هل تعود مصر فاطميّة؟
أُقيمت أوّل صلاة جمعة بجامع الأزهر في 7 رمضان 361 هجري، الموافق 21 يونيو 972 ميلادي، بعدما بُنيَ بأمرٍ من الخليفة الفاطمي المُعزّ لدين الله الفاطمي، الذي أسّس مدينة القاهرة بمصر (1).
في رمضان دائماً سنة 1447 هجري، الموافق 20 مارس 2026 ميلادي، وبمسجد “الفتّاح العليم” بمصر، وبمحضر الرئيس عبد الفتّاح السيسي، ختم شيخ أزهري خطبة العيد بدعاء “اللهمّ بحقّ فاطمة، وأبيها، وبعلها، وبنيها، والسرّ الكامن فيها”، الشيء الذي أثار جدلاً واسعاً بين من اعتبره “دعاء بدعيّاً”، ومن كيّفه على أنّه “مجرد توسل بالعترة الطاهرة عليهم السلام”.
في ظل هذا التجاذب، نتسائل: ما الذي يسيء للتوحيد إذا ما توسّل المرء بأهل الكساء؟ أليس حديث الكساء هذا صحيحاً وثابتاً لدى الطرفين المتنازعين (شيعة وسنّة)؟
لماذا يُكيَّف التوسل على أنّه شرك وواسطة؟ ثمّ لماذا يصرّ بعض المسلمين على إحقاق فهمهم الخاص للتوحيد؟ أليست فاطمة “سيّدة نساء الجنّة”؟ أليس أبوها (صلى الله عليه وآله وسلّم) خير البريّة؟ أليس الإمام علي “قسيم الجنّة والنار” (2) ؟ أليس الحسن والحسين “إمامان قاما أو قعدا، وهما سيّدا شباب الجنّة”؟
مؤخّراً ذهب الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إلى أنّ “السنة والشيعة مسلمون ومؤمنون، وأنهم أمّة واحدة، وأبناء دين واحد، على زورق واحد، بينما قضية عدالة الصحابة تشكّل أهم القضايا التي تفصل فصلاً حاسماً بينهما” (3)، ولذلك اعتبر الشيخ أن اعتماد اعتقاد الشيعة بعدالة الصحابة كلّهم يفتح باب نقدهم لهم على مصراعيه، ما يؤدّي أحياناً بالغلاة والمتطرّفين منهم إلى الجرأة على تكفيرهم وادّعاء ارتكابهم للكبائر.
نقاش استفطب أيضاً الفنان المصري عمرو واكد، السني المذهب، والذي كان مؤخّراً “غير طيب” حسب البعض، لمّا استخرج من أمّهات كتب التراث بعض ما يصرّ “الطيبون” على إقباره. لقد تحدّث في تدوينة له على منصّات التواصل الاجتماعي عن وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وسلوك الصحابة في شأن تغسيله ودفنه (4).
ربّما يبعد عمرو واكد بتخصصه عن صنعة التراثيين، كما بعدت إقامته حالياً بالخارج، ما يجعل مآله بعيداً عمّا جرى لعديد من الأدباء (نجيب محفوظ كمثال)، والمفكرين (فرج فودة كمثال)، والمشايخ (حسن شحادة كمثال). هذا الأخير وبعد رحلة مضنية من البحث عن الحقّ كما يعتقده، تحوّل لمذهب أهل البيت (5)، المذهب الذي أقرّه شيخ الأزهر محمود شلتوت سنة 1961 كمذهب من المذاهب الإسلامية (6).
لكن كانت خيبة أمل الشيخ الطيب “راكبة جمل” كما يقول المثل الشعبي المصري، وهو يتحدّث عن الفرقة، “فالوقت ليس وقتاً للفرقة، والأزهر الشريف لا يريدها، كما لا يمكن له أن يقف مكتوف الأيدي أمام ترويج قضايا تطعن مباشرة في عقيدة أهل السنة، وهم 90% من المسلمين”.
غير أنّ هذه الكثرة العددية أو “الأكثريّة” في المقابل ليست مناط الحقّ المقدّس الذي يجب الإيمان به قطعاً، فالله تعالى مدح الأقلية بقوله: “وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” سورة سبأ 13، في حين ذمّ الأكثريّة بقوله: “وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ” سورة النمل 73 (7).
أمّا فيما يخص سوسيولوجية المواطن المصري، فإنّه “يصعب رصد ميولات عدائية له ضدّ الشيعة، لأنّ قضيّة التشيّع ليست هاجساً لدى عامة المصريين، على نحو ما هي هاجس مواطني دول عربية أخرى. المصريون يُقبلون على حضور الموالد، ويطوفون بين مقامات الأولياء في محافظات وأقاليم مصر، وينخرطون في حلقات الذكر وسماع المداحين، دون وضع اعتبار للمقولات الدينية المتشنّجة التي تعتبر هذه الممارسات شركاً” (8).
وبالتالي فإنّ حكم التوسّل والاستغاثة مباح لاعتباره وسيلةً للتقرّب إلى الله، القائل في محكم تنزيله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” سورة المائدة 35، وقد يقصد بالوسيلة القربة والواسطة كما قال بذلك ابن الأثير (9)، غير أنّ “الواسطة” لا تعني بالضرورة “الشرك”، لأنّ الله لمّا خلق آدم عليه السلام وأمر بالسجود له قربة إلى الله، أطاعه في ذلك كلّ الملائكة عدا إبليس، “الذي كان أوّل من رفض الواسطة” بتعبير المحامي المصري عيد ورداني (10).
ثمّ إنّه قد ثبت في صحيح البخاري أنّ الخليفة عمر بن الخطاب استسقى في عام الرمادة بقوله: “اللهمّ إنّا كنّا إذا أجدبنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا” [أخرجه البخاري 1010، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه: “هذا الحديث دليل على جواز التوسل بالصالحين” [ابن حجر، “فتح الباري”، 498/2]. وروى الحاكم في المستدرك وصحّحه، والطبراني في الكبير، عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان فقضى حاجته، فذكر ذلك لابن حنيف فقال: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي” [رواه الحاكم 313/2 وصحّحه ووافقه الذهبي] (11).
فإذا كانت “العودة للأصل فضيلة” كما يقال، هل تعود مصر يوماً لفاطميّتها؟
الهوامش:
(1) قامت الدولة الفاطمية خلال العهد العباسي بعد اضطهاد أتباعها في المشرق العربي، فاتخذت من المذهب الشيعي الإسماعيلي مذهباً رسمياً لها. يعتقدون أن نسبهم يرجع إلى مُحمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، أي من سلالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عبر ابنته فاطمة الزهراء.
(2) “قسيم الجنّة والنار” تعني اصطلاحاً: أنّه الفيصل بين المؤمنين وغيرهم، ما يؤكّده الحديث: “يا علي لا يحبّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق”. لمزيد من التدقيق، أنظر مقالنا “استشهاد عليّ”، جريدة هسبريس، 4 مارس 2026.
(3) أنظر مقالنا “المرافعة الكبرى لفائدة الحقّ ضدّ الباطل”، جريدة هسبريس، 21 مارس 2024، إذ أنّ الاختلاف بين الشيعة والسنة جذري لا ينحصر حول “عدالة الصحابة”.
(4) جاء في تدوينة الفنان عمرو واكد: “هل تعلم أن عبيد الصحابة لم يبحثوا ليعرفوا أنّه عند وفاة الرسول، سيّدنا عليّ هو من غسّله ودفنه، وأشهر الصحابة لم يحضروا الدفن؟”. كما أوضح أنّ هدفه من إثارة النقاش حول مرحلة ما بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو البحث عن الحقيقة التاريخية، خصوصاً ما يتعلّق بسقيفة “بني ساعدة”، بعيداً عن التقديس أو التخوين.
(5) عاصر الشيخ حسن شحادة الرؤساء الثلاث: عبد الناصر والسادات وحسني مبارك، لكن قُتل وبعض رفاقه من أتباع المذهب الشيعي بعد اعتلاء “الإخوان المسلمين” الحكم، على أيدي سلفيين تكفيريين، وكان ذلك يوم الأحد الرابع عشر من شعبان لعام 1434 الموافق 23 يونيو 2013 ميلادي في مدينة الجيزة.
(6) كان الشيخ محمود شلتوت (1893-1963)، شيخ الجامع الأزهر منذ عام 1958، حيث أفتى بجواز التعبّد بأيّ مذهب إسلامي محكم في العصر الحديث. باعترافه بصحة المذهب الجعفري الإثني عشري، تمّ إدخاله في مناهج تدريس الأزهر، كما مُنحت عضوية للشيعة في مجمع البحوث الإسلامية التابع له سنة 1961.
(7) ذمّ الله تعالى الأكثرية فقال: “وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ” سورة الأنعام 116، وقال: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” سورة لقمان 25، وقال: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ” سورة العنكبوت 63، وقال: “وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ” سورة الأنعام 119. في المقابل، مدح عزّ وجلّ الأقلية فقال: “وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ” سورة ص 24، وقال: “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ” سورة غافر 28، وقال: “وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” سورة هود 40، وقال: “وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” سورة يونس 55.
(8) كريم محمد، “شيعة مصر بين تعسّف السلطة وهواجس الأزهر”، فاتح غشت 2018.
(9) ابن الأثير، “النهاية في غريب الحديث والأثر”، تحقيق طاهر الزاوي، المكتبة العلمية، بيروت، 1399 هـ، مادة (وسل)، 5/ 204. وقال الراغب الأصفهاني في “المفردات”: الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخصّ من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة.
(10) المحامي عيد ورداني متشيّع، وقد تعدّدت الأرقام والإحصائيات حول عدد الشيعة في مصر، في ظل غياب تام للأرقام الرسمية، فمحمد حسنين هيكل في سنة 2008 ذكر أن عدد الشيعة في مصر يتراوح بين 18 ألفاً و35 ألف شخص، في حين تقدّرهم قيادات شيعية بالملايين، أما رئيس “مركز حقوق الإنسان” سعد الدين إبراهيم، فصرّح في 2013 بأنّ عددهم يقدّر نحو خمسة ملايين، هذا كان منذ أكثر من عقدين.
(11) روى الترمذي عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: أدعُ الله أن يعافيني. فقال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك» فقال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في» [رواه الترمذي (3578) وقال: حديث حسن صحيح]. روى البيهقي في “دلائل النبوة” والحاكم وصحّحه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. فقال الله تعالى: يا آدم كيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» رواه الحاكم 682/2 وصحّحه.
The post هل تعود مصر فاطميّة؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



