هل تجاوزت خسائر لبنان الاقتصادية نقطة اللاعودة؟
لن يخرج اقتصاد لبنان من الحرب الجارية حالياً، كما خرج من حرب العام 2024 حتى وإن انتهت الحرب اليوم. فالجروح التي أحدثتها الحرب الأولى في جسم الاقتصاد حوّلتها الحرب الحالية إلى ندوب دائمة، وأضافت عليها عمقاً يفوق قدرة الدولة على المعالجة في المديين القريب والمتوسط.
بين حربي 2024 و2026
خرج لبنان من الحرب السابقة في العام 2024 بخسائر وفجوات تمويلية لم يتمكّن من ردمها قبل الدخول في حرب الثاني من آذار 2026. وإذا كانت الحرب السابقة كلّفت لبنان 14 مليار دولار بين خسائر مادية مباشرة وغير مباشرة إلى جانب خسائر بشرية وبيئية هائلة، فإنه قد يخرج اليوم من الحرب الجارية بخسائر مضاعفة.
وليست الخسائر المضاعفة تهويلاً بقدر ما هي استنتاج منطقي قائم على عنصرين أساسيين يرفعان من مخاطر الحرب الحالية، الأول أنها تتزامن وتترابط مع حرب إقليمية تنعكس نتائجها على اقتصاد لبنان بشكل غير مباشر والثاني أنها وقعت قبل أن يتمكّن لبنان من رأب جراحه الاقتصادية الناجمة عن الحرب السابقة.
وإذا ما أخذنا تقديرات الخسائر اليومية في الحرب السابقة كمقياس وبنينا عليه وهي تقديرات لا تعكس الواقع اليوم بل تقل عنه، فنخرج بخسائر بالمليارات. فبحسب تقارير الأمم المتحدة وUNDP قدّرت الخسائر اليومية لحرب العام 2024 بنحو 225 مليون دولار، وعليه تكون الخسائر اليوم قد قاربت 10 مليارات دولار بالحد الأدنى. وتبقى التقديرات الدقيقة للخسائر عقب انتهاء الحرب هي الأكثر واقعية لاسيما أن بالحرب السابقة ارتفع حجم الخسائر بعد إجراء مسوحات الأضرار المباشرة وغير المباشرة لتبلغ 14 مليار دولار ما يؤكد ضخامة الأرقام في الحرب الحالية.
ولا يمكن فصل الخسائر المرتقبة من الحرب الحالية عن تلك الواقعة في الحرب السابقة، فلبنان لم يحصل عقب حرب 2024 سوى على 250 مليون دولار من البنك الدولي لإعادة الإعمار ما يعني أن الفجوة التمويلية الهائلة التي تركتها الحرب السابقة ستتّسع أكثر فأكثر مع الحرب الحالية، مع إضافة خسائر بالمليارات إليها، ما يجعل مسألة رأبها شبه مستحيلة.
بين حربي إيران ولبنان
لن تقتصر خسائر لبنان الناتجة عن حربه مع إسرائيل على تلك المقدّرة قياساً إلى الحرب السابقة، فالحرب الراهنة وللمرة الأولى تاريخياً تتزامن مع حرب إقليمية لها تداعياتها أيضاً على الاقتصاد اللبناني. ولعل أبرز التداعيات وأخطرها ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن، كما يحدث عالمياً أيضاً. وهذه العوامل تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد اللبناني وعلى مستوى المعيشة، خصوصاً أن معظم القطاعات في لبنان تعتمد على مصادر طاقة رديفة.
ولا تنفصل حرب إيران عن تحويلات المغتربين اللبنانيين فهذه الأخيرة تتعرّض لضغوط بفعل الحرب الإقليمية وتأزم اقتصادات الخليج بفعل استهداف إيران لحقول إنتاج النفط والبنى التحتية فيها. ويتوقّع خبراء أن تكون تحويلات المغتربين اللبنانيين من الخليج، والبالغ عددهم قرابة 500 ألف مغترب، قد تراجعت بالفعل بنسبة 5 في المئة وسط مخاوف من مزيد من التراجع فيما لو طال أمد الحرب بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
ولا شك أن تراجع تحويلات المغتربين اللبنانين يشكّل تهديداً لأهم أعمدة الاقتصاد اللبناني والمورد الأساسي للدولارات ما قد يفاقم أزمة نقص العملة الصعبة لاسيما في ظل ارتفاع فاتورة الاستيراد بفعل التضخم العالمي وارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن وبالنظر إلى ضخامة الاستحقاقات الداخلية بالعملة المحلية ما قد يخلق خللاً بالتوازن المالي محلياً وبالتالي مزيداً من الانهيار بالليرة اللبنانية.
أولى تداعيات الحرب
مهما بلغت تداعيات الحرب وتقديرات تكاليفها على الاقتصاد اللبناني حتى اللحظة غير أنها تبقى غير دقيقة ومرشّحة للارتفاع ربطاً بأمد الحربين إن الإقليمية أو اللبنانية. وتبقى أخطر مؤشرات ندوب الحرب على الاقتصاد، ما أكده مسؤولون لبنانيون لجهة تقلّص الناتج المحلي الإجمالي في لبنان ما يزيد عن 7 في المئة من حجمه.
ولا ننسى توقّعات معهد التمويل الدولي بانكماش الاقتصاد اللبناني بين 12 و16 في المئة في العام 2026 نتيجة الحرب بالإضافة إلى توقعات بتوسع عجز الحساب الجاري إلى 17 في المئة من الناتج المحلي بنهاية 2026.
وتشمل الخسائر المتوقعة بالاقتصاد اللبناني تدمير البنية التحتية، وأضرار القطاعات الحيوية كالقطاع السياحي الذي تعطّل بشكل تام وتراجع بنحو 95 في المئة بحسب تقديرات القيّمين على النقابات السياحية.
وليس القطاع الزراعي ببعيد عن خسائر الحرب فقد تراجع النشاط الزراعي بنحو 40 في المئة، كما تعطّل النشاط التجاري بنسبة قاربت 60 في المئة وفق نقابيين والقطاع الصناعي، وبحسب المعلومات فإن مؤسسات تجارية في لبنان بدأت بصرف عاملين لديها مع تراجع نشاطها ويتوقّع خبراء أن تتسع دائرة المؤسسات المتأزمة بفعل الحرب وهو ما يدفع نسب البطالة إلى الإرتفاع وتالياً معدلات الفقر كنتيجة طبيعية.
ويبقى العامل الأخطر نقدياً ومالياً هو تراجع احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية ووقوف المصرف المركزي أمام تحدّي الحفاظ على استقرار سعر الصرف.
بالمحصلة لم تضرب الحرب قطاعاً بعينه، بل أصابت البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية والبشرية وأحدثت شللاً كاملاً في شرايين الدولة.
عزة الحاج حسن - المدن
The post هل تجاوزت خسائر لبنان الاقتصادية نقطة اللاعودة؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





