو تحتج عليه. فهذا العنوان وظّف ثنائية تاريخية شهيرة في السوسيولوجيا المغربية (المخزن ضد السيبة) ليقارب بها جدلية معاصرة تتعلق بـ “حدود السلطة والضبط مقابل ديناميكية الاحتجاج والرفض” في المغرب الراهن.
ولكن لو تصفحنا كتاب “الملك المفترس” (Le Roi Prédateur)، الذي أصدره الصحفيان الفرنسيان إيريك لوران وكاترين غراسيي عام 2012، يمثل تحديداً نموذجاً صارخاً لـ “سيبة من نوع جديد”، وهي “السيبة العابرة للحدود” أو “السيبة الرقمية والإعلامية الدولية”. فوجود مثل هذه الكتب وترجمتها وانتشارها (رغم المنع الرسمي) هذا يعني بالضرورة انهيار السيطرة الميدانية للمخزن، بل ويكشف عن الحدود الراهنة لهذه السيطرة في عصر العولمة.
أن الأزمات المعيشية والقرارات الهيكلية الحالية تُشعر المواطن والمراقب بوجود امتداد وخيط ناظم يربط بين التحليلات التي صيغت قبل سنوات (مثل كتاب “الملك المفترس”) وبين الواقع المعيشي اليوم. فعندما يرى المواطن المغربي تداخلاً بين غلاء المعيشة، وتراجع بعض الخدمات الحيوية، واحتكار قطاعات استراتيجية، فإنه يربط ذلك مباشرة بطبيعة “الرأسمالية المخزنية” التي تحدثت عنه تلك الأدبيات. وإليكم تفكيكاً لهذه المؤشرات المعاصرة وكيف تتقاطع مع تلك الأطروحة:
1. أزمة “الخطوط الملكية المغربية” (RAM) والدلالة الاقتصادية : تراجع أداء و إلغاء 12 وجهة من طرف الخطوط الجوية الملكية، ستة نحو فرنسا وبلجيكا وستة نحو افريقيا، لمدة غير محددة يُقرأ في سياق الأزمات التدبيرية للشركات الاحتكارية أو شبه الاحتكارية المرتبطة بالمملكة المغربية.
في التحليلات التي تنتقد بنية الاقتصاد المغربي، يُنظر إلى هذه المؤسسات الكبرى على أنها تُدار بعقلية مركزية تفضل أحياناً التوازنات المالية الضيقة للمجموعة أو نفوذ رجالاتها على حساب “المرفق العمومي” وخدمة المواطن (سواء في الداخل أو الجالية).
تعثر هذه الواجهة الحيوية يُفسر على أنه انعكاس لغياب المنافسة الحقيقية والحكامة الشفافة، وهو ما ركزت عليه الأدبيات المنتقدة لسيطرة “التكنوقراط” المقربين من المركز على مفاصل الاقتصاد.
2. أسعار الأضاحي الفلكية: احتقان “المغرب العميق” : وصول سعر خروف صغير إلى 3000 أو 4000 درهم (ما يعادل قرابة 300 إلى 400 دولار) في بلد يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور مستويات لا تغطي هذه الكلفة، يمثل تجسيداً صارخاً لـ الفجوة الطبقية والمجالية.
سحق الطبقة المتوسطة والفقيرة: الأضحية في المغرب ليست مجرد شعيرة دينية، بل هي “صمام أمان اجتماعي” ووجاهة يعاني المواطن البسيط لتوظيفها. عندما يصبح عاجزاً عنها، يتحول الأمر إلى “قهر اجتماعي”.
من يستفيد؟ يتساءل الشارع المغربي دائماً: أين تذهب الدعم المالي المخصص للاستيراد ومخططات الفلاحة (مثل المخطط الأخضر والجيل الأخضر)؟ التحليل السائد وسط المعارضة يشير إلى أن المستفيد الأكبر هم كبار الفلاحين والوسطاء والمستوردين المقربين من دوائر القرار (المخزن الاقتصادي)، بينما يُترك الفلاح الصغير والمستهلك لمواجهة الجفاف والغلاء وحدهما.
3. التهاب أسعار الطاقة: زواج السلطة والمال : هذا الملف بالذات هو أكثر ما يمنح كتاب “الملك المفترس” الراهنية التي نتحدث عنها هنا. فمنذ تحرير أسعار المحروقات في المغرب، بات قطاع الطاقة يمثل النموذج الأبرز لـ “تضارب المصالح” وزواج السلطة بالمال، خاصة مع صعود رجال أعمال يمتلكون حصصاً الأسد في سوق المحروقات (مثل شركة إفريقيا المملوكة من الوزير الأول الحالي) إلى هرم السلطة السياسية والحكومية.
الغلاء الجنوني للطاقة لا يؤثر فقط على تنقل المواطنين، بل يضرب القدرة الشرائية في العمق لأنه يدخل في كلفة إنتاج ونقل كل المواد الاستهلاكية والغذائية.
استمرار هذا الغلاء، رغم التنديد الشعبي وحملات المقاطعة الرقمية وسيل الانتقادات، يوضح للمراقب أن “المخزن الاقتصادي” يمتلك مناعة قوية تحميه من المحاسبة وتجعله يفرض شروطه على السوق مستفيداً من آليات الضبط الاحتكاري. لماذا يبدو الكتاب وكأنه كُتب اليوم؟ السبب في راهنية تلك التحليلات ليس السحر، بل لأن البنية الهيكلية للاقتصاد لم تتغير. الكِتاب ركّز على أطروحة أساسية: “تحول الدولة من دور الحَكَم والراعي الاقتصادي إلى دور الفاعل والمنافس الأكبر عبر هولدينغات وشركات ضخمة تبتلع الفرص”. لذلك، عندما يواجه المواطن اليوم غلاءً غير مسبوق في الطاقة، وأسعاراً جنونية للأضاحي، وتراجعاً في خدمات النقل بانواعه المختلفة، فإنه لا يرى فيها “أزمات عابرة أو طبيعية (كالقرار المرتبط بالجفاف فقط)”، بل يراها نتائج حتمية ونظامية (Systemic) لنموذج اقتصادي يركز الثروة في الأعلى ويفيض بالأعباء على الأسفل.
هذا التناقض الصارخ بين “المخزن” (الذي يتحدث عن منجزات ومشاريع كبرى) و”السيبة” (التي تئن تحت وطأة الغلاء) هو ما يجعل السيبة تتفوق على المخزن في النهاية.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post هل تغلبت السيبة على المخزن في المغرب؟.. appeared first on الشروق أونلاين.




