هل نجحت إيران في ترسيخ معادلة "الجنوب اللبناني مقابل إسرائيل"؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
مع كل ضربة إسرائيليّة تطال الضاحية الجنوبية لبيروت، لا يرتفع فقط عدد الضحايا، بل ترتفع أيضًا حدّة التوتر الإقليمي، الذي بات يُهدِّد بعودة الحرب الشاملة بين إسرائيل وإيران. وهُنا، فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه بقوّة هذه الأيام هو: هل نجحت إيران في ردّها على ضربات إسرائيل للضاحية بفرض قاعدةٍ جديدة تتمثل في ترسيم "الجنوب اللبناني مقابل إسرائيل"...؟! بمعنى آخر، هل استطاعت طهران أن تُخرج من رحم التصعيد قاعدة اشتباك جديدة تفرض فيها معادلة مفادها أن أيّ استهدافٍ لبيروت أو ضاحيتها سيُقابل باستهداف مباشر للداخل الإسرائيلي، وأنَّ وقف النار الشامل بات مرهونًا بوقف العمليات العسكرية الإسرائيليّة في جنوب لبنان؟
في هذا المقال سأُحاول الإجابة عن السؤال المطروح؛ وذلكَ من خلال تحليلٍ مُعمّق لتطوّرات الساعة، مستندًا إلى قراءة وازنة للأحداث.
ترفُض إيران الفصلَ بين الجبهات وتفرض شروطها. فبردّها، فجر اليوم، على الضّربات الإسرائيليّة للضّاحية، جاءت برسالةٍ واضحة وحاسمة: "لا يمكن الفصل بين الجبهات". طهران تربطُ، بشكلٍ صارم، أيّ اتفاقٍ لوقفِ إطلاق النار مع واشنطن بوقفٍ شاملٍ للعمليّات العسكريّة الإسرائيليّة على كُلِّ الجبهات، وخصوصًا الجبهة اللبنانية. وقد أكدت طهران، مرارًا، أنَّ استمرار الغارات على جنوب لبنان وضاحية بيروت هو خرقٌ فاضح لتفاهمات وقف إطلاق النار، وأنَّ أيّ مُحاولةٍ لعزل لبنان عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية هي محاولة لتفكيك ما تسميه "محور المقاومة".
عندما شنَّت إسرائيل غارتها على الضاحية الجنوبية لبيروت، ردَّت إيران سريعًا بإطلاق صواريخٍ باتّجاه إسرائيل، في أوّل عملية قصفٍ إيرانيٍّ مُباشر منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل. هذا الرد لم يكن مُجرد ردٍّ عسكري، بل كان ترجمة عمليّة للتهديدات التي سبق أن أطلقتها طهران، والّتي مفادها أنَّ "عبور الخطوط الحمراء في لبنان يعني حربًا مُباشِرة".
وبهذه التّرجمةِ العمليّة للتّهديدات، تكون طهران قَد كشفَت عن ملامح القاعدة الجديدة التي تُحاول فرضها. ومن خلال تحليل التصريحات والتحرُّكات الإيرانيّة، يمكن أن نستخلصَ ملامح هذه القاعدة الجديدة:
أولًا: وحدة الجبهات: رفض الفصل بين المُفاوضات مع واشنطن والوضع في لُبنان. تؤكّد إيران على أنَّ أيّ اتفاقٍ معها لن يتمّ إلّا بشمول لُبنان، و وقفٍ لإطلاق النّار.
ثانيًا: معادلة الردع: أيّ استهدافٍ للضاحية الجنوبيّة لبيروت سيواجه بردٍّ إيرانيٍّ مُباشر، يستهدف العمق الإسرائيليّ، كما حدث فجر الاثنين (8 حزيران/ 2026).
ثالثًا: ربط جنوب لبنان بمفاوضات إيران: تعمل طهران على جعل جنوب لبنان ورقة مساومة أساسيّة في مفاوضاتها مع واشنطن. فقد أظهرت التّحليلات أنَّ إيران نجحت، إلى حدٍّ بعيد، في ربط الجبهة اللبنانية بطاولة مفاوضاتها مع أميركا، ممّا أضعف نسبيًا مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي المباشر.
رابعًا: التهديد بفتح "جبهات جديدة": حذر الحرس الثوري الإيراني مرارًا من أنّهُ في حال استمرَّت إسرائيل في تجاوز الخطوط الحمراء، فإنَّ طهران لن تتردَّد في فتحِ جبهاتٍ جديدة في المنطقة، وتحديدًا، جبهة باب المندَب، ممّا يوسع دائرة الصراع ويرفع كلفته على جميع الأطراف.
لكن، استخلاص هذه الملامِح يجعلنا أمامَ سؤالٍ مُهِم، ألا وهو: هل نجحت إيران فعلًا في فرض هذه القاعدة؟ أما أنّ هناكَ مُعيقات تُعيقها في ذاك..
إلى حدّ هذه اللّحظة، وبعدَ أن ردَّت إسرائيل على الضّربات الإيرانيّة، بضربها مُدن ومواقِع حساسة في إيران، فإنَّ إيران كشفَت الغطاء عن هذه القاعِدة، لكنّ ليسَ هُناك ما يؤكّد على أنّها نجحَت في ترسيخها، وذلكَ لعدّةِ أسباب:
أولًا: إصرار إسرائيل على استمرار عملياتها: فرغم التحذيرات الإيرانيّة والأميركيّة، تواصل إسرائيل عملياتها العسكريّة في جنوب لبنان، بل توسُّعها. وقد أعلنَ رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" أنّهُ أمرَ قواته بزيادة السيطرة على الأراضي في جنوب لبنان، ممّا يُشير إلى أنَّ إسرائيل لا تعترف بهذه القاعدة الجديدة.
ثانيًا: استمرار القتال: لم تتوقَّف الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل، بل تتصاعد، ممّا يعني أنَّ القاعدة الجديدة لم تُترجم بعد إلى استقرار أو حتى إلى وقف إطلاق نار فعلي.
ثالثًا: موقف حزب الله: القيادي في حزب الله، محمود قمّاطي، أكد، في لقاءٍ لهُ على التلفزيون العربيّ، رفض الحزب لمعادلة "الضاحية مقابل المستوطنات"، مما قد يشير إلى وجود تباينٍ في التكتيك بين طهران وحلفائها في بيروت.
رابعًا: تعقيدات المُفاوضات: المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لا تزال في حالة جمود، ممّا يجعل من الصعب الحديث عن تسوية شاملة تشمل لبنان.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إنَّ إيران لم تفرض بعد، وبشكلٍ كاملٍ وحاسم، قاعدة "الجنوب اللبناني مقابل إسرائيل"، ولكنّها نجحت في وضعِ أسسها وترسيخ ملامحها بشكلٍ لم يعد من المُمكن تجاهله. فالردّ الإيرانيّ المُباشر على قصف الضاحية، وربط أيّ اتفاقٍ بوقف العمليّات في لبنان، والتّهديد بفتح جبهاتٍ جديدة، كُلها عوامل تُثبت أنَّ طهران أصبحت لاعبًا أساسيًا في المعادلة اللبنانية، وأنّها تمتلك القدرة والإرادة لفرض قواعد اشتباكٍ جديدة.
ومع ذلك، تبقى المعركة مفتوحة على كل الاحتمالات. فإسرائيل، بدعمٍ أميركي، لا تبدو مُستعدةً لقبول هذه القاعدة الجديدة، وستواصل الضغط لتحقيق أهدافها الأمنية. كما أنَّ تعقيدات المشهد الداخلي في كُلٍّ من إيران ولبنان وإسرائيل تجعل من الصعب التنبؤ بالنتيجة النهائية.
إنَّ ما حدث في الأيام الأخيرة هو خطوة إيرانية جريئة نحو إعادة رسم قواعد اللُّعبة في الشرق الأوسط. ولكن يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح إيران في الحفاظ على هذه المكاسب وتحويلها إلى قاعدة ثابتة، أم أنَّ إسرائيل ستتمكَّن من كسر هذه المُعادلة الجديدة قبل أن تستقر؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتضح في الأسابيع والأشهر القادمة. لكن، ما لا شكَّ فيه هو أنَّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة، وأنَّ "الجنوب اللبناني" بات في صُلب الصراعِ الإقليميّ الأوسع بين إسرائيل وإيران.


